العدد 961 صدر بتاريخ 26يناير2026
مع بدء عرضها توقع الجميع فى روسيا وخارجها قبل عامين فى 2024 أن تسارع السلطات الروسية الى وقف عرض مسرحية «الخولوب»، وهى كلمة روسية تعنى العبيد أبناء العبيد.
والمسرحية التى تعرض على مسرح «توفستونوجوف بولشوى» الذى يتسع لـ800 مقعد فى بطرسبرج تتناول حالة القمع التى تعيشها روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين بالإشارة الى المظالم التى كانت روسيا تعيشها فى عهد القياصرة.
وهذه المسرحية كتبها فى مطلع القرن العشرين الكاتب المسرحى المغمور بيتر جنديتش، وتم تقديمها برؤية جديدة. وكان عرضًا مسرحيًا ناجحًا نفدت تذاكره بالكامل على مدى العامين ولا يزال مستمرًا.
والأهم أن العديد من المسئولين الحكوميين فى روسيا تدافعوا لمشاهدة هذا العرض، وهو ما يظهر من سيارات الليموزين الحكومية التى تشاهد أمام المسرح بين الحين والآخر. كما يحرص عدد كبير من طبقة رجال الأعمال الجدد الذين ظهروا فى روسيا على مشاهدة العرض الذى يستمر أربع ساعات. هذا رغم أنه ينتقد نظام الحكم الذى نشأوا فى ظله ويستفيدون منه.
وتعرض «الخولوب» بضع مرات فقط كل شهرين، وهو جدول زمنى معتاد فى عالم المسرح الروسى. وقد يصل سعر التذكرة إلى 450 دولارًا، ونفدت التذاكر فور طرحها. وانضم أكثر من 3000 شخص إلى قائمة الانتظار لمشاهدة العرض، فى حال إضافة مواعيد جديدة.
حالة نادرة
ووصفت ناقدة روسية مسرحية «الخولوب» بأنها الحالة النادرة التى تلاقى فيها الجمهور والمجتمع الفنى.
وتشير المجلة الى الروس من كل انحاء روسيا سارعوا لمشاهدتها، خوفًا من أن توقف السلطات العرض سريعًا. بعد أن لاقت نجاحًا كبيرًا فى عهد فلاديمير بوتين، إذ تناولت مجتمعًا خاضعًا للرقابة والقمع، وتخوفوا من صدور قرار بوقف عرضها.
إشادة
ولم يتوقف النقاد عن الإشادة بالمسرحية منذ عرضها الأول رغم المحظورات الرقابية. وصفت إحدى المجلات مخرجها، أندريه موجوتشى، أحد أبرز رواد المسرح الروسى المعاصر، بأنه حوّل مسرحيةً صغيرةً شبه منسية إلى سيمفونية شاملة ومأساوية. وهو بالمناسبة وزير ثقافة سابق وقد قدم استقالته من منصبه لكن حكومة بوتين لم تمنعه من اخراج المسرحيات لحساب القطاع الخاص. وقالت مجلة أخرى إن «الخولوب» تُعدّ حالة نادرةً تلاقت فيها آراء الجمهور والنقاد، مُعلنين أنها الأفضل فى روسيا.
وحصد العرض تقريبًا جميع جوائز «السوفيت الذهبى»، وهى جوائز مسرحية مرموقة فى سانت بطرسبرج.
لماذا نجت؟
ويرى العديد من النقاد فى روسيا أن مسرحية “الخولوب” أفلتت من التدقيق المكثف لأنها، على الرغم من انتقادها اللاذع لروسيا فى عهد فلاديمير بوتين تتناول الامر بشكل غير مباشر إلى حد كبير.
وفى الوقت نفسه، التزمت السلطات الروسية، المعروفة بسطوتها، والتى أجبرت العديد من العروض المسرحية المنتقدة لروسيا المعاصرة على الإغلاق، الصمت حيال هذه المسرحية. والأسباب على الأرجح متعددة.
كما أنها حققت فور عرضها نجاحًا فوريًا، لدرجة أن المسئولين أدركوا أن إغلاقها سيثير فضيحة، ويبدو أنهم اطمأنوا إلى أن التذاكر ليست باهظة الثمن فحسب، بل نادرة أيضًا، مما يحدّ من عدد المواطنين العاديين الذين يمكنهم مشاهدتها.
من الواضح أن بعض أفراد النخبة الحاكمة فى البلاد فخورة بأن الإنتاج الفخم يجعل المسرحية تبدو وكأنها مقتبسة من برودواى أو ويست إند، ما يوحى للغرباء بأهمية روسيا فى الثقافة العالمية.
القصة
تروى «آل خولوبس» قصة عائلة نبيلة عاشت فى الفترة المظلمة من أوائل القرن التاسع عشر فى روسيا، عندما حكم البلاد لفترة وجيزة القيصر المتقلب بول الأول، الطاغية المصاب بجنون العظمة الذى أربك بلاطه. أن أفرادها قتلوه بمساعدة ابنه.
وكان قصر العائلة مليئًا بالعبيد المعروفين بالاقنان وهم العمال الذين يُباعون ويُشترون - وعندما يعود أحدهم من باريس، حيث أصيب بحماسة الثورة الفرنسية الليبرالية، يدين رفاقه الروس ويصفهم بالعبيد عديمى العقل الذين يجلسون كضفادع فى مستنقع، وأن قلبه يتمزق من أجل مدينة سانت بطرسبرج «اللعينة».
ومن شرفةٍ فوق المسرح، يسخر القيصر من الأحداث، وهو يأكل بشراهة وينعق كالغراب.
ويضيف المخرج الى النص الاصلى مرور اكثر من قرن على هذا الحدث حيث يقوم عمال من أوزبكستان بترميم القصر، بينما يأمل مستثمران صينيان فى هدم المبنى المتهالك وبناء شيء جديد مكانه. ويدفع المستثمران رشوةً لأحد العمال الأوزبك لضمان انهيار المبنى، مما يُعفيهما من عناء الحصول على إذن السلطات لهدمه بأنفسهما.
وتقول الناقدة الروسية كريستينا ماتفينكو أن المسرحية تسلط الضوء على مواضيع مألوفة فى المسرح الروسى منها الاستبداد والقمع والفساد المستشرى؛ والشوق الدائم لمغادرة البلاد بحثًا عن مكان أكثر حرية وأقل انغلاقًا مع إدراك أن عشق روسيا لا يقاوم لدى الروس وتنامى نفوذ الصين على البلاد، فضلًا عن تجاهلها للتاريخ والتقاليد الروسية.
معانٍ خفية
وفى ذلك تقول إنه لا توجد معانٍ خفية فى العرض إنه عرض تشعر فيه مباشرةً بهذا الوضع المؤلم الذى تعيشه روسيا ووجود طبقة واسعة من الفقراء والمهمشين لم تنجح فى إخفائها طبقة الأثرياء الجدد التى ظهرت مع سقوط الشيوعية.
وتتحدث عن عدد من المشاهد المؤثرة فى المسرحية والتى عبرت ببراعة وفى غير مباشرة عن الفكرة. ومن هذه المشاهد مشهد القيصر عندما ينفى القيصر أميرًا نافذًا لتأخره فى توفير زى عسكرى جديد لأكثر من بضعة أيام، يُلقى الأمير خطابًا يُلامس بلا شك وترًا حساسًا لدى الطبقة المُرفهة فى روسيا.
وفى ذلك يقول «لماذا أجد نفسى، وأنا رجل غنى ومستقل، كالعبيد ويتساءل: «لماذا كنتُ خادمًا طوال حياتى؟» لماذا عشتُ فى هذه المدينة البائسة، ولماذا كنتُ أرتدى الشعر المستعار رغم أننى لم أكن أرغب فى ارتدائه إطلاقًا؟
مخاطر
ويُعدّ نجاح مسرحية «الخولوب» لافتًا للنظر، لا سيما أنّ المسرح المعاصر بات مجالًا محفوفًا بالمخاطر منذ غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022. ففى 2024، حُكم على الكاتبة المسرحية سفيتلانا بيتريتشوك والمخرج زينيا بيركوفيتش بالسجن ست سنوات لكل منهما بتهمة «تبرير الإرهاب» من خلال مسرحية بيتريتشوك «فينست الصقر الشجاع»، التى تمزج بين حكاية خرافية روسية وقصة امرأة تقع فى غرام متطرف عبر الإنترنت.
وأثار الحكم صدمة فى الأوساط الفنية الروسية إلا أن موسكو وسانت بطرسبرج التى تعد بمثابة العاصمة الثقافية لروسيا ومدن روسية أخرى ما زالت تزخر بمسارح صغيرة تُقدّم عروضًا كاملة العدد، قد لا تبدو ظاهريًا مُخالفة للسياسة، لكنّ شكلها ومضمونها يتناقضان مع سياسات الكرملين الحالية.
ومن هذه المسارح مسرح «الفضاء الداخلى» الموجود أيضًا فى سان بطرسبرج، والذى يوصف بأنه «ملاذ آمن للفنانين المستقلين». وعرضت عليه مؤخرًا مسرحية «المعطف»، المقتبسة من قصة قصيرة لجوجول نُشرت عام 1842، ولقى رواجًا كبيرًا لدى الجمهور الروسى، مُتيحًا فرصة أخرى للتأمل فى أحوال روسيا المعاصرة.
وتقول مارينا دافيدوفا، الناقدة والمنتجة المسرحية الروسية المقيمة حاليًا فى المنفى ببرلين (بعد أن أصبحت من أشد منتقدى الغزو الأوكرانى)، فإن المسرح فى روسيا «يتجاوز كونه مجرد مسرح». فهو يُشير إلى أن لم يكن يُؤثر بشكل مباشر، فى اللحظات التاريخية الفارقة.
وتضيف قائلة: عندما تنعدم الحرية، يبدأ المسرح بلعب دور محورى، ذلك أن المسرح «هو ملاذ الناس». وعلى سبيل المثال، عُرض إنتاج فخم لمسرحية «التنكر» للشاعر الروسى ميخائيل ليرمونتوف، وهى دراما عن الجريمة والعقاب، لأول مرة عام 1917 فى اليوم الذى تنازل فيه آخر قياصرة البلاد عن العرش.
أما مسرحية «أيام آل توربين» لميخائيل بولياكوف، التى شاهدها ستالين أكثر من 15 مرة، فقد أوضحت كيف استخدم القياصرة السوفييت الفن لتعزيز سلطتهم.