مذكرات نجيب الريحاني الحقيقية والمجهولة(11) لماذا فعل بديع خيري هذا؟!

مذكرات نجيب الريحاني الحقيقية والمجهولة(11) لماذا فعل بديع خيري هذا؟!

العدد 819 صدر بتاريخ 8مايو2023

أنهيت مقالتي السابقة بذكر جزء مهم جاء في مذكرات الريحاني عام 1937، ذكر فيه خلاصة موقفه الوطني تجاه أحداث البلد، وهو موقف بطولي ومشرف.. ورغم ذلك حذفه بديع خيري من مذكرات الهلال، وعقبت على ذلك بقولي: «صدق أولا تصدق.. إن هذا كلام نجيب الريحاني في مذكراته عام 1937!.. وصدق أو لا تصدق أن هذا الكلام حذفه بديع خيري من مذكرات الريحاني عام 1959!».. بهذه المقدمة أقول إن بديع خيري لم يكتف فقط بحذف «خلاصة» موضوع أو فصل أو فقرة! بل وصل به إلى حذف حلقة كاملة من حلقات مذكرات الريحاني المنشورة في مجلة «الإثنين والدنيا» عام 1937! وسأترك لك عزيزي القارئ الحُكم على حذف هذه الحلقة التي اكتشفتها، وفيها يقول الريحاني تحت عنوان «يوسف وهبي يعرض أولى رواياته»:
«في الوقت الذي كنا نمثل فيه رواية «إش» زارني بالمسرح في إحدى الليالي صديق هو الأستاذ «إسكندر الوهابي» -أحد رجال السلك السياسي الآن وأظنه سكرتيرا لمفوضية مصر في بلجيكا- وكان معه شاب قدمه إليّ وهو الأستاذ «يوسف وهبي»، فلما استقر المقام بالضيفين قال الأستاذ الوهابي: إن يوسف وضع رواية عظيمة وهو يريد أن يعرضها عليك کي تخرجها في مسرحك، ولكنني اعتذرت لهما لأنني لم أكن أخرج في ذلك الحين غير الروايات التي أضعها بمعاونة الزميل بديع خيري.. ثم ودعت الزائرين أحسن وداع. مضى على هذه الزيارة ما يقرب من أربعة أشهر، وفي أحد الأيام سمعت أن هناك فرقة يعمل على تأليفها الأستاذ عزيز عيد ومعه الشاب يوسف وهبي وغيره، وأن هذه الفرقة ستعمل بجواري في «كازينو دي باريس»، بنفس رواية يوسف التي عرضها عليّ منذ أشهر».
واستكمل الريحاني القصة قائلا تحت عنوان «حادث طريف: برسيم بدل الورد»: «ولعلي لا أسيء إلى الصديقين يوسف وعزيز، إذا رويت الحادثة الآتية، وليحملاها على محمل الفكاهة! كان بعض جنود الإنجليز قد اعتادوا ارتياد كازينو دي باريس قبل أن تعمل فيه فرقة عزيز ـ ولم ينقطعوا عنه في الأيام الأولى من عمل الفرقة. وكان يظهر في أحد مناظر الرواية «حُمَار»! ففي الليلة التي نحن بصددها رأى السادة الإنجليز، أن يحيوا هذا الحمار.. لا بالهتاف والتصفيق.. لأن هذه لغة لا يفقهها الحمار أولا.. كما أنهم لا يجيدون لغة «التنهيق»! فحضروا في تلك الليلة.. وكل منهم يحمل باقة كبيرة ظن الناس لأول وهلة أنها باقات ورد، وما كاد الحمار يظهر على المسرح حتى انهالت عليه «حزم البرسيم» من كل ناحية. ومن هذا اليوم اقترحت على الزميل عزيز أن يحيل اسم الرواية من «حنجل بوبو»، إلى «حنجل بوبي».. تقربا إلى زبائنه الإنجليز! لم تنجح بالطبع فرقة الكازينو في عملها.. بالرغم من أن عزيزا كان يهدد قبل بدئها العمل مصرحا على رءوس الأشهاد أن فرقته هذه حاتشطب على فرقة الريحاني! والظريف أن نبوءة عزيز هذه لاقت ما لا يتصوره أحد من الذيوع والانتشار.. إذ لم يمض على بدء فرقته العمل أسبوعان حتى قامت الثورة في مصر فصدرت الأوامر بإغلاق دور التمثيل بلا استثناء.. وبذلك شطبت فرقة الكازينو على جميع شارع عماد الدين.. لا على فرقة الريحاني وحدها».
عزيزي القارئ.. لا تتعجل وتتوهم أنك قرأت هذا الكلام في مكان آخر! فأرجوك انتبه.. لأن هذا الموضوع منشور «ملخصه» أو «فحواه» في مذكرات الريحاني المنشورة في دار الجيب عام 1949، ولكنها خالية من التفاصيل الدقيقة والشروح المفيدة التي ذكرتها في هذا الجزء المحذوف! وهنا يجب أن أشير إلى أهمية ما سأنشره – فيما بعد - من موضوعات مذكرات عام 1937، لأن فيها موضوعات جديدة جدا لم تسمع عنها ولم تقرأها، والقليل منها «ربما» جاء «مختصرا» أو «هامشيا» في مذكرات أخرى لاحقة، وهذا ما قصدته بأن مذكرات 1937 هي الأساس، وكل ما جاء بعدها هو إعادة صياغة بالحذف أو الإضافة لها! ونعود مرة أخرى إلى قصة مسرحية «حنجل بوبو» والحمار.. ونسأل: لماذا حذفها بديع خيري ولم يسجلها في مذكرات الهلال؟! حقيقة لم أجد إجابة سوى أن بديعا لم يشأ تشويه صورة الريحاني أمام القُراء بوصفه صديقا لعزيز عيد، ومن غير اللائق أن ينشر ما بينهما من خلافات، لا سيما وأنهما – أي عزيز والريحاني – في دار البقاء! هذا بالإضافة إلى عدم نشر ما يشين تاريخ يوسف وهبي بوصفه نجم النجوم في هذه الفترة!
إذا بديع خيري بريء من أي ظن سيء في كونه لم يسجل هذا الكلام في مذكرات الهلال! ولكن هذه البراءة محل شك لأن الحلقة التي لم ينشرها بديع لم تشتمل على قصة يوسف وهبي وعزيز عيد وحنجل بوبو فقط.. بل كان بها أروع جزء في حياة الريحاني، وهو دوره في ثورة 1919! تخيل عزيزي القارئ أن هذا الجزء حذفه بديع من المذكرات! والغريب أنه الجزء الكامل والشامل بكافة تفاصيل دور الريحاني في ثورة 1919، وهو الدور الذي ذكره بديع في مذكرات الهلال مختصرا مقتضبا! وأتمنى أن أكون مخطئا بظني هذا في بديع، وسأترك لك الحُكم على نيتي عزيزي القارئ، واقرأ أنت الجزء المحذوف وأحكم بنفسك!
قال الريحاني في مذكرات عام 1937: «في شهر مارس سنة 1919 كنا نعد العدة لرواية جديدة أسميناها «قولوا له» وفيها طلبت إلى الأستاذ بديع أن يضع نشيدا للكشافة ففعل ثم تسلمه المرحوم الشيخ سيد درويش فلحنه، ولن أستطيع وصف ما لهذا النشيد من قوة إلا إذا قلت بأن اللفظ فيه والنغم كانا فرسي رهان يتسابقان في حلبة البلاغة والموسيقى، فليسمح لي القراء أن أثبت هذا النشيد هنا تخليدا له وتذكيرا به.. وبما كان له من سحر في مظاهرات ذلك العهد القريب. وهاك هو: (قوم يا مصري مصر ديما بتناديك، خذ بنصري نصري دين واجب عليك.. رد مجدي قبل ما يضيع من إيديك، أوعى سعدي يروح هدر قدام عينيك.. شوف جدودك في قبورهم ليل نهار، من جمودك كل عظمة بتستجار.. صون آثارك زي ما صانوا الآثار، خلفوا لك مجد ما تخلفش عار.. حب أرضك، انخلق في دمنا.. واللي فرضك، ينكره مش مننا.. تحت رايتك، كل مر يكون زلال.. نفنى إحنا.. قبل ما يفي الهلال.. ليه يا مصري كل أحوالك عجب، تشكي فقر إيه وأنت ماشي فوق دهب.. مصر جنة طول ما فيها أنت يا نيل، عمر ابنك لم يعيش أبدا ذليل)».
واستكمل الريحاني القصة قائلا تحت عنوان «وزارة الداخلية تصادر الرواية»: «قبل موعد ظهور الرواية بعدة أيام استدعيت إلى وزارة الداخلية وهناك علمت أنني مطلوب لمقابلة المستر «هور نبلور» -مدير الأمن العام في ذاك الوقت- فلما دخلت عليه أكفهر وجهه وتقلصت عيناه وأمسك بيده ورقة كانت أمامه ثم قربها إلى عيني حانقا وهو يقول: (إيه ده؟). ونظرت في الورقة وقلت: (هذا نشيد يلقيه الممثلون على المسرح وهم في هيئة فرقة كشافة)، فكان جوابه الغريب أن قال لي: (أنا باستغرب أنت لسه في مصر ليه؟ مش في مالطه!). ثم أتبع في ذلك القول بأن أخرج من درج مكتبه عدة تقارير ضدي تتضمن الكثير من ألحاننا الحماسية وأغانينا الوطنية، وهنا صارحته -والله شهيد على ما أقول- بأن حب الوطن ليس جريمة، وأن واجب كل مواطن أن يجاهر بذلك ثم سالته: (أإذا وقفت يا مستر هور نبلور في أحد شوارع لندن وهتفت قائلا تحيا بريطانيا العظمى.. أيحاسبك أحد على ذلك؟ أتعتبرها السلطات هناك جريمة تؤاخذك عليها؟ ستجيبني بالنفي طبعا.. فلماذا يحرم علينا ما يحلل لكم.. إنني مصري يا مستر هور نبلور.. وأن شعوري وحده هو الذي يدفعني إلى الجهر بما يجيش به صدري.. بل وصدور جميع مواطني). المهم، كانت نتيجة هذه المقابلة أن صودرت الرواية بأكملها ولم يقتصر الأمر على حذف النشيد وحده».
ويواصل الريحاني سرد قصة مسرحه مع ثورة 1919، قائلا تحت عنوان «اشتراكنا في مظاهرات ????»: «بعد أيام تعد على الأصابع قبضت السلطة العسكرية على الزعيم الخالد سعد زغلول وصحبه ونفتهم إلى مالطة، فثارت مصر ثورتها المباركة وأخذت كل طائفة تخرج إلى الطرقات في مظاهرة رائعة، وأضرب كل فريق دون استثناء بما فيهم موظفو الحكومة.. وهنا رأيت أن الوقت قد حان لإخراج «نشيد الكشافة» إلى حيز الظهور.. كانت الأوامر قد صدرت بإقفال جميع دور التسلية.. فجمعت ممثلي فرقتي وحملنا العلم وسرنا ننشد في الشوارع من الأعماق: «قوم يا مصري مصر دايما بتناديك»،... إلخ، فكان المتظاهرون يلتفون حولنا ويحفظون النشيد عنا حتى سرى فيهم مسرى الكهرباء.. وأضحوا كلما مرت منهم طائفة في شارع عماد الدين وقفت أمام مسرحنا لتشترك مع الممثلين «وأنا بينهم» في إنشاده. أحسست أنني أؤدى إذ ذاك رسالة وأقوم بما في طوقي من خدمة بالرغم من إقفال مسرحي.. لذلك لم أقصر في بث الروح الوثابة وتغذية الحركة من ناحية هي أقرب إلى القلوب.. ولذلك طبعت نشيد الكشافة «على البالوظة» وأرسلت من يوزعونه على الناس في كل مكان».
وما زال السؤال مطروحا: لماذا حذف بديع خيري هذا الجزء –بهذه التفاصيل– عندما أعاد صياغة مذكرات الهلال؟! أمامي الآن ثلاثة احتمالات: الأول.. السهو والنسيان، والثاني أن بديعا تعمد الإخفاء لسبب ما، والثالث عدم حدوث هذه الأحداث بالكيفية التي وصفها الريحاني! وبالنسبة للاحتمال الأول فهو غير مقنع حيث إن بديعا ملازما للريحاني طوال تاريخه، ومن غير المعقول أن ينسي –أثناء جمعه لحلقات المذكرات– هذه الحلقة تحديدا لما فيها من أحداث مهمة! أما الاحتمال الثاني وهو أن بديعا أخفاها عامدا متعمدا.. فهذا أمر وارد لو أضفنا إليه الاحتمال الثالث، كون هذه الأحداث لم تحدث بهذه الصورة، وأن بديع خيري يعلم علم اليقين أن الريحاني لم يكن صادقا في وصف موقفه من أحداث ثورة 1919!
فالريحاني تحدث عن شهري مارس وأبريل 1919، أي وقت ذروة ثورة 1919، وفي هذه الفترة أُغلقت جميع المسارح بأوامر عسكرية، مما يعني توقف المسارح وعروضها، وبالتالي لا توجد صحافة تنقل أي شيء يتعلق بالمسارح، بل كل الصحف كانت مهتمة بالثورة وبالشعب وما يحدث في الشوارع! والحق يُقال: إنني لم أجد خبرا واحدا منشورا –فيما بين يدي من مقالات– عن أية فعالية قام بها أي مسرح مصري، أو أي موقف ثوري اتخذه أي فنان في ذروة الثورة وفي أيامها الأولى! وكل ما قام به المسرحيون من بطولات كتبوها في مذكراتهم ومقالاتهم بعد نجاح الثورة بسنوات، وتحديدا بعد عودة «سعد باشا زغلول» من المنفى وتوليه رئاسة «وزارة الشعب».
ومما يعضد وجهة نظري هذه أن أغلب المسارح الهزلية –ومنهم مسرح الريحاني- كانت غير مؤهلة لتقوم بدور وطني في أيام الثورة الأولى! والدليل على ذلك ما ذكرته جريدة «البصير» يوم 7/3/1919 –أي قبل اندلاع الثورة بيومين فقط- تحت عنوان «التمثيل الهزلي والحركة الفكرية الجديدة»، قائلة: «ليس في وسع الصحفيين عامة إلا تحبيذ كل حركة فكرية الغرض منها ترقية التمثيل العربي ومحاربة المجوني منه، لأن الأمة أحوج إلى ما يرقي الشعور وينمي قوة التفكير منها إلى ما يُلهي ويُضحك، لأننا لا نزال حتى الساعة أمة في بدء نهوضها، فهي في حاجة إلى ما يثبت قدمها في ميدان الرقي، ويشجعها على ما يزيدها رقيا في نهضتها الأدبية. وما كان التمثيل الهزلي ليبلغها شيئا من ذلك. نحن لا نكره الريحاني ولا أمين صدقي ولا علي الكسار ولا مصطفى أمين ولا غيرهم من زعماء التمثيل الهزلي، بل نكره منهم انصرافهم إلى هذا النوع من التمثيل، في حين أن جلهم من الشبان المتعلمين القادرين على النهوض بالتمثيل. ولذلك لا نطلب من الحكومة أن تصادر مسارحهم وتوصد أبوابها بل نطلب من قلم المطبوعات فيها أن يكون شديدا فلا يترك في زاوية جملة تؤذي الآذان، أو كلمة تؤلم العواطف أو زجلا يثير في السامع حيوانيته.. وفوق ذلك أيضا منع كل ما يُعد في نظر المتأدبين مخالفا للآداب العامة، فلا تظهر الراقصات إلا بملابس تتلاءم مع الذوق الشرقي، ولا يأتين من الحركات ما لا نستملحه نحن الشرقيين بالنسبة لعاداتنا وإن راق في نظر بعض طوائف الغرب، ولكل أمرئ من دهره ما تعود. مسارح التمثيل في نظر الحكومة حكمها حكم سائر المحال العمومية مثل الأندية والقهوات، لا تبيح فتح أحدها إلا بترخيص خاص. فإذا كان القانون العام يقف سدا بينها وبين تعطيلها فإنه لا يمنعها قط من تقليل مضارها أو القضاء على تلك المضار.. إذ لها أن تمنع كل ما يخل بالآداب العامة كما منعت بيع الخمر بعد الساعة التاسعة، ولها أن تقضي على كل كلمة سوء. وأبعد من هذا في الصراحة أننا نعترف بأن في كثير من روايات كشكش الهزلية وغيرها عظات بالغات ولكن هذه العظات تذهب سدى لسوء الموقع الذي تقال فيه، فهي كحكمة المجانين قلّ أن يـأخذ بها العقلاء».


سيد علي إسماعيل