سلطان النوة: المسرح هوية تُبنى بالتجربة لا بالصدفة

سلطان النوة: المسرح هوية تُبنى بالتجربة لا بالصدفة

العدد 959 صدر بتاريخ 12يناير2026

فى مشهد مسرحى سعودى يشهد تحوّلات متسارعة، يبرز اسم سلطان النوة بوصفه واحدًا من الفنانين الذين تشكّلت تجربتهم عبر الاشتغال على مختلف عناصر العرض المسرحى. من الإضاءة والسينوغرافيا إلى التمثيل والتأليف ثم الإخراج، راكم النوة مسيرة حافلة، قدّم خلالها عشرات الأعمال المسرحية، وحصد جوائز محلية وخليجية وعربية، وهو عضو مؤسس بجمعية المسرحيين السعوديين، نقترب من تجربته، ونقرأ تحوّلات المسرح السعودى من الداخل، ونتوقف عند رهانات السينوغرافيا، ومسرح الطفل، والطقس الشعبى، وأسئلة الهوية والفضاء فى العرض المسرحى السعودى المعاصر، بعد فوزه بجائزة أفضل مخرج، وجائزة أفضل عرض فى مهرجان الرياض للمسرح فى دورته الثالثة...
< من خلال التنوع بين التمثيل والإخراج والتأليف كيف تطورت علاقتك بالمسرح؟
- بداية علاقتى بالمسرح كانت من خلال تصميم الإضاءة المسرحية وتنفيذها؛ بحكم تخصصى الأكاديمى فى الفنون التشكيلية، وكانت بداية مهمة جدًا؛ كون الإضاءة أحد صناع الشكل على المسرح. بعد ذلك تطورت علاقتى بالمسرح أكثر فأكثر، وجدتُ نفسى ممثلًا فى كثير من العروض التى أخذتُ من خلالها جوائز؛ مثل جائزة أفضل ممثل دور ثانٍ فى مهرجان المسرح السعودى الرابع عام 2008 فى الرياض، وهو مهرجان شبيه بمهرجان الرياض للمسرح تشارك فيه كل الفرق المسرحية.
اتجهتُ أيضًا إلى الكتابة المسرحية، بعد كثير من الاطلاع والقراءة، وبالتالى ألفت أول نص مسرحى عام 2000، وفاز بجائزة التأليف المسرحى على نطاق منطقة الأحساء، وبعدها كتبتُ مجموعة من النصوص، منها ما حصلتُ من خلاله على جوائز على المستوى الوطنى وحتى على المستوى الخليجى فى الكويت عام 2023، وأيضًا على المستوى العربى والدولي؛ ففى المغرب حصلتُ على جائزة أفضل نص مسرحى فى مهرجان الناظور المسرحى ومهرجان بركان، كان هذا فى العام 2016.
كنتُ أيضًا أمارس الإخراج المسرحي؛ إذ كنتُ مساعد مخرج لكثير من المخرجين السعوديين المميزين فى تلك الفترة. تعلمتُ منهم، وبالتالى أيضًا أخذتُ من كذا تجربة وصنعتُ من خلالها تجربتى الخاصة بي؛ فالمسرح هوية تُبنى بالتجربة لا بالصدفة، علاقتى بالإخراج بدأت من عام 2008 تقريبًا، وتطورت بشكل كبير فى 2010؛ حيث شاركتُ بعرض مسرحى - سينوغرافيا وإخراج - فى مهرجان الفرق الأهلية الخليجية فى قطر، وحصلتُ على جائزة أفضل سينوغرافيا، وتطورت الأعمال بعد ذلك، لتصبح أكثر الجوائز التى أحصل عليها هى جوائز فى الإخراج المسرحى.
أعتقد أنه مهم جدًا استيعاب الفضاء المسرحى بشكل كامل، وعليه فمن الضرورى المرور على كثير من التجارب، حتى تصنع شكلك وتجربتك وهويتك. يسعدنى كثيرًا أن يحضر أحد من الجمهور عرضًا مسرحيًا -دون معرفة المخرج- وعندما يخرج من العرض يقول: (هذا أكيد إخراج سلطان النوة). أشعر حينها بأنه لمس بعض الجزئيات التى دائمًا ما أعتمد عليها فى موضوع المستويات، والعمق، واللون، والخطوط الأفقية والعمودية. وهذه الأمور ما كانت لتحضر لولا المرور بمجموعة من التجارب المهمة والكثيرة، تلك التى أكسبتنا الكثير من المعرفة فى مجال السينوغرافيا، والتى هى فن الصورة، والتأثيث على المسرح، وهى مجموعة من العناصر؛ الديكور والأزياء والموسيقى، تجتمع كلها مع بعضها البعض بالإضافة إلى الإضاءة مع حركة الممثل، والحركة التى تشكل لنا هذا الفضاء.
السبعينيات.. العصر الذهبى للمسرح السعودى
كيف تقرأ تحوّلات المسرح السعودى من مرحلة التأسيس إلى مرحلة المؤسسات والهيئات؟
التجربة المسرحية السعودية مرت بمنعطفات خطيرة جدًا. بداية المسرح السعودى قديمة، تعود إلى فترة الثلاثينات الميلادية من خلال الكتابة المسرحية. تطورت فيما بعد فى فترة الخمسينات من خلال ما كان يُقدم فى مدارس التعليم العام، وكانت أقرب إلى المشاهد المسرحية التربوية. حتى أتت فترة بداية الستينات، عندما أسس الشيخ أحمد السباعى أول فرقة مسرحية سعودية، وكان على وشك عرض أول عروضه المسرحية، إلا أن عرضه تم إيقافه فى تلك الفترة. أما بداية السبعينات الميلادية، فأنا أعتبرها الفترة الذهبية للمسرح السعودى؛ حيث تم إنشاء جمعيات الثقافة والفنون، ومنها انطلقت العروض المسرحية فى أكثر من مدينة، وكان التليفزيون السعودى متفاعلًا جدًا مع الحركة المسرحية.
كانت المهرجانات المسرحية فى الخارج متنفسًا للمسرحيين السعوديين، حيث كنا نعرض أعمالنا فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، ومهرجانات الخليج، والمغرب العربى، لكن التحول الكبير بدأ مع عام 2020، وضمن رؤية السعودية 2030 التى مكنت الفنون والثقافة لتأخذ دورها بشكل حيوى ومستدام. أثر ذلك بشكل كبير على فنوننا وثقافتنا، وصنع تجربة مسرحية حقيقية، شملت تمكين المرأة من الصعود على الخشبة وأخذ دورها فى المسرح، بالإضافة إلى تنوع ودعم العروض وصناعة مناخ صحى للمسرحى ليؤدى دوره على أكمل وجه.
شهدت هذه الفترة أيضًا إقامة مهرجانات مسرحية كبرى مثل مهرجان الرياض للمسرح، ومهرجان المونودراما والديودراما، وقريبًا مهرجان الطفل. كما استمرت الورش والدورات، وأنشئت أكاديميات وتخصصات أكاديمية فى المسرح والإخراج والتمثيل فى الجامعات، بالإضافة إلى وجود منهج للمسرح المدرسى ضمن خطة النشاط يُدرس الآن فى مدارس التعليم العام، وقد كان لى شرف أن أكون جزءًا من فريق العمل الذى اشتغل على هذا المنهج.
المسرح السعودى الآن، وخلال السنوات الخمس الأخيرة، يعيش انتعاشًا كبيرًا جدًا، وأتوقع أن السعودية هى الآن أكثر دولة عربية تشهد كمًا هائلًا من العروض المسرحية خلال العام الواحد؛ سواء ضمن فعاليات الترفيه (سعودية، خليجية، وعربية)، أو من خلال الفرق المسرحية السعودية فى مختلف المدن، بدعم رائع من هيئة المسرح والفنون الأدائية.
المهرجانات العربية مختبر التجربة السعودية
شاركت فى مهرجانات دولية وعربية عديدة، ما الفارق الحقيقى الذى لمسته بين التلقى المحلى والتلقى العربى والدولى للعروض السعودية؟
المهرجانات المسرحية العربية والدولية كانت بمثابة الوقود والمختبر والمصدر المعرفى المهم جدًا للمسرحى السعودى قبل سنوات. إن الكثير من التجارب المسرحية السعودية قد نضجت من خلال المشاركة فى تلك المهرجانات؛ فعندما نذهب إلى مهرجان مسرحى خارجى، نلتقى بالخبرات المسرحية، ونحضر الندوات، ونشاهد العروض المسرحية المقدمة ومدى تطورها وتقدمها.
وقد انعكس ذلك بشكل كبير وإيجابى على عروضنا المسرحية؛ حيث ظلت تلك المهرجانات المتنفس الوحيد لنا لسنوات سابقة، خاصة فى فترة الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية، وما زالت هذه المهرجانات حتى اليوم تشكل مختبرًا مهمًا أسهم فى تشكيل تجربة مسرحية سعودية استفادت بشكل كبير من هذه المشاركات الدولية والعربية.
المسرح الشعبى ليس عودة إلى الماضى بل إعادة قراءته
مسرحية (الصرام) شكلت علامة فارقة فى مسيرتك وحصدت جوائز آخرها جائزة مهرجان الرياض؟ كيف تقيم تجربة الصرام؟
مسرحية الصرام امتداد لمجموعة من التجارب التى أفتخر بها، خاصة فى الفترة الأخيرة؛ حيث اتجهت بشكل كبير إلى نوع من المسرح قد يُطلق عليه المسرح الشعبى أو مسرح الطقوس الشعبية. يعتمد هذا النوع على الحكاية التراثية والشعبية وإعادة مسرحتها بخصائصها وجمالياتها وأدواتها المختلفة.
إن أى بلد أو مدينة لها عمق وامتداد تاريخى طويل يحمل فى طياته الكثير من الطقوس والفنون والحكايات الشعبية القديمة، هذه الحكايات فى الجزيرة العربية كثيرة جدًا، بعضها حقيقى وبعضها غير ذلك، لكنها تظل جزءًا من ثقافتنا وامتدادنا التاريخى.
لذا، فإن إعادة مسرحة هذه الطقوس الشعبية وما تحمله من فكر ثقافى وفنى أمر مهم بالنسبة لى، وقد اتجهت لمجموعة من الكتاب المسرحيين المتخصصين فى هذا النوع، وعند قراءة النص المسرحى بشكل طبيعى، ستجد أنك أمام مسرحية واقعية اجتماعية فى زمن ماضٍ، وهنا يأتى دور المخرج ورؤيته فى إضافة لمساته وتشكيله البصرى الذى يأخذ المتلقى إلى أزمنة ولحظات ومشاهد مختلفة، وينتقل به إلى مناطق فى الخيال والرمزية، فقد أعمل مثلًا على قطع سعف النخيل بدلًا من الديكور الواقعى، وأشكل من خلالها العرض بالكامل. أحيانًا تكون هذه القطع بمثابة ممثل على خشبة المسرح، أو أدوات يستخدمها الممثل ليشكل منها نخلة أو بيتًا أو أشكالًا كثيرة، وهنا تبرز أهمية السينوغرافيا؛ حيث تصبح العملية بالنسبة لى هى بناء وهدم وإعادة بناء.
أنت أمام خشبة مسرح خاوية فى عمقها، لكن إعادة تشكيلها من خلال الضوء، الأدوات التراثية الرمزية، الصوت الموسيقى الذى يؤديه الممثلون، والزى غير التقليدى (الذى يحمل إضافات تمس الشخصية)، هو ما يصنع عملًا مختلفًا وغير سائد، والحمد لله كانت نتيجة ذلك كله فوز عرض الصرام بخمس جوائز من أصل اثنتى عشرة جائزة فى مهرجان الرياض للمسرح؛ إذ حصد جوائز أفضل موسيقى ومؤثرات صوتية، وأفضل إضاءة، وأفضل ممثل دور أول، وأفضل إخراج، وأفضل عرض مسرحى متكامل، والحمد لله.
هذا ما تشكل فى مسرحية الصرام، وقبلها فى مسرحية بحر التى قدمتها فى الدورة الأولى من مهرجان الرياض للمسرح، وحصلت أيضًا على جائزتى أفضل عرض مسرحى وأفضل إخراج، وكانت ثيماتها تعتمد على الأدوات البحرية والتشكيل الخاص بها.
حصلت على جوائز فى الإخراج والتأليف والتمثيل والإضاءة والسينوغرافيا، هل ترى الجوائز تتويجًا فنيًا أم مسؤولية إضافية تجاه التجربة؟
بدأت حديثى بأنه كان لدى هدف؛ هو معرفة كل عناصر العمل المسرحى قبل الذهاب إلى الإخراج المسرحى، وحصولى على جوائز فى التمثيل والتأليف والسينوغرافيا أهّلنى للحصول أيضًا على جوائز فى الإخراج المسرحى. حقيقة الجوائز بشكل عام أمر تحفيزى، وهى مؤشر على جودة العمل المسرحى، لكن، وللأسف، يجعل هذا الكثيرين من المسرحيين يشتغلون فى المسرح وهمّهم الجائزة. لكن أنا آخر اهتمامى أن أحصل على جائزة مسرحية؛ فالجائزة بالنسبة لى هى رد فعل الجمهور تجاه العمل المسرحى، وبقاء هذا العمل المسرحى فى الذاكرة لسنوات طويلة لا يمكن نسيانها، وهذه هى الجائزة الحقيقية التى كنت وما زلت أسعى لها.
وأعتقد أن العمل المسرحى يجب أن يأخذ حقه ووقته الكافى من التدريب والبروفات، فمسرحية الصرام مثلًا كان بإمكانى أن أشارك بها فى الدورة الثانية لمهرجان الرياض، كنت بدأت البروفات والمهرجان بعد شهر ونصف، وكانت هناك رغبة من الفريق بالمشاركة وأنا رفضت؛ لأنه من المهم أن آخذ وقتى فى البروفات لمدة ثلاثة أو أربعة شهور، وبعد ذلك أعرض العمل المسرحى فى مدينتى فى الأحساء، وأعرض أكثر من عرض وأرصد رد فعل الجمهور ورد فعل المسرحيين تجاه العمل، ومن المؤكد أن العروض الأولى تحتاج إلى التطوير، وهذا ما عملت عليه، قمت بإعادة تدوير العمل، والإضافة والتغيير وصناعة رؤية أخرى حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
البروفات امتدت إلى ثمانية أشهر، وعندما أُعلن عن مهرجان الرياض فى الدورة الثالثة، عدنا إلى البروفات مرة أخرى، لتكون المحصلة تقريبًا عشرة أشهر من البروفات المستمرة، وأعتقد أن هذا الوقت الطويل صنع عرضًا مسرحيًا مختلفًا؛ الممثل يؤدى دوره على الوجه الأكمل، ويفهم شخصيته بشكل أكثر، وبالنسبة لى أدوات المخرج تتضح بشكل أكبر؛ الإضاءة، الأزياء، الموسيقى، الديكور، كل العناصر اكتملت عندما أخذت هذا الوقت الطويل، لذلك أعتبر أن سر نجاح الصرام هو الوقت الكافى من البروفات والتدريبات المسرحية، وهذا أيضًا ما حدث معى فى مسرحية بحر.
من خلال مشاركاتك فى مهرجانات دولية، كيف تقيم موقع المسرح السعودى على الخريطة العربية الآن؟
موقع المسرح السعودى بالنسبة للمسرح العربى يشهد قفزات رائعة جدًا. كثير من العروض المسرحية السعودية حققت جوائز أفضل عرض، وأفضل إخراج، وأفضل تأليف، وأفضل تمثيل فى كثير من المهرجانات المسرحية العربية؛ سواء فى مصر، فى المغرب، أو فى دول الخليج العربى. بالتالى أصبحت العروض المسرحية متقاربة جدًا مع العروض المسرحية العربية اليوم، خاصة مع هذا التحول الكبير فى الثقافة وفى الفنون فى المملكة والاهتمام بالمسرح ودعم المسرح السعودى.
خلال الخمس سنوات الماضية كنت شاهدًا على كثير من الخليجية التى تفوق فيها المسرح السعودى. فى العام الماضى حصلنا على أربع جوائز مسرحية على مستوى الخليج العربى من خلال مسرحية بحر. كان هناك عرض مسرحى سعودى آخر شارك فى مهرجان الزرقاء فى الأردن قبل شهور بسيطة وحصل على مجموعة من الجوائز. وحصل عرض سعودى فى مصر على جائزة من مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى، وغيرها؛ لذلك أعتبر أن هناك تقاربًا كبيرًا جدًا بين المسرح السعودى وكثير من التجارب العربية، والتى بدورها تتفاوت؛ بعضها عروض أكاديمية دقيقة جدًا، وهناك عروض اجتماعية واقعية جماهيرية، وهناك عروض عبثية رمزية، وهذا فى كل بلد؛ لذلك التشابه موجود والتجربة العربية تكاد تكون متشابهة مع بعضها نوعًا ما.
< كيف أثّرت تجربة التحكيم فى وعيك الإخراجى؟
- كنت سعيدًا كونى عضوًا فى لجنة التحكيم فى بعض المسابقات والمهرجانات المسرحية، وهى من أصعب المهام؛ أن تقيم عملًا مسرحيًا تشاهده أمامك، تقيم الأداء التمثيلى، الأداء الإخراجى، وتقيم النصوص المسرحية المشاركة، لكننى أعتقد أن تجربة التحكيم لن تأتى إليك دون أن يكون لديك بالفعل وعى وتجربة مسرحية سابقة أهّلتك لتكون عضوًا فى لجنة التحكيم.
إن قراءة العمل المسرحى يجب أن تنم عن - أو تتكون من - وعى كبير بمفردات هذا العمل، برؤيته، وبالهدف المراد إيصاله منه، والحمد لله، أعتقد بأننا نجحنا فى أكثر من مشاركة مسرحية بالنسبة لى كعضو لجنة تحكيم، وظهرت الكثير من النتائج دون وجود اعتراض كبير، وهذا إن دل على شىء، فإنما يدل على أننا أعطينا كل ذى حق حقه من خلال ما يستحقه ومن خلال ما قدمه على خشبة المسرح.
< فى رأيك.. ما الذى ينقص نصوص المسرح المعاصر السعودى؟
- بالنسبة للنصوص السعودية، الكتاب المسرحيون السعوديون متنوعون فى طرحهم الفكرى وحتى فى شكل الكتابة المسرحية. هناك من الكتاب من يتجه إلى الحكاية، وهناك من يتجه إلى السرد، أو إلى العبث والرمزية. هناك تنوع كبير جدًا، لا يوجد شكل معين يتكئ عليه المسرحيون السعوديون.
أعتقد أنه من المهم الاستمرار فى عملية الكتابة المسرحية والاستفادة من تجارب الآخرين؛ حتى تصنع تجربة مسرحية مختلفة. ومن المهم التجربة فى أشكال مسرحية، لكن فى الأول والآخر يجب أن تكون هذه الشكلية أو هذه الأشكال تشبهنا من خلال ما تطرحه.
النص المسرحى هو فى النهاية قصة العمل المسرحى. يجب أن يضع الكاتب فى الحسبان وصول اللغة المستخدمة أو الطريقة المستخدمة فى الكتابة المسرحية بشكل سليم وبشكل تلقائى إلى الجمهور. أنا ضد إشباع النص المسرحى بلغة صعبة جدًا، واختيار مفردات لغوية تحتاج إلى تفسير بشكل أكثر، أو الإغراق بشكل أكبر فى الرمزية.
فى النهاية، النص المسرحى ليس للقراءة فقط، وإنما للعرض على خشبة المسرح. ويجب أن نضع فى الحسبان أن الجمهور الحاضر ليس كله جمهور نخبة، وليس جمهورًا ملمًا دائما باللغة العربية ومفرداتها الصعبة أحيانًا. قد يكون هناك جمهور بسيط يحضر للمسرح من أجل الفائدة ومن أجل المتعة، وبالتالى على الكاتب دائمًا أن يعى هذه النقطة؛ نحن فى الأول والآخر نقدم عرضًا مسرحيًا لجمهور يملأ الصالة، وبالتالى إذا لم يكن هناك رابط يجمع بين هذا المتلقى وبين هذا العرض، فلن يكون هناك عرض مسرحى.
< من خلال مشاهداتك هل تعتمد العروض المسرحية اليوم أكثر على التقنية أم على الفكرة؟
- للأسف، الكثير من العروض المسرحية السعودية لا تعيش على التقنية بشكل كبير، وأعتقد أنه حتى فى التجربة المسرحية العربية بشكل عام، لا زلنا بعيدين بشكل كبير عن موضوع التقنية، مع إن موضوع التقنية مهم اليوم، ويُجرب بشكل كبير فى المسرح خارج القطر العربي؛ استغلال الشاشات والبعد الثلاثى والذكاء الاصطناعى وأجهزة تقنية متقدمة يمكن أن تصنع لنا تشكيلًا على خشبة المسرح؛ قد أحتاج أحيانًا إلى تساقط ثلوج على المسرح، التقنية هنا قد تخدمنى. قد أحتاج لتساقط أمطار أو جريان ماء تحت الأرض، بالتالى التقنية هنا تخدمنى بشكل كبير. أعتقد أننا بعيدون جدًا، وأن نسبة استخدام التقنية فى المسرح بسيطة جدًا. لا أعلم ما هو السبب بشكل واضح، لكن ما زالت عروضنا تصنعها أدوات بسيطة جدًا.
< تجربتك فى المسرح المدرسى والتدريب الأكاديمى، ماذا أضافت لك هذه المساحة مقارنة بالمسرح الاحترافى؟
- فى الأساس أنا معلم، واتجهت بعد ذلك إلى الإشراف فى إدارة التعليم فى قسم النشاط الثقافى، وهو بدوره مهتم جدًا بالمسرح المدرسى، والمسرح المدرسى رافقنى منذ كنت طفلًا فى المدرسة؛ إذ كنت أشارك فى العروض المسرحية والإذاعة المدرسية، وأيضًا بحكم والدى «أحمد النوة»، وهو أيضًا معلم ومسرحى، ويعتبر من الرواد المسرحيين السعودية. أعتبر المسرح المدرسى الأساس والركيزة الحقيقية لصناعة المواهب ولصناعة جيل مسرحى قادر على أن يستمر ويطور من نفسه ويقدم مسرحًا سعوديًا مختلفًا فى المستقبل فالمسرح قاعدته فى المدرسة، واكتشاف المواهب يأتى من المدرسة، ومهم جدًا تدريب الطلاب، عبر دورات تدريبية يمكن تقديمها إلى عدد كبير من طلاب المدارس للمرحلة الثانوية فى الفترة المقبلة، إضافة إلى تأهيل المسارح داخل المدارس حتى يمارس الطالب هوايته التى يحبها؛ سواء التمثيل، أو الكتابة المسرحية، أو الإخراج، ولقد شاركت فى الكثير من الندوات، وقدمت عددًا من أوراق العمل فى مجال المسرح المدرسى، وشاركت محكمًا ومقيمًا، وآخرها عضوية لجنة تحكيم مسابقة المهارات الثقافية فى مسار المسرح التى أقامتها وزارة الثقافة نهاية العام الماضى.
< بعد هذا الرصيد من التجارب والجوائز، ما المشروع المسرحى القادم لسلطان النوه ومتى وقت خروجه إلى الخشبة؟
- هناك نص مسرحى من تأليف الأستاذ عبد العزيز السماعيل تحت عنوان «موت المغنى فرج»، وهو نص شعبى، له طقسه وله رؤية مختلفة فى ذهنى سأعمل عليها إن شاء الله، وبإذن الله تتهيأ الظروف والوقت والرغبة بشكل أكبر للبدء فى هذا العمل، الذى سيكون إن شاء الله مفاجأة للجميع.
< كيف تنظر إلى دور هيئة المسرح والفنون الأدائية فى إعادة تشكيل المشهد المسرحى السعودى، خصوصًا فى جانب التدريب والدعم؟
- هيئة المسرح والفنون الأدائية تقوم بدور كبير جدًا منذ تأسيسها فى عام 2020 وإلى اليوم، ومنذ انطلاق استراتيجيتها التى عملت عليها، والهيئة ما زالت متواصلة مع المسرحيين السعوديين؛ تقدم المهرجانات، تقدم الورش التدريبية، تبتعث المسرحيين السعوديين إلى الخارج سواء للدراسة أو للتعليم، ومتواصلة بشكل كبير جدًا، وأعتقد أنها أتت فى وقتها، وهى واحدة من ضمن اثنتى عشرة هيئة تأسست من قبل وزارة الثقافة فى السعودية، ونحن بدورنا - كمسرحيين سعوديين- نطمع أن تقدم الهيئة الكثير للمسرح السعودى؛ لأنها مؤهلة وقادرة على أن تنقل المسرح السعودى وتطوره، وتعوضه السنوات السابقة. اليوم هناك حضور مسرحى سعودى، وبمشاركة عربية لافتة، من خلال استقطاب هيئة المسرح والفنون الأدائية للكثير من الكفاءات والخبرات المسرحية العربية وحتى الأجنبية من الخارج؛ سواء فى مجال التدريب، أو فى مجال المشاركة بعروض مسرحية وغيرها.
شهادتنا مجروحة فى حق هذه الهيئة، ونحن مساندون لها ومعها قلبًا وقالبًا؛ لأن الهم دائمًا هو استمرار عجلة المسرح السعودى، واستمرار وجود ثقافة فنية مسرحية سعودية مختلفة ومتنوعة وممتدة فى جميع مناطق المملكة العربية السعودية، وحتى يمتد أثرها لكل العالم إن شاء الله.


سيد عبدالرازق