ماذا حدث للريحاني في الجزائر؟!!

ماذا حدث للريحاني في الجزائر؟!!

العدد 822 صدر بتاريخ 29مايو2023

ذكرنا في مقالتنا السابقة ما قاله الريحاني في مذكراته المنشورة في مجلة «الاثنين والدنيا» عام 1937 حول ما حدث له ولفرقته أثناء رحلته إلى تونس، وتوقفنا عند انتقاله إلى الجزائر! واليوم نستكمل ما ذكره الريحاني عن رحلته إلى الجزائر قائلاً: «واجتزنا الحدود إلى الجزائر، فنزلنا أولاً في «سوكراس» وهي بلدة صغيرة لا تزيد في تعدادها على منوف مثلاً أو طلخا، ومع ذلك أصارح قومي بأن أقلّ بلدة في الجزائر أحسن وأرقى من أي مثيلة لها في مصر .. وقد لا أعدو الواقع كثيراً إذا قلت إن البلاد الصغرى هناك أحسن نظاماً من البلاد الكبرى هنا .. في كل منها تياترو ليس في مقدور الأوبرا المصرية أن تقول له تلت التلاتة كام .. وفي كل منها ميدان متسع ... «موضب» توضيباً يشرح القلب!! وهنا أقف لحظة بسيطة لأقول إن علاقتنا بالسيد السند علي يوسف «الأمبرزاريو» كانت قد انقطعت وإننا احتجنا إلى من يقوم مقامه ليسبقنا إلى البلاد التي نزورها ويمهد لعملنا فيها .. وكان أن اخترنا الزميل العزيز بديع خيري لبلدة سوكراس وقد قصد إليها قبل وصول الفرقة بعدة أيام .. 
وبديع خيرى خير من يقدر الظروف ويلبس لكل حالة لبوسها، ويراعي ـ كما يقول السادة النحاة .. مقتضى الحال!! ولکي أزيد ذلك شرحاً أقول إن سكان أفريقيا الشمالية أناس متدينون يعرفون ربهم حق المعرفة: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويتمسكون بالفرائض تمسكا، ويعضون بالنواجذ على أدائها جميعاً، ولست أُغالي إذا قلت إنهم لا يؤمنون كثيراً إلا لمن تبع دينهم. عرف بديع هذه الصفات في سكان المناطق التي عولنا على زيارتها، فما كاد يصل إلى سوكراس حتى ظهر في ثوب الورع والتقوى، وارتدى مسوح الزُهاد الصالحين .. وكلما لقى في سبيله قوماً بادرهم بتحية الإسلام أو رد تحيتهم بأحسن منها .. ثم يقصد إلى المسجد فيتقدم إلى المحراب ليركع ركعتين تحية للمسجد، ويؤدي الفريضة في وقتها، ثم يتلو ما تيسر من الأوراد والأدعية إلي أن يجتمع حوله رهط من المؤمنين، فينثر عليهم من الحكم والنصائح ما يرفعه في أعينهم ويحيله أمامهم زاهداً من الأولياء وإماماً من أئمة الدين - ولا تنس أن بديعاً كان إلى ما قبل انضمامه لي مدرساً عليه الكلام، وكم له الآن من تلاميذ يشغلون مناصب القضاء في البلاد وأماكن التدريس في المعاهد أو الهندسة أو الطب وما إليها - أقول إن المدة التي قضاها بديع في التدريس، قبل «التهليس» - إذا فرض - وكان المسرح تهليساً كما يدعي بعضهم .. وكما حكمت قافية السجع الملعونة - هذه المدة جعلت من بديع الواعظ الذي يحسن إلقاء وعظه، وتكيفه بالكيفية التي تلائم الوسط الذي يلقيه فيه.
واستراح الناس إلى ضيفهم هذا وأقبلوا على دروسه وإرشاداته التي كانت تنزل من نفوسهم خير منزلة. ولما أنس بديع في أهالي سوكراس تقديره بدأ يفهمهم أنه موفد من قبل فرقة التمثيل، دأبها تقويم الأخلاق وإصلاح ما أفسد الدهر منها، وأنه يأمل أن تنال الفرقة في بلدهم نجاحاً يعينها على نشر مبادئها في أرجاء البلاد. وما كاد الأهالي يسمعون منه هذا الوصف، حتى تهافتوا على التذاكر واشتروها منه بالجملة، ولم يبق معه من تذاكر الحفلتين المقررتين لسوكراس تذكرة واحدة. أقول بالجملة لأن أعيان البلد أخذوا التذاكر جميعها لحسابهم وراحوا يبيعونها للأهالي بالقطاعي، بينما ظل بديع مستريحاً وفي جيبه الأثمان مقدماً. وصلنا إلى سوكراس فاستقبلنا الأخ بديع وقصّ علينا ما كان وأفهمنا أنه أولى بنا أن نغير أسماء الأشخاص المشكوك فيها خوفاً من حدوث ما لا تحمد عقباه! فعمدت إلى اسم مديرنا المالي «الخواجه جاكمو» وأطلقت عليه اسم «حسن». أما رئيس الأوركستر الخواجه «دافيد سايم» فقد أصبح معروفاً باسم «داود صايم». وقضينا ليلتي سوكراس على خير ما يكون، وامتلأ جيبي بالنقود فتنفست الصعداء وحمدت الله على ما أنعم، وقمنا بعد ذلك إلى بلدة «عنابة» وقد خصصنا لها ثلاث ليال سوياً، ولا أرى داعياً للإطالة في الوصف فأكتفي بأن أقول إن حالها كان كحال سوكراس تماماً وأن النجاح فيها مادياً وأدبياً بلغ منتهاه لولا شيء مؤلم وقع!! 
وآه من «لولا» هذه ومن نتائجها المؤلمة، فكأنه كان مكتوباً علينا أن «نرتع» في مشاكل علي يوسف ومصايب علي يوسف إلى يوم يبعثون: ذلك أن لاحقنا في غيابه قلم المحضرين .. وقد هم مندوبه بالحجز على الستائر والمناظر وفاء للديون التي تراكمت على الفرقة من جراء تصرفات «الأمبرزاريو» المحترم .. ولما لم يكن لديّ الوقت الكافي للقضايا والمعارضات والاستردادات فقد دفعت جميع إيراد الحفلات .. وسلمت الأمر لصاحب الأمر .. وبقيت مفلساً أربعة وعشرين قيراط، وعلى رأي المثل القديم الذي سمعته ليلاً من السيدة صالحة قاصين: «آل جت الحزينة تفرح ما لقتش مطرح»!! إذ ما كادت يدي تشعر بحلاوة النقود وجيبي يحس بحرارتها، حتى سلبني إياها السيد الوقور محضر الحجوزات والنوايب بناء على طلب دائني سي علي يوسف. وعاد «القرف» إلينا سيرته الأولى وبدأت بديعة مصابني «تزمزأ» بعد أن أسلمت القياد بضعة أيام، فقد كانت حين تشاهد النجاح المتوالي تظهر الغبطة والانشراح فتسير الأمور في أعنتها على خير الوجوه، وما هي إلا أن «تصطبح» بوجه محضر، أو بخبر حجز، أو بحتة مصيبة بسيطة من المصائب التي كانت تلاحقنا ملاحقة الظل للإنسان، حتى تتبرم وتتألم وتقصد من فورها إلى مكتب التلغراف «وتهف» الغلبان إليه تعالى أنطوان في مصر حتة نتفة تلغراف من تلغرافاتها «المعفرتة» التي تطير النوم من أجفان المسكين فيقوم تواً إلى مطبعة الرغائب لإعداد الإعلانات والبرامج لكازينو بديعة قبل وصولها.
وفي وسط هذه النكبات والبلايا أرى أنه لا مانع من إيراد حادثة ظريفة وقعت لي في إحدى المدن في أثناء الرحلة قصدت إلى رستوران «مطعم» أنا وبديعة لنتناول الغداء، وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث هبط علينا شخص من أهالي البلاد ووجه إلى بديعة القول سائلا: «مين الراجل العجوز اللي كان الليلة عامل كشكش بك ؟». فأشارت بديعة إليّ قائلة: «هو هذا» ففغر الرجل فاه وفتح عينيه الواسعتين وبحث في أنحاء خياله فلم يجد من كلمات الإعجاب التي يوجهها إليّ غير قوله في نغمة خاصة .. وبالقاف المليانة والنون الممدودة: «يا ابن القرانة!!» [وأظنها عبارة تهكم بالعامية الجزائرية]».
وفي يوم أول رمضان حللنا ببلدة «تيبسا» بالجزائر فأقمنا بها ثلاثة أيام وتركناها إلى جلما [أظنه يقصد قالمة] فقضينا بها ثلاثة أيام كذلك وغادرناها إلى «عين بيضة» وقد كان نصيبها ليلتين. وكنا إذ ذاك في شهر يناير وكان البرد قارساً بشكل لم نعهده في مصر. لدرجة أن الممثلين كانوا «بيوحوحوا» من شدته، لأن البلدة عالية جداً عن سطح البحر. ومن أظرف ما كان يحدث أني رأيت بعض الممثلين يخلعون الشبابيك والأبواب كي يغطوا أجسامهم بأخشابها. ومعنى ذلك بلغة السادة البلغاء أنهم كانوا يستجيرون من الرمضاء بالنار .. أو بالعكس!! لكن بالعكس ليه!! لقد رأيت والله بعضهم يعمدون إلى هذه الشبابيك والأبواب فيشعلونها ويصطلون بنارها. كان هذا حال الطبيعة معنا، أما الممثلون فقد ازدادوا عتواً وعصياناً، وانتشرت روح التمرد وزاد نطاقه بينهم فلم أعد قادراً على تملك زمامهم، وما فعلوا ذلك إلا لما كانوا يلقونه مني من طيب المعاملة ولطف المعاشرة مما جعلني أثق الوثوق كله بالقول الحكيم المأثور: «اتق شر من أحسنت إليه». 
لقد كنت أتخير للممثلين أحسن الفنادق في البلدة التي ننزلها وأحاول أن أجعلهم في أحسن مستوى .. ولكن حين اشتدت الأزمة وتوالى علينا هجوم المحضرين .. وتوارت من أيدينا نقود المتفرجين كانت الحالة تضطرني إلى اختيار فنادق متواضعة وبدلاً من أن يراعي زملائي ما نحن فيه من حرج كانوا يثورون ويتمردون طالبين النزول في فنادق من الدرجة الأولى!! شيء بارد .. يعني أضرب الأرض تطرح بطيخ .. وألا أخلق لكم فلوس يا بني آدم؟! والغريب أن التمرد لم يقتصر على الممثلين. بل تعداه إلى العمال أيضاً .. فقد جاءني يوما «حميدو» الميكانيست يقول: أنا لا أنزل في هذه اللوكاندة أبداً!! فسألته: ليه ياادلعدي ياسي حميدو؟ فقال: لأن مافيش فيها أوكورانت!!فقلت له: غور جك دم يلهف اللي نفضك!! وفي يوم آخر جاءتني «بهية أمير» ساخطة غاضبة .. إيه حكايتك أنت رخرة ياست بهيه؟ قالت: اللوكاندة دي ياسي نجيب مش كويسة أبداً .. دي مافيهاش «سوفاج سنترال»!! فقلت في نفسي: سيدي ياسيدي على ست هانم التي لم تكن تعرف كلمة فرنسية واحدة .. ها هي قد سمت دفعة واحدة وعرفت كيف تنطق .. سُوفاج سنترال؟ 
غادرنا بلدة جلما [قالمة] بالجزائر إلى قسنطينة .. وكانت قد سبقتنا دعاية «أولاد الحلال» تلك الدعاية التي رمانا فيها خصومنا بأسوأ الصفات وألعن النعوت، والتي تخيروا لنا فيها كل نقيصة حواها قاموس الدناءة وألصقوها بنا ظلماً وعدواناً. أقول سبقتنا دعاية السوء إلى قسنطينة فخفنا أن يكون نصيبنا في الحفلات الثلاث المقررة لهذه البلدة خفاً واحداً من خفي المعلم حنين .. ولذلك فاتحت بعض الزملاء في أن ناخدها من قصيرها ونكتفي بليلة واحدة ونخرج بكرامتنا وما فيش لزوم يا أولاد الحلال!! وأحيينا الليلة الأولى وكم كانت دهشتي شديدة حين أضاع نجاحها الفائق مفعول الدعاية وقوض أركانها من الأساس وبات الناس يتحدثون بجمال التمثيل وحسن الأداء وسبك الموضوع ولطف النكات .. إلخ .. وهنا قلت .. يحيا التبليط .. وعلى قلبها لطالون .. ولنبق في مكاننا ثلاثة أيام متتالية ولدعاية السوء أن تفعل بنا ما تشاء أفراداً وجماعات .. واللي مش عاجبه يشرب من البحر الأبيض المتوسط كمان. وبقينا المدة المقررة وبلغ شغف الناس بنا مبلغاً حملهم على أن يطلبوا منا مزيداً في البقاء .. ولكننا شكرنا لهم وحملنا متاعنا إلى بلدة «سطيف». ودعني أقف هنا لحظة لأصف لك ما فعل بنا الطقس فيها .. فقد كانت البرودة تصل إلى حد تتجمد فيه أطرافنا وتقشعر أبداننا وتكاد تحتبس أنفاسنا في صدورنا. لقد صادفتنا في طريقنا أنواع من البرد خصوصاً أثناء تنقلنا من بلدة إلى أخرى، وكثيراً ما كانت مسافة السفر بين بلدين تبلغ عشر ساعات بالسيارة، فكان هذا البرد والمطر المتساقط وملحقاته تنشف عضمنا، فأشد من عزائم أصحابي وأقول لهم: «خليكم سبور برد إيه وبتاع إيه؟!». أقول ذلك وأنا «أتكتك» وأسناني بتلعب أراجوز في «بُقي». قلت إن أنواعاً من البرد صادفتنا في طريقنا .. ولكن برد «سطيف» كان .. كان .. ماذا أقول في وصفه .. كان برد سطيف والسلام. 
وندع سطيف وما رأينا في طقسها وننتقل إلى مدينة الجزائر العاصمة، وفيها مسرح البلدية .. وما أزال أحمل في ذاكرتي جمال هذا المسرح وتألقه فهو مكون من خمسة أدوار من البناوير والألواج ويتسع لبضعة آلاف من المتفرجين. لم نجد به غير ليلة واحدة خالية أما بقية لياليه المؤجرة لفرق أجنبية!! هذه أول صدمة تلقيناها!! وأحيينا هذه الليلة ونجحنا نجاحاً بحمد الله نجاحاً فاق ما كنا ننتظره، وخرج المتفرجون راضين كل الرضا غير قانعين بليلة واحدة، فلما عرفوا السبب ألفوا من بينهم وفداً لمقابلة مدير التياترو ومفاوضته في ضرورة إرجاء حفلات الفرق الأجنبية وتمكيننا من إحياء حفلتين أخريين. ونزل المدير على هذه الرغبة بعد أن قبلنا دفع جزء من الإيراد كتعويض للفرق الأجنبية القادمة. وامتلاء التياترو في الليلتين التاليتين بجمهور ليس في طوقي أن أقدر عدده .. بل أكتفي بأن أقول إن أربعين جندياً فرنسياً وقفوا أمام الباب يحولون بين اقتحامه من جمهور ملأ الساحة المواجهة .. بحيث أضحى الواقفون فيها ممن لم يجدوا لهم مقاعد أضعاف الداخلين الذين امتلأ بهم التياترو «مقاصيره» وصالته. وارتفع رقم الإيراد - والحمد لله – فدفعنا كل ما علينا من ديون، وجرت النقود في أيدينا فبشبشنا نفسنا حبتين ووسعنا على من معنا من ممثلات وممثلين .. ودعونا الله سبحانه وتعالى أن يكفينا شر «المتداري» .. والمتداري طبعا هو الحجوزات والديون التي تركتها آثار متعهدنا العزيز «الأستاذ علي يوسف».


سيد علي إسماعيل