الربط بين الأداء المسرحى والأدائية (2)

الربط بين الأداء المسرحى  والأدائية (2)

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

• التأكيد الحسى فى مفهوم الأداء

 لقد حددنا الآن الإحداثيات التى يمكن عند تقاطعها أن يتشكل مفهوم حسى للأداء. ويمكن وصف هذا المفهوم بست طرق:
•  المبدأ المنهجى الذى يقوم عليه التركيز على الأداء هو علاقة تكوينية بالأسطح، والتى تشمل مفهوم «الوجود المسطح». من هذا المنظور، تُثبت البنى العميقة المُجسّدة أنها تكثيفات لممارسات مكانية- زمانية (سطحية).
•  بينما كان يُفهم مصطلحا «الأداء» و«الأدائية» فى الأصل على أنهما سمتان للأفعال اللغوية والتواصلية، فقد تحوّل التركيز هنا من التواصل إلى الإدراك. وهذا ليس انفصالًا، فـ«القول» و«الإظهار» لا يستبعد أحدهما الآخر، بل يشمله. ومع ذلك، فإن القول مشتق من الإظهار.
•  يحدث الإدراك فى التوتر القائم بين المؤدين والمُلاحِظين، بحيث لا يقتصر ما يفعله المؤدى على مجرد «الفعل» بل «جعل الشيء محسوسًا». ويستند ما يُصبح محسوسًا إلى الكيفية، إلى أسلوب التنفيذ. لا يكمن الجوهر وراء المظهر، بل فى المظهر نفسه.
• إن ما يظهر يتجاوز نطاق الرمزى. فبينما شكّلت السيميائية والتمثيل والتفسير تجلياتٍ للثقافة منذ نشأة العلوم الإنسانية على الأقل، فإن التركيز على الأداء يُبرز نشاطنا التمثيلى، الذى لا ينضب، على وجه التحديد، فى مضمونه الرمزى والتمثيلى. وهكذا يصبح «الأداء» نقطة انطلاق للبحث عن «ما يأتى بعد العلامة».
• إنّ تصور فعلنا فى المقام الأول من منظور العرض ليس نموذجًا شائعًا، ولكنه تعزز بشكل دائم من خلال نسخة نظرية أفعال الكلام من الأداء، بنظرتها التى تركز على المؤدى والفعل فى الحالة الإنسانية. من منظور حسى، مع ذلك، يمكن للأداء أن يزيد الوعى بعكس الفعل، الذى هو دائمًا وقوع، وبالوجه الآخر للفعل، الذى هو دائمًا تلقى، وبحدود التنفيذ، التى هى دائمًا انسحاب، وبانعكاس السلطة، الذى يُعاش كعجز.
•  عند النظر فى وظيفة التقويض التى تميل الإشارات إلى الأداء إلى القيام بها فى التغلب على تنوعات التفكير التمثيلى، يجب أن نضع فى اعتبارنا أنه بمجرد تحقيق هذه الغاية الاستراتيجية والنقدية من الناحية المفاهيمية، قد يصبح مفهوم الأداء (على الأقل بالمعنى الضيق للمصطلح) متقادمًا. ونظرًا لمصادره وأبعاده غير المتجانسة، فمن غير المؤكد ما إذا كان توحيد مصطلح «الأداء» منطقيًا كمفهوم أساسى لفهم الثقافة. من الممكن أن يأتى وقت يكون فيه هذا المصطلح متعدد الأوجه قد أدى وظيفته.
والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: ما الغرض من هذا النوع من التركيز الحسى، بخلاف كونه ملاحظة وتعليقًا على تطور النظرية فى الدراسات الثقافية والعلوم الإنسانية؟
سأوضح فيما يلى، على سبيل المثال، كيف يمكن للتركيز الجمالى أن يسهم فى فتح آفاق جديدة للتأمل الفلسفى والبحث. يتعلق مثالى بمنهج فى نظرية الوسائط قائم على جعل الشيء محسوسًا بواسطة وسيط.()

•  الوسيط كرسول يتحدث بصوت غريب
 منذ أن اكتُشفت الوسائط كموضوعات مهمة للدراسة فى العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، فُهمت على أنها كيانات وأدوات تُشكل الرسائل التى تنقلها بطريقة شبه بديهية. وبشكل عام، يمكننا القول إن الوسائط، بقدرتها على خلق العالم، قد سدت الفجوة التى خلّفها تآكل المفهوم الحديث للذات منذ نيتشه وفوكو. وإن مفهوم الأداء، بتركيزه على الأفعال الرمزية، كما نتذكر، يُشارك فى التقييم الحديث للمبدأ التوليدى من خلال تحديد الممارسات السيميائية كأدوات لخلق العالم.ويمكن إجراء تشخيص مماثل لنظرية الوسائط: فعندما ظهرت الوسائط كوسائل لا كوسائط، فهمنا ما تفعله من منظور أداتى وصانع. إن كون الوسائط تُولد ما تنقله يُشبه إلى حد ما عقيدة المناقشات الحديثة فى نظرية الوسائط.
 لكن ثمة منظورًا آخر لهذا الأمر. لنفترض أن الوسائط هى «وسطاء» وليست مجرد «وسائل»، تتوسط بين عوالم/مجالات/أنظمة متباينة، وتتمثل مهمتها فى إحداث تبادل. سنطلق على هذه الوسائط اسم «الرسل». إذا ركزنا الآن على «أداء الوسيلة المستخدمة» ولا يكون الشيء وسيلة إلا كوسيلة مستخدمة، يتضح أن الوسائط تجعل نفسها غير مرئية عندما تنقل شيئًا ما. بالنسبة للرسول، نجد ذلك فى ميله إلى تحييد ذاته. (لا يمكننى الخوض أكثر هنا فى حقيقة أن تحييد الذات هذا مصحوب دائمًا بأشكال من الانعكاس، حيث يتحول الملاك إلى شيطان، والوسيط إلى مُدبّر، والرسول إلى مؤدى.()
ما يتكثف بشكل جذرى فى مفهوم «الرسول المحتضر» يشكل مبدأً وظيفيًا لجميع الوسائط: الوسائط تجعل شيئًا ما يظهر تحديدًا من خلال كبح جماح نفسها. () إن عدم تنفيذ الوسائط هو انسحابها.() هذا هو جوهر «نموذج الرسول» كبنية أساسية لنظرية الوسائط. يتحدث الرسول بصوت غريب. ولكن هل يتعلق الأمر هنا حتى بـ»التحدث» بمعنى فعل الكلام؟ الرسول ليس مسئولًا عما يقوله؛ ليس عليه أن يكون مقتنعًا بمضمون ما يبلغه؛ ليس عليه حتى أن يفهم ما ينقله. عليه فقط أن يُظهر بدقة قدر الإمكان ما قاله الشخص الذى أرسله، من خلال تجسيده وبالتالى جعله «متحركًا». ومن المثير للاهتمام، أن كلًا من «الأفعال الأصلية» وكلام الرسول يشكلان حرمانًا من الخطاب كما هو محدد فى نظرية أفعال الكلام.  يحمل الرسول الرسالة؛ أو بتعبير أدق، هو لا يُبلّغ، بل يجعل ما قاله الآخر محسوسًا. اذ يكشف نموذج الرسول عن جعل شىء غير حسى محسوسًا كوظيفة أساسية لوسائل الإعلام. وتُضفى الوسائط طابعًا جماليًا. إنها تُظهر دون أن تُظهر نفسها.() واستجابةً للتركيز المستمر على العرض والإبداع، يُعزز نموذج الرسول منظور النقل والتداول والوساطة، ويُعيد تأهيلها كأشكال من النشاط ضرورية للثقافة ومُمكّنة لها.() وهذا يشمل توسيع نموذج الرسول ليشمل «الرسول غير المقصود» للأثر.() ليس لدىّ المساحة هنا، مع ذلك، لتطوير المتطلبات الأساسية والآثار والنتائج لمنظور «الرسول» هذا .

 •  ماذا بعد ؟
 دعونا نتذكر ما تُظهره لنا تبعية الرسول كشخصية أساسية فى الوسائطية حول إمكانية التركيز الجمالى فى مفهوم الأداء.
 إنّ إضفاء الطابع الثقافى على العلوم الإنسانية، والذى نتيجةً له لم يعد يُقبل التمثيل والتفسير باعتبارهما جوهر البحث فى هذه المجالات دون أدنى شك، هو أيضًا تعبير عن خط بحثى ينطلق من السؤال: «ماذا يأتى بعد العلامة؟».
 من الواضح أن «التحول الوسائطى» يُمثل إحدى المحاولات بعيدة المدى لإضعاف نموذج العلامات والتفسير. وقد شكّل هذا التحول أيضًا بداية لحركة مناهضة للتأويل، حيث تم تحويل وسائل الإعلام إلى أجهزة وأدوات تقنية. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الآلات الإعلامية تُنظر إليها ببساطة على أنها مُولِّدات لرسائلها، وبالتالى على أنها المُسلَّمات التقنية للثقافة والتاريخ.
 إنّ اعتبار الوسيط بمثابة رسول يُقصّر هذا المفهوم التقنى للوسائط. لكن ألا يُسهم هذا، من جهة أخرى، فى «تأصيل الوسيط» بمعنى أن الوسيط هنا يُعرّف بالجانب المادى للعلامة، وبالتالى بـ«وسيط العلامة»؟ لكنّ الفحص الأدائى للوسيط كوسيط قيد الاستخدام والتحديد الحسى للمهمة الأساسية للوسائط باعتبارها جعل الشيء محسوسًا من خلال تحييده الذاتى، يؤديان تحديدًا إلى فرقٍ مُنير بين العلامة والوسيط، يضع حدًا لتحديد الوسيط بالعلامة أو وسيط العلامة المادية. يجب أن تكون العلامة محسوسة، لكن ما هو محسوس ثانوى، بينما معنى العلامة، الذى يُعتبر عادةً غير مادى أو غير مرئى أو أو غائب، هو الأساسى. أما بالنسبة للوسائط، فالأمر معكوس. ما ندركه عادةً هو الرسالة، بينما تُخدر الوسيلة نفسها نفسها وتختفى أو تصبح غير مرئية فى الاستخدام العادى. من منظور سيميائى، ما هو مخفى هو المعنى الكامن وراء المظهر الحسي؟ من منظور إعلامى، ما هو مخفى هو الحسية الكامنة وراء المعنى؟ () أشير هنا عمدًا إلى «المنظورات»، لأن العلامات والوسائط لا تُشكل، بالطبع، فئات منفصلة من «الأشياء»، بل منظورين مختلفين يمكن من خلالهما النظر إلى الظواهر الثقافية والاجتماعية وتحليلها. نحن هنا بصدد علاقة مشابهة لتلك بين التمثيل والأداء: فوسائل الإعلام ليست مجرد نظير للعلامات، بل تُعبّر عن بُعد فى ما نلاحظه كعلامات لم يعد يخضع لمنطقها.
 
الهوامش

•  سيبيل كريمر هى أستاذة الفلسفة فى جامعة برلين الحرة. وهى عضو مؤسس لمركز هيلمهولتز للتقنيات الثقافية فى جامعة هومبولت فى برلين. من عام 2000 إلى عام 2006 كانت عضوًا فى Wissenschaftsrat (المجلس الألمانى للعلوم والإنسانيات)، ومن عام 2005 إلى عام 2008 زميلًا دائمًا فى Wissenschaftskolleg (معهد الدراسات المتقدمة) فى برلين. وهى مستشارة لمجلس البحوث الأوروبى ورئيسة كلية الدراسات العليا 1458 Schriftbildlichkeit. Über Materialität, Wahrnehmbarkeit und Operativität von Notationen’ [الرمزية الرمزية: حول مادية الكتابة وإمكانية إدراكها وعمليتها].
•  هذه المقالة هى الفصل العاشر من كتاب مواجهات فى فلسفة الأداء Encounters in Performance Philosophy إعداد لورا كول وأليس لاجاى الصادر عن بالجراف ماكميلان 2014


ترجمة أحمد عبد الفتاح