«الجواب يبان من عنوانه».. هكذا يمكن قراءة مسرحية الست «أم كلثوم -دايبين فى صوت الست» فمنذ اللحظة الأولى والعرض لا ينتظر رفع الستار ليأخذ المتلقى إلى ما يسُمّى بـ«الزمن الجميل»، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ منذ دخول المتفرج إلى محيط المسرح ذاته.تسُتدعى الأجواء الكلثومية بعناية واضحة، حيث يواجه الجمهور ديكور غرفة أم كلثوم وتمثالها، فى محاولة واعية لتهيئة الحالة الشعورية قبل بداية العرض. هذا التوظيف البصرى لا يعمل فقط كعنصر ديكورى، بل كمدخل نفسى ووجدانى، يعُيد المتلقى زمنيًا إلى عالم «الست»، ويضعه داخل حالة من الحنين والاستدعاء العاطفى، حتى قبل أن تبدأ المسرحية فعليًا.تبدأ المسرحية بصوت الراديو المميزّ والمألوف، ذلك الصوت الذى ارتبط فى الذاكرة الجمعية بتقديم حفلات أم كلثوم، فيخلق إحساسًا فوريًا بأننا لسنا فى مسرح، بل فى إحدى ليالى حفلات «الست». هذا الاختيار الصوتى لا يعمل فقط كمدخل درامى، بل كآلية استدعاء مباشر للزمن، حيث يتحوّل الراديو إلى بوابة عبور بين الحاضر والماضى.ويكتمل هذا الاستدعاء البصرى باستحضار جسد أم كلثوم عبر تقنية الهولوجرام، فى محاولة لإعادة تجسيد حضورها الجسدى على خشبة المسرح. هنا لا يقدَّم الجسد بوصفه محاكاة واقعية كاملة، بل كظلّ أو طيف، يعزّز فكرة الاستحضار لا الإحلال، ويؤكد أن ما يُعاد إنتاجه هو الأثر والذاكرة، لا الأصل ذاته.ورغم هذا الاستدعاء الكثيف لأجواء «الزمن الجميل»، فإن العرض لا يقع فى فخ الانغلاق على الماضى، بل يحرص على توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة ليقدّم صورة مسرحية يتكامل فيها الحاضر مع الماضى.يظهر هذا التكامل بوضوح من خلال استخدام تقنيات الهولوجرام لاستحضار جسد «الست» فى بعض المشاهد، بوصفه حضورًا بصريًا دالًا أكثر منه إعادة تجسيد حرفية.كما توُظَّف شاشة العرض الخلفية بوصفها عنصرًا سينوغرافيًا فاعلًا، لا مجرد خلفية ثابتة؛ فتتحول أحيانًا إلى مشاهد للقرية والمطر، بما تحمله من دلالات النشأة والبدايات، وتتحول فى أحيان أخرى إلى مقر النقابة أو تجمعات الموسيقيين، فى إحالة مباشرة إلى محيط أم كلثوم الفنى والاجتماعى. كذلك تسُتخدم الشاشة لعرض صور الجرائد والعناوين الصحفية، لتلعب دورًا توثيقيًا بصريًا ينقل المتفرج إلى السياق الزمنى والسياسى والثقافى الذى عاشت فيه أم كلثوم.بهذا التوظيف، لا تصبح التكنولوجيا عنصرًا دخيلًا على العرض، بل أداة سردية تساهم فى بناء عالمه، وتدعم فكرة الانتقال المستمر بين الأزمنة دون كسر الإيهام المسرحى.بعد هذا البناء البصرى والتقنى الذى يهيّئ المتلقى للدخول إلى عالم أم كلثوم، يبرز عنصرا التمثيل والإخراج باعتبارهما الرهان الحقيقى للعرض، خاصة فى ظل تزامنه مع عرض فيلم «الست»، بما تحمله السينما بطبيعتها من إمكانات واسعة للإبهار البصرى. ورغم هذه المنافسة غير المباشرة مع وسيط فنى يعتمد على الصورة المُكثفّة والمؤثرات، تنجح المسرحية فى تحقيق تأثيرها الخاص من خلال الاعتماد على الحضور الحى، وعلى طاقة التمثيل المباشر التى لا يمكن تعويضها بأى وسيط آخر.يختار الإخراج أن يتعامل مع أم كلثوم بوصفها حالة رمزية أكثر منها شخصية درامية مكتملة، وهو ما ينعكس على توجيه الأداء التمثيلى للشخصيات المختلفة، التى لا تسعى إلى محاكاة «الست» بقدر ما تعبرّ عن علاقتها بها وتأثرها بصوتها ومسيرتها. هذا التنوّع فى التمثيل يمنح العرض خصوصيته المسرحية، ويؤكد اختلافه عن الطرح السينمائى القائم على إعادة التجسيد البصرى الكامل.كما يسهم الاستخدام الواعى للتكنولوجيا - من الهولوجرام إلى الشاشات الخلفية - فى دعم هذا التوجّه الإخراجى، حيث تعمل كوسيط مساعد لا كمنافس للأداء الحى، فتتضافر العناصر التقنية مع التمثيل لتقديم عرض قادر على الإبهار، دون التفريط فى جوهر المسرح القائم على اللقاء المباشر بين الممثل والمتفرج.جاء العرض من إخراج أحمد فؤاد، الذى قاد فريقًا كبيرًا من الممثلين والممثلات الشباب، فى تجربة تعتمد فى الأساس على الأداء الجماعى وتنوّع الشخصيات وشارك فى التمثيل على سبيل المثال أسماء الجمل فى دور أم كلثوم وهى كبيرة وملك أحمد فى دور أم كلثوم، وهى طفلة وسعيد سلمان فى دور أحمد رامى وليديا لوتشيانو فى دور منيرة المهدية ومنار الشاذلى فى دور الأخت سيدة البلتاجى وأحمد الحجار فى دور عبدالوهاب وفتحى ناصر فى دور بليغ حمدى ومحمد أيمن فى دور محمد فوزى وآخرون.وقد قدمت الممثلة أسماء الجمل شخصية أم كلثوم فى مرحلتها العمرية المتقدمة بأداء يتسم بالبساطة والسلاسة، بعيدًا عن التقليد الحرفى أو الاستنساخ الصوتى المباشر. لا تسعى أسماء إلى محاكاة نبرة صوت أم كلثوم الشهيرة، بقدر ما تعمل على نقل روحها وحضورها الإنسانى، وهو اختيار ذكى يجنّب الأداء الوقوع فى فخ المقارنة القاسية مع الأصل.ينجح هذا الأداء فى إبراز خفة دم أم كلثوم وذكائها الاجتماعى، وهى جوانب كثيرًا ما تهُمَل لصالح صورة «الست» الرسمية الصارمة. كما يأتى الغناء بصوت جميل ومتوازن، ورغم اختلافه الواضح عن خامة صوت أم كلثوم، فإن جمال الصوت وتماسك الأداء يخلقان حالة إقناع مسرحية تجعل المتلقى يتقبلّ حضور الشخصية ويصدقها.وتظُهر أسماء الجمل براعة لافتة فى الانتقال بين المراحل العمرية المختلفة للشخصية، من خلال تغييرات دقيقة فى الجسد، والإيماءة، والإيقاع الداخلى للأداء، بما يعكس وعيًا تمثيليًا بالشخصية بوصفها كيانًا متحوّلًا عبر الزمن، لا صورة ثابتة. وبهذا الأداء، تنجح الممثلة فى تقديم أم كلثوم بوصفها إنسانة قبل أن تكون أسطورة، وحضورًا مسرحيًا حيًا قبل أن تكون أيقونة غنائية.نجح المؤلف مدحت العدل فى تقديم جانب أم كلثوم الإنسانى، بعيدًا عن الصورة النمطية للفنانة الشهيرة والمقدّسة، ليظُهر لنا «الست» كسيدة وكإنسانة لها مشاعرها، مخاوفها وطموحاتها، وليس فقط كأيقونة فنية.ففى مشهد غنائى مؤثر، توضّح أم كلثوم سبب مسكها للمنديل أثناء الغناء، كإشارة لتوترها وقلقها من مواجهة الجمهور، مشهد يعكس هواجسها الإنسانية خلف النجومية.كما تعالج المسرحية أحلام أم كلثوم المتكررة التى تتخيلّ فيها الغرق، كرمز لخوفها من الفشل، وهو مشهد دعمت فيه الشاشة الخلفية التقنية المشهد بصريًا، لتقريب المتفرج من عالمها النفسى. لا يكتفى النص بذلك، بل يستحضر أيضًا جانب الفشل المهنى، كما فى تجربتها فى فيلم «عايدة»، لتظُهر أن الإنسانية لا تتناقض مع الطموح، وأن الفشل جزء من مسيرة النجاح. فى هذه اللحظات، تمُنح الشخصية مساحة للتعبير عن القلق والإصرار معًا، ليبُرز المؤلف أن صعود «الست» إلى سلم النجاح لم يكن طريقًا سهلًا، بل رحلة صعبة مليئة بالتحديات، ما يجعلها أكثر قربًا إلى قلب المتلقى.شهدت المسرحية مشهدًا استثنائيًا لمبارزة تمثيلية وغنائية بين شخصيتى أم كلثوم ومنيرة المهدية، جسّدت القدرات الاستثنائية لكل من أسماء الجمل وليديا لوتشيانو فى الأداء التمثيلى والغنائى. فى البداية، ظهرت منيرة المهدية أعلى السلم، بينما وقفت أم كلثوم أسفله، فى رمزية بليغة تعبرّ عن مكانة كل منهما فى ذلك الزمن، وتبرز التراتبية الفنية بين النجمتين.ثم يتطور المشهد إلى لحظة درامية ساحرة، إذ تفتح أرضية المسرح فجأة لتسحب منيرة المهدية إلى الأسفل، مختفية فى مشهد خلاب يعكس نهاية نجمها وصعود سيطرة أم كلثوم على المشهد الغنائى، معبرًا عن التحولات التاريخية فى عالم الغناء العربى.ولا يقتصر العرض على ذلك، إذ يتكرر مفهوم المبارزة فى مشهد آخر يجمع بين أم كلثوم وعبدالوهاب، حيث يتخذ كل منهما جانبًا من المسرح: عبدالوهاب على يمينه مرتديًا اللون الأسود، وأم كلثوم على يساره باللون الأبيض، فيما يبرز كل منهما بتقديم أغانيه الشهيرة، لتتجسد صراع الألحان وتباين الشخصيات فى فضاء مسرحى متكامل.رغم كثرة الأدوار وتنوعها، فقد اتقن كل ممثل دوره بمهارة لافتة، ما أضفى على المسرحية تماسكًا دراميًا وموسيقيًّا. على سبيل المثال، جسدت منار الشاذلى دور سيدة أخت أم كلثوم بعمق ورقة، موضحة دورها الفعّال فى حياة البطلة، ومتميزة بصوتها الحلو الذى انسجم تمامًا مع الجو الغنائى للمسرحية.أما هدير الشريف فقدمت دور زوجة رامى هدى بشكل يعكس الصراع الداخلى للحب والوفاء، وهى تعلم بمشاعر زوجها تجاه الست، لكنها نجحت فى التعبير عن ذلك بأسلوب هادئ ومعبرّ جدًا، مما أضاف بعدًا إنسانيًا رقيقًا للشخصية، وعزز التوازن بين الدراما والغناء فى العمل.ما يميز الأداء فى المسرحية أيضًا هو أن جميع الأدوار لم تعتمد على التقليد الحرفى للشخصيات الحقيقية، بل حرص الممثلون على تلمس روح كل شخصية وجوهرها الداخلى، ما جعل الأداء أكثر صدقًا وتأثيرًا على الجمهور، وجعل الشخصيات تنبض بالحياة على خشبة المسرح دون أن تفقد هويتها التاريخية.ولم يقتصر التجديد على الأداء التمثيلى فقط، بل امتد إلى عناصر الأزياء والديكور، التى قاما بها كلا ريم العدل ومحمود صبرى. فقد ابتعدت الأزياء عن التقليد الحرفى لما كانت ترتديه أم كلثوم، واختارت بدلًا من ذلك قطعًا تحمل سمات تلك الحقبة وتعكس شخصية البطلة، بما يوازن بين الواقعية والرمزية الفنية. أما الديكور فقد استعمل محمود صبرى القطع المتحركة ببراعة لنقل الجمهور من منزل أم كلثوم إلى خشبةالمسرح، مستغلًا كل جانب من المسرح بشكل مدروس؛ فالجانب الأيمن يمثل منزل عبدالوهاب، والشمال منزل رامى، ما أضاف بعدًا سرديًا بصريًا للمشاهد.كما أسهمت الشاشة الخلفية فى بعض المشاهد فى تكملة عناصر الديكور، إذ نقلت لنا صور القرية والموالد التى غنت بها أم كلثوم وهى طفلة، لتضفى على العرض بعدًا زمنيًا يربط الماضى بالحاضر، ويعمّق تجربة المشاهدة ويغنى الطابع التاريخى للمسرحية.لعبت الإضاءة دورًا بارزًا فى توضيح المواقف المختلفة والمشاعر المتباينة للشخصيات، من خلال استخدام السبويت لايت وتدرجات الألوان المختلفة، ما أضفى على المشاهد بعدًا تعبيريًا وبصريًا يعزز الدراما ويبرز التوتر أو الرقة فى كل لحظة.ويجدر الإشارة أيضًا إلى أثر المنتج مدحت العدل، الذى ظهر إنتاجه بشكل واضح فى جميع عناصر المسرحية، من الديكور والأزياء إلى باقى عناصر العرض، ما أسهم فى تقديم تجربة مسرحية متكاملة ومميزة، تجمع بين الرؤية الفنية والإتقان الفنى والتنظيم الإنتاجى الرفيع.المسرحية تتسم بطابع غنائى استعراضى، حيث تم توظيف الاستعراض ليخدم البنية الدرامية بشكل متكامل، بما ينسجم مع الأحداث ويعزز التوتر الدرامى. ولم تقتصر الأغنيات على أعمال أم كلثوم فحسب، بل أدُخلت أغانٍ متنوعة، شملت أغانى لعبدالحليم حافظ وليلى مراد، بالإضافة إلى أغانٍ عصرية ألّفت خصيصًا للمسرحية.حتى أغانى أم كلثوم، تم تقديمها بطريقة مبتكرة، حيث دمج بين صوت وحضور أم كلثوم التاريخى وبين أداء أسماء الجمل لأغانى ومواقف البطلة على المسرح، ما أضفى طابعًا حيويًا على العرض، ومنح الجمهور تجربة غنائية متجددة. هذا التنوع فى الموسيقى والأداء جعل العرض مشوقًا وممتعًا، رغم أننا نشاهد قصة مألوفة ومعروفة، ما حافظ على انتباه الجمهور وأبعد عنه شعور الملل.يختتم العرض بمشهد مؤثر يجمع بين أم كلثوم الصغيرة، وأبيها، وأم كلثوم فى لحظة رمزية تعكس التحاق روحها بوالدها، فى تصوير شعورى رقيق للموت والفقد. لكن قبل أن يسدل الستار، تصعد أم كلثوم سلم المجد، تحيى جمهورها، وتعلن بصوتها ووجودها: «إننى لم أمت، فأنا أعيش معكم بأغنياتى». بهذا المشهد تختتم المسرحية، مؤكدة أن أم كلثوم ما زالت حية بين جمهورها ومحبيها، وأن صوتها باقٍ، خالد مع الزمن، مما يترك المشاهدين فى حالة من التأثر والاندماج العاطفى مع تاريخ أيقونة الغناء العربى.فى النهاية، تبرز مسرحية أم كلثوم كعمل متكامل يجمع بين الدراما والغناء والاستعراض، ويعيد إحياء تاريخ أيقونة الغناء العربى بروح جديدة ومبتكرة. من الأداء التمثيلى الذى تلمس جوهر الشخصيات، إلى الإبداع فى الديكور والأزياء والإضاءة، مرورًا بالموسيقى المتنوعة التى تجاوزت حدود الأغانى التقليدية، كل العناصر انسجمت لتقديم تجربة مسرحية غنية ومؤثرة. وهكذا، لا تقُدم المسرحية مجرد قصة مألوفة، بل تحُيى روح أم كلثوم وتؤكد أن صوتها وحضورها ما زالا حيين بين جمهورها، باقين خالدين مع الزمن، لتترك فى نفوس المشاهدين تجربة لا تنُسى وتمزج بين الفرح والحزن، بين الحنين والإعجاب.