نوادى المسرح فى عالم متغير(5)

نوادى المسرح فى عالم متغير(5)

العدد 961 صدر بتاريخ 26يناير2026

3/صراع السرديات
يحاول الإنسان عادةً تفسير العالم من خلال اختراع مجموعة من السرديات التي كانت في الماضي نسميها «الأساطير»؛ حيث كانت تسرد تفسير الإنسان لظواهر العالم، أو تسرد ما يحاول أن يبرر به الإنسان ظواهر العالم من حوله. وكان لكل شعب من الشعوب أساطيره (سرديته) الخاصة به، وهذه السرديات «الأساطير» هي التي كان يفهم الإنسان القديم عبرها العالم، ويفسر ظواهره، ومن خلال فحصها يمكن أن نفهم كيف كان يفكر الإنسان الحامل للأسطورة، وما هي ثقافته.
وفي العصر الحديث أنتج الإنسان مجموعة من السرديات لذات الغرض القديم (تفسير الظواهر أو تبريريها)، ويطلق علي هذه السرديات مسمى «السرديات الكبرى»، ونجدها حاضرةً في الخطاب اليومي كما نجدها في الإعلام، ويمكن أن نرصد تمثلاتها في خطاب بعض الفنون والآداب. وربما لا يحتاج حضور السرديات في المسرح إلي برهان، بما أنَّ المسرح يعتبر سردًا لأفعال أناس يحاكون آخرين، لكننا لا نسعى لمقاربة المسرح مقاربة سردية، بل نقارب خطابه، مقاربةً تحليلية. فالمسرح يمكن اعتباره مؤسسة منتجة للخطاب في صورة مركبة هي العرض المسرحي، وهي مؤسسة تستطيع ممارسة –بل تمارس- السلطة.
ويعتبر «الخطاب المسرحي» بما يسرده عن العالم من أهم وسائل التعبير التي يمكن أن تلقي الضوء على مجموعة متنوعة من القضايا الاجتماعية والنفسية والثقافية من خلال شخوص وأحداث العروض المسرحية، فالخطاب يُنظر له باعتباره ممارسة نسقية إنسانية اجتماعية ثقافية. ويتميز «الخطاب المسرحي» بتعدد السرديات والتناقضات التي قد تكون مسئولة عن خلق الصراعات الداخلية والخارجية علي مستوى الممارسة والموضوع في العرض المسرحي لتشكل جوهر اللعبة المسرحية. ويُعد «الخطاب المسرحي» فضاءً تتلاقح فيه اللغة والأفعال والصور والحركة، فهو شبكة من المعاني المتدفقة في إطار المعنى الكلي للحبكة الدرامية.
ومن الممكن أن يكون الصراع ظرفًا سياقيًا، يستدعي بناء السرديات التي تعمل على تعزيز التناقض القائم بين «الأنا» و«الآخر»، فتعمل السردية المُنْتَجة في هذا الظرف السياقي على تعظيم «الأنا»، وتقليل/تحقير «الآخر» أو نفيه، كما في سردية «الذكورة» التي ترفع وتعظم من شأن الرجل وتمنحه كل الحقوق وتحتقر غيره. وفي العروض المسرحية قد تستخدم السردية لتعزيز الصراع الدرامي أو خلقه، فيُبنى الصراع الدرامي بين الشخوص كممثلين لسردياتهم أحيانًا، وقد يتم صياغة الماضي على مستويين، أحدهما فردي، والآخر جماعي، لخدمة هذا الصراع، كما في عروض: «الأيام المخمورة» (إخراج: عبد الرحمن طلعت؛ الأسكندرية)، و»الخروج عن النص» (إخراج: ماركو فؤاد؛ الشرقية)، و»خيط أحمر طويل» (إخراج: زينب العزب؛ الأقصر). في الدراما تتعدد مصادر الصراع، فيكون بعضها داخلي والآخر خارجي، وقد يتصور غلبة الصراع الخارجي علي الداخلي لتعددية أشكال الصراع الخارجي، وتكون «السرديات الكبرى» المتصارعة حاضرةً، لأنها تتصارع علي شيء واحد رئيسي؛ هو: سردية من التي سيتم إقرارها باعتبارها حاملةً للمعني، فنجد سرديات النهاية (الديستوبيا) في مواجهة سرديات اليوتوبيا، كما في عرض «موسم الحرب الغناء» (إخراج: أحمد سعد؛ بور سعيد).  
«السرديات الكبرى» الحاضرة في «الخطاب المسرحي» ليست واحدة، لكنها متعددة، وكل سردية تسعى لتقديم فَهمها وتصوراتها ونفى ما يعارضها من سرديات، فنجد السرديات الذكورية تقابل السرديات النسوية – على سبيل المثال لا الحصر، وتعارضهما داخل العرض المسرحي الواحد هو ما يمكن أن يشيد الصراع الذي ينمو بواسطة الشخوص (الفاعلين) في العرض المسرحي.كما يمكن أن نجد عرضًا يتبني سردية واحدة نافيًا ما يمكن أن يقابلها كأنه لا وجود لها، ويكتفي بطرح تصورات السردية التي ينتمى لها، وتكون الصراعات الدرامية بداخله لخدمة إثبات صحة سرديته دون سواها وإنفرادها بتفسير ما حدث أو تبريره.
إن «السرديات الكبرى» مصطلح أطلقه الفيلسوف الفرنسي (جان فرانسوا ليوتار)، وكان يُقصد به النظريات الكبرى التي تدعي القدرة علي تفسير حركة التاريخ وطبيعة الصراعات، بتصورات ثابتة لا تقبل النقد أو المراجعة؛ كما في كتابه «الوضع ما بعد الحداثي The Postmodern Condition». وتتسلل «السرديات الكبرى» إلي الوعي الثقافي الجمعي للشعوب علي مدى التاريخ لتصبح عبر سلسلة من التراكمات أشبه بالمعرفةِ القَبْلِيةِ التي توحد وتقود الوعي الثقافي والحضاري للأمم. ومن أبرز السرديات المتداولة: «السردية الصهيونية» حول حدودها، أو سرديات «الشيعى» الكبرى، أو سرديات «نهاية العالم». ورغم نفي نظرية ما بعد الحداثة لوجود «السرديات الكبرى» – باعتبارها جزء لا يتجزأ من الحداثة، فإن الإنسان «ما بعد الحداثي» صار يتخلى عن «السرديات الكبرى» - وفقًا لوجهة نظر (ليوتار) وعدد من فلاسفة ما بعد الحداثة، لكن الحاصل أن الإنسان مازال متعلقًا بـ«السرديات الكبرى» في ممارساته وتصوراته، وقد عاد الإنسان إلي إنتاج «السرديات الكبرى» مرة أخرى مع انتشار فيروس «كورونا» في العالم منذ بداية عام 2020م، بما يمكن أن يكون دليلاً عمليًا يدحض مقولات فلاسفة ما بعد الحداثة.
ويمكن تعريف السردية الكبرى بأنها: «قصة تمثل إطارًا شاملاً بشأن ظاهرة أو قضية أو صراع». وأسفل كل سردية كبرى تصطف مجموعة من السرديات التي تدعم السردية الكبرى وتغذيها، وتسمى السرديات الصغرى، كما أن السردية الكبرى تمارس نوعًا من الهيمنة علي السرديات الصغرى، كما في السردية «الصهيونية» التي تصطف أسفل منها سرديات صغرى مثل: «سردية أرض بلا شعب»، و«سردية السامية»، و«سردية المحرقة» المزعومة.
إن حضور «السرديات الكبرى» في «الخطاب المسرحي» ظاهرة قد لا يلتفت لها المبدع حين يقوم بتكوين مشهده المسرحي أو عرضه، إذ تتلخص حاجة المبدع في الرغبة في إيجاد/صُنع «معنى»، وإنشاء قيمة في ظل وجود صراع درامي، وتحولات لحال الشخوص -وفقًا للطرح الأرسطي، فتحاول هذه الدراسة أن تستكشف حضور «السرديات الكبرى» في عروض نوادي المسرح، وتصارعها داخل العرض المسرحي، إذ أنها قد تُشكل بحضورها في بعض العروض ملامح الصراع الداخلي. وتحاول الدراسة تحليل تمثلات «السرديات الكبرى» وصراعاتها من خلال العروض المسرحية لنوادي المسرح كنموذج دراسي حيث تركز على الشخوص والأحداث والرموز التي تظهر في عروض نوادي المسرح، و-كذلك- تمثلات السرديات الصغرى التي تنتمي لها بأسلوبها الخاص، بغرض فهم طبيعة وجودها وأدوارها الوظيفية، فكيف تتمثل «السرديات الكبرى» في الخطاب المسرحي؟، وما «السرديات الكبرى» التي شكلت بحضورها قاسمًا مشتركًا بين عدد من عروض نوادي المسرح؟، وما «السرديات الكبرى» التي تصارعت في عروض نوادي المسرح؟ وماهية هذا الصراع وأشكاله؟
سنحاول هنا أن نستكشف «السرديات الكبرى» (مكوناتها وسماتها وخصائصها)، وتحليلها في «الخطاب المسرحي». وفهم كيف يتم تمثلها في «الخطاب المسرحي».

3/1 تمثلات السرديات في الخطاب المسرحي
إن عملية التَمثُّل داخل العرض المسرحي تتم بواسطة المخرج بشكل أساسي فهو منتج «الخطاب المسرحي» الذي يحمله العرض، والمخرج هو المسطير –إلى حد بعيد- علي الممارسات الخطابية داخل العرض مستعينًا بالنص المسرحي والممثلين ومن يعاونه من الفنانين. والطبع في حال عدم سيطرة المخرج الكاملة على خطاب العرض المسرحي تتفلت منه بعض التشكيلات الخطابية التي تنضَّح في خطاب العرض دون وعي أو سيطرة من المخرج منتج خطاب العرض، كما في عرض «ثامن أيام الأسبوع» (إخراج: عبد الخالق أحمد؛ الجيزة). فسردية «الدستوبيا» (النهاية) التي تسطير علي خطاب العرض سواء بشقها المادي المتمثل في فضاء المقابر، أو شقها المعنوي المتمثل في خراب النفوس والأخلاق، ليست وليدة بيئة المخرج، ولكنها مرتبطة بلحظة تاريخية قاسية عانت – وتعاني – منها بيئة مؤلف النص (على عبد النبي الزيدي). فالخراب والدمار الذي وصل له العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003م، صاحبته تجربة نفسية قاسية داخل المجتمع العراقي، يُعبر عن بعض أحداثها مؤلف النص (الزيدي) بشيءٍ من التجريد والتعميم المحسوس، وهو ما تفلت إلى العرض المسرحي «ثامن أيام الأسبوع» من خلال ذلك اللقاء بين حفار القبور (الدفان؛ كما يطلق عليه مؤلف النص) والرجل المجرد الذي جاء إلي فضاء القبور بلا تاريخ حقيقي لشخصه، فهو مجرد رجل وصلت به النهاية إلي فضاء القبور ليقابل الدفان الفاسد أخلاقيًا والذي هو بلا تاريخ واضح لشخصيته، ففي هذه اللحظة المصيرة المجردة لسنا في حاجة إلي أي تاريخ للشخوص الفاعلة. إن قسوة الرهان الرأسمالي داخل السوق المصرية، وضغطه الاجتماعي والنفسي علي الأفراد، خرَّب بعض النفوس وأفسدها، لكنه لم يصل بالمجتمع المصري إلي نفس المعاناة التي يعاني منها المجتمع العراقي مع تجربة الغزو الأمريكي لأراضيه، فالتجربة العراقية ناتجة عن احتلال عسكري للعراق، والتجربة المصرية ناتجة عن ضغط الرأسمالية العالمية على المجتمع المصري، فهكذا يفقد المخرج الغرض من الخطاب المسرحي لعرض «ثامن أيام الأسبوع»، لأنه فَقَدَ توجيه المعني فيما يخص سياقه، فالخطاب المسرحي منوط به التعبير عن المعنى المقصود، والمعني في النص مرتبط بسياق إنتاجه وهو تجربة المجتمع العراقي، ولا يتفق مع سياق المجتمع المنتج به العرض المسرحي، مما سيجعله غريب، وجعله مؤتلف يحتاج إلي عملية درامتورجية دقيقة لجعله متسق مع سياق مجتمع العرض.
وتكمن أهمية تمثلات السردييات داخل «الخطاب المسرحي» في كونها تمتلك أمرين هامين؛ هما:
1. المعرفة: إذ تقدم السردية محتوى حكائي حول موضوع معين، وعبر ما تقوم به السردية من وظائف (فهم العالم، تفسير ما يحدث، تبرير ما يحدث) تَنتُج المعرفة. فالمعرفة التي تنتجها سردية النهاية «الدستوبيا» في عرض «ثامن أيام الأسبوع» ربما تناسب السياق العراقي الذي أُنتج به النص، لكنها ليست متسقة تمامًا مع السياق المصري المستضيف للعرض المسرحي. لكن هذه المعرفة تشير –وبقوة- إلي الهواجس المتفاعلة في داخل المخرج منتج خطاب عرض «ثامن أيام الأسبوع» من الوصول إلي هذه الحالة من النهايات المادية والأخلاقية معًا، وهو ما يشير إلى الدور الرسولي لمنتج خطاب العرض الذي يُحذر قومه وأمته من الدستويبا القادمة. وهذا الخطاب التحذيري لا ينفرد به عرض «ثامن أيام الأسبوع»، فهناك خطابات مماثلة له سواء في حقل المسرح أو غيره من الحقول الفنية والأدبية، وهي الوظيفة التبليغية للخطاب المسرحي.
2. السيطرة على الأشياء: وتكون من قِبل منتج الخطاب باعتباره السلطة الفاعلة فيه؛ وهو مخرج العرض؛ وسيطرته علي عملية التمثُّلات، تكون مؤشرًا علي سيطرته علي الخطاب المنتج من خلال وجودها في الخطاب. فسلطة المخرج المسرحي هي مجموعة من الآليات القابلة للتحديد القادرة علي استحداث خطاب العرض المسرحي، وهذه السلطة هي التي تمنح المخرج (منتج الخطاب) السيطرة علي الأشياء، وهي ما حاول مُنتج العرض أن يفرضها عبر حفار القبور (الدفان) -في عرض «ثامن أيام الأسبوع»- الذي يُشبه البشر بالكلاب، بل هو يعاملهم على أنهم كلاب لانحطاطهم، ويستخدم مفردات لغة الكلاب من زومٍ ونباح لمخاطبة البشر في أداء الفاعلين بأحداث العرض، بالإضافة إلى أن حفار القبور لا يحترم المقابر؛ والتي لها بعض الاحترام –إن لم يكن التقديس– في الثقافة العربية والمصرية خاصة؛ رغم أن هذه المقابر هي مجال عمله وفضاء حياته. فالممارسات التواصلية التي يُقدمها عرض «ثامن أيام الأسبوع» افتقدت الطابع الاجتماعي والثقافي لمجتمع العرض مما أربك الخطاب وجعل دلالاته موضع امتحان.
إن الوقوف علي عملية التَمثُّل تمنحنا معرفة بهوية الممثِّل (الذات القائمة بعملية التمثُّل). ونرى أن ليس من الضروري أن يكون هناك تطابق بين الممثَّل (الشيء المدرك عبر عملية التمثُّل) وما تم تمثُّله بالفعل، فقد يكون التطابق متصورًا فقط لدي الممثِّل، ولديه من الدوافع والمبررات التي جعلته يقوم بعملية التمثُّل له، كما حدث في عرض «الأيام المخمورة»، فيبنما كانت (سناء) تمثَّل «سردية المرأة» الخارجة عن سطوة وسيطرة المجتمع الذكوري وسرديته، وهي بهذا الخروج صنعت الصراع داخل العرض علي مستويين أحدهما نفسي داخل بعض الشخوص، والآخر درامي أدى لتنامي الأحداث الدرامية، لكنها عادت في النهاية تطلب المغفرة وتعترف بخطأ خروجها علي مجتمعها الذكوري الذي يُحط منها ومن إنسانيتها، فهذه العودة الختامية النكوصية تمنحنا معرفة بهوية الممثِّل، وأن الخروج السابق كان لصناعة الصراع الدرامي ليصل بمتلقيه إلي تلك اللحظة التطهرية –وفقًا للمفاهيم الأرسطية- وما نراه نكوصًا ومن وجهة نظر تحليلية ليس سوى هدفًا تم صناعته بواسطة خطأ درامي سقطت (سناء) به، لكنه نتيجة لتعطيل الوظيفة الإفهامية للخطاب المسرحي.


أحمد عادل القُضَّابِّى