حكيم حرب: المسرح العربي بحاجة للتفاعل الجماهيري بعيدا عن النخبوية والجوائز

حكيم حرب: المسرح العربي بحاجة للتفاعل الجماهيري بعيدا عن النخبوية والجوائز

العدد 708 صدر بتاريخ 22مارس2021

يعد حكيم حرب واحدًا من أهم المخرجين المسرحيين الأردنيين والعرب، فهو صاحب تجربة غنية معتدة بنفسها، وبمكانة المسرح وأهمية دوره في المجتمع وألا ينغلق على النخبة فقط، كما هو حادث الآن بالوطن العربي، الأمر الذي باتت تكرس له المهرجانات المسرحية العربية في الوقت الراهن.
وُلد الفنان حكيم حرب في قريوت بنابلس العام 1966، نال شهادة البكالوريوس في الإخراج والتمثيل من جامعة اليرموك العام 1988، عمل مديراً لمديرية الفنون والتراث-وزارة الثقافة، ومديراً لمهرجان المسرح الأردني، ومهرجان مسرح الشباب ومسرح الطفل، أخرج العشرات من المسرحيات، وشاركت أعماله في العديد من المهرجانات المسرحية من بينها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ومهرجان البحر الأبيض المتوسط بإيطاليا ومهرجان تورينو بإيطاليا ، ومهرجان المسرح الأردني، ونال العديد من الجوائز وتكريمات على تلك الأعمال.

من الأكثر تأثيرًا في حياتك؟
أستاذي الفنان المصري المبدع الراحل الدكتور عبد الرحمن عرنوس رحمه الله، الذي تتلمذت على يديه في كلية الفنون في جامعة اليرموك في الأردن .

كيف بدأت علاقتك بالمسرح؟
لم أكن أنوي دراسة المسرح بل كان حلمي أن أدرس البحرية وأصبح قبطاناً نظراً لشغفي منذ الطفولة بالرغبة في الاكتشاف والمغامرة والتجريب، لهذا كنت اعتقد أنني من خلال دراسة البحرية سأخوض تجارب مغايرة وأكتشف جزراً وقاراتاً جديدة لم يكتشفها أحد من قبل، وعندما لم يحالفني الحظ والإمكانيات المادية لدراسة البحرية تقدمت بطلب تقليدي لدراسة الاقتصاد في جامعة اليرموك وهناك تعرفت على استاذي الفنان المصري الراحل الدكتور عبد الرحمن عرنوس والذي كان يقدم مسرحية شاطئ الزيتون، فشدني العنوان وشدني أكثر ملصق العرض الذي كان يحتوي على صورة سفينة تواجه طوفان البحر، وأنا طبعاً المسكون بعالم السفن والبحار، فذهبت وشاهدت العرض وتعرفت على الدكتور عرنوس الذي قال لي : عايز تبقى بحار اطلع على خشبة المسرح وشوف البحر الحقيقي، ومن يومها أصبحت بحاراً في عالم المسرح الذي جعلني اكتشف جزراً من الإبداع وقارات من الجمال وكنوز لا تقدر بثمن .

ما رأيك بحالة المسرح العربي في الوقت الراهن؟ وماذا ينقصه كي ينافس عالميًا؟
المسرح العربي موسمي وكرنفالي ويسيطر عليه حالة من الاحتفاء بالمسرح وليس صناعته، فهو حكر على المهرجانات التي لا يتابعها سوى الفنانين أنفسهم، المسرح العربي بحاجة للتواصل والتفاعل الحقيقي مع الجمهور في كل مكان بعيداً عن النخبوية والجوائز والتنافسات وبعيداً عن الطابع السياحي للمهرجانات المسرحية، اعتقد اننا بحاجة لإقامة اكاديميات وورش ومختبرات ومراكز تدريب مسرحية بدلاً من المهرجانات، على ان لا تكون هذه المراكز داخل العواصم العربية فقط وأن لا تكون حكراً على أبناء الذوات فقط، بل أن تنتشر في الأطراف والمناطق الفقيرة والأقل حظاً، فإذا لم ننجح في اكتشاف وتدريب جيل جديد من المسرحيين الشباب الذين سيرفدون المسرح العربي بدماء جديدة؛ فإننا دون شك سننجح في خلق جمهور مسرحي واعي وذواق وقادر على الإقبال على المسرح والتفاعل معه بنهم كبير، أما أن يبقى المسرح العربي حكراً على المهرجانات فهذه جعجعة بلا طحن.

حدثنا عن تجربتك المثيرة حول مسرح السجون؟
هي من أهم التجارب على الصعيدين الفني والإنساني، فقد دربت داخل سجون الرجال والنساء في الأردن، وكان من بين المتدربين معي عدد من المحكومين بالمؤبد والإعدام من الجنسين، وكانت سعادتي كبيرة عندما كنت أنجح خلال تدريبهم في مراجعة كل منهم لذاته وجريمته وشعوره بالذنب والرغبة في التطهر والانعتاق من هذا العبء الذي يضني كاهله، كنت استخدم السايكودراما أو العلاج النفسي بالدراما لجعل هذه الشريحة من الناس أقل بؤساً ومعاناةً وألماً، كانت ورشة الدراما بالنسبة لهم هي النافذة الوحيدة التي يطلون من خلالها على الحياة فينعمون خلالها بالشعور بالحرية والتحليق خارج أسوار السجن، وكنت أؤمن بأن في حياة كل جاني لحظات بريئة وأن الجاني قد يكون هو الضحية، لهذا هو يستحق فرصة في محاولة الإصلاح والتأهيل لإعادته الى المجتمع من جديد وقد تخلص من كل ما في داخله من شوائب وتراكمات ذهنية ونفسية، فالإعدام من وجهة نظري ليس هو الحل، بل الحل في أن نرتقي بوعي السجين وبذائقته الفنية والجمالية لنخلق منه انساناً آخر من خلال الفن، لهذا يطلق على السجون داخل الأردن مراكز الإصلاح والتأهيل ولا تسمى سجون، وكثيراً ممن دربتهم داخل هذه المراكز خرجوا الى الحياة وتواصلوا معي وتابعوا عملهم بالمسرح الذي أحبوا ووجدوا فيه خلاصهم وضالتهم المنشودة .

كيف يمكن أن يكون المسرح له دور فاعل في المجتمع، وليس مسرح نخبة فقط؟
من خلال تقديم موضوعات مسرحية من صلب حياة الناس وليست بغريبة عنهم، موضوعات تشبههم وتنتمي لعالمهم وتتناول قضاياهم وهمومهم وأحلامهم وهواجسهم، بعيداً عن الإغراق في الغموض بحجة البحث عما هو عميق وفلسفي، فليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقّدة كما أنه ليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة، إن الانحياز الفنّي الحقيقي هو:
كيف يستطيع المسرحي أن يقول الشيء العميق ببساطة .

ماذا تمثل لك القضية الفلسطينية سواء على خشبة المسرح أو في الحياة؟
هي قضيتي الأولى مثلما هي كذلك بالنسبة لكل عربي ولك حر في هذا العالم، فلم يظلم شعب في العالم مثلما ظلم الشعب الفلسطيني الذي يواجه أعتى وأقسى وآخر احتلال على وجه الكرة الأرضية، يواجهه بالصبر والإرادة والحجارة والصدور التي تتلقى الرصاص كل يوم ويرتقي أصحابها الى السماء مبتسمين، فخطورة الاحتلال الإسرائيلي انه ليس احتلالاً عسكرياً مؤقتاً كما حدث في مناطق كثيرة من العالم تم احتلالها لفترة زمنية محددة ثم غادرها المحتل، الاحتلال الإسرائيلي أخطر من كل اشكال الاحتلال الأخرى لأنه عنصري بغيض يستند الى سلسلة من الأساطير التوراتية التي تدعي بحق اليهود في ارض فلسطين، اذن هو صراع وجود وليس مجرد صراع سياسي او اقتصادي او عسكري مؤقت، فإما نحن وإما هم وواهم من يظن عكس ذلك، وأنا أقول ذلك كإنسان عربي أردني فلسطيني، فجذوري من فلسطين وأنا وعائلتي احد الناس المشردين عنها، ولن نيأس من حلم العودة اليها سواء عدنا نحن أو عاد أبنائنا أو أحفادنا لكن العودة حق لنا لأن ما قام على باطل فهو باطل . وفلسطين حاضرة في كل أعمالي المسرحية ولم تغب عن أي منها، لكن بعيداً عن التسطيح والمباشرة وبعيداً عن العزف على الأوتار العاطفية واستدرار الدموع والتصفيق كما يفعل بعض المتاجرين بالقضايا المصيرية العربية بهدف جمع المال، فالمسرح حالة من التنوير وسط الظلامية المنتشرة في هذا العالم، وهو ايقاظ للعقل وليس مخدراً له، فعندما نقدم فلسطين في مسرحياتنا علينا ان نعلم أبنائنا سبل تحريرها لا أن نعلمهم التباكي عليها، وأول سبل التحرير هو تحرير العقل العربي من الوهم والخرافة، وهذا ما أفعله بمسرحي منذ ثلاثين عام .
استلهمت سيرة «الزير سالم»، وكذلك «دليلة وعلي الزيبق» في مسرحك، فما سر ذلك؟
لم أنحز الى سيرة الزير سالم ودليلة والزيبق لأسباب تراثية أو جغرافية أو للبحث عن الهوية كما يفعل البعض، بل انحزت اليهما لأنني وجدت فيهما مادة درامية تصلح وعاءً لأفكاري في تلك المرحلة التي قمت بتقديم المسرحيتين، فانحيازي دائماً يكون للفكرة والموضوع والجمال وليس للهوية والجغرافيا، وذلك لإيماني بأن المسرح فن انساني وأن كل ما أبدعه الإنسان في كل مكان وزمان هو ملك للبشرية جمعاء وليس حكراً على البلد والقبيلة التي أنتجت ذاك الإنسان المبدع، فشكسبير مثلاً أبدع أعمالاً مسرحية كثيرة أصبحت الان تراثاً انسانياً لذلك تجد اعماله تقدم فوق مسارح العالم بعدة لغات انجليزية وعربية ويابانية وفرنسية وهندية… الخ، لهذا قدمت انا اعمالا لشكسبير وجان انوي والبير كامو ولوركا وغسان كنفاني وسميحة خريس وجمال ابو حمدان ونهلت من السيرة الشعبية وحكايات الف ليلة وليلة منحازاً للجمال الذي في داخلهما .

كيف هي علاقتك مع التراث الشعبي سواء في الأردن أو في الوطن العربي ككل؟
ليس لي علاقة مباشرة ومركزة مع التراث الشعبي، انما هو أحد الألوان والاتجاهات الفنية التي ألجأ اليها لخدمة مشروعي الإبداعي، فلست مهووساً بفكرة التمترس والانحياز لاتجاه أو شكل فني معين دون غيره، بل أنا كما قلت لك منذ البداية لقد بدأت حياتي في المسرح بحاراً أغزو المجهول وأبحث عن جزر المعرفة وقارات الجمال بغض النظر عن البحر الذي أبحر فيه . فعندما قدمت الزير سالم ودليلة والزيبق لم أقدمهم كما هو راسخ في أذهان الكثيرين، بل حاولت الارتقاء بهم نحو مصاف الأبطال التراجيديين في المآسي الكبرى، وجعلتهم يخوضون صراعاً عامودياً ويطرحون أسئلة وجودية كبرى، انطلاقاً من مقولة الزير سالم الشهيرة: «أريد كليباً حياً» والتي رأيت فيها احتجاجاً على فكرة الموت ومحاولة لتحدي الزمن والعودة به الى الوراء لكي يعود أخوه كليب الى الحياة من جديد، ولهذا جعلت سينوغرافيا العرض عبارة عن سكة حديد لقطار قديم يحاول الزير سالم التصدي له على طريقة تصدي دون كيشوت لطواحين الهواء .

قدمت أيضًا أعمال عالمية لشكسبير فماذا رأيت فيها؟
اعتقد أنني اجبتك على هذا السؤال في  اجاباتي السابقة وقلت ان شكسبير تراثا انسانيا ملك للبشرية جمعاء، فهو لم يكتب للمجتمع الانجليزي ولم يتناول قضاياه فقط، بل كتب عن عطيل العربي ومكبث الاسكتلندي وهاملت الدنماركي.. الخ وقد انحاز للجرح الإنساني بغض النظر عن جغرافيته، وهذا سر خلوده حتى وقتنا الحاضر، ولا زلنا حتى الان نكتشف كل يوم شيء جديد في مسرحياته، وهذا ما يجعلنا نعيد اخراجها برؤة ومعالجات جديدة تتناغم مع المجتمع والبيئة العربية التي نعيش فيها وتعبر عن قصايانا بعيداً عن النقل والترجمة الحرفية لهذه النصوص، فالمخرج هو مؤلف العرض المسرحي الجديد وصانع رؤيته وواضع فلسفته ووجهة نظره وليس مجرد مترجم للنصوص العالمية، ونصوص شكسبير تحتمل ان يتم معالجتها وتقديمها بعدة رؤى ووجهات نظر وهنا يكمن سر عظمتها وخلودها .

ماذا عن مشاريعك المسرحية القادمة؟
اعمل على مشروع المختبر المسرحي الجوّال في المناطق الأقل حظا داخل الأردن، واهتم كثيرا بفكرة تدريب جيل جديد من المبدعين، وذلك لإيماني أن الخلاص الوحيد سيكون على يد الأجيال الجديدة، أما الأجيال القديمة فقد أعناها الانكسار وأضنتها الهزيمة ورمت بها الظلامية في دوامة اليأس، اذن فلنتنازل عن نرجسيتنا قليلاً ولنتوجه لخدمة الجيل القادم وتسليحه بالعلم والمعرفة والفن والجمال ليكون له المستقبل، ولينعم بزمانٍ أفضل من زماننا .

إلى مدى ترى المهرجانات العربية للمسرح تؤدي الدور المطلوب منها؟
على المهرجانات ان تكون من مخرجات المواسم المسرحية على مدار العام وليس العكس، اي على المهرجانات ان تكون تتويجاً لحراك مسرحي يومي على مدار العام ويعرض فيها اهم المسرحيات التي تم انتاجها على مدار العام وحققت نجاحاً كبيراً، لا ان نكتفي بمهرجانات شكلية تعرض لمدة اسبوع ثم ينفض المولد بلا حمص، هذا ذر للرماد في العيون ولا يصنع الا ثقافة كرنفالية لا ثقافة تنويرية .

ما دافع وراء إنشاءك لمختبر المسرحي الجوال لاكتشاف المواهب المسرحية لدى الأطفال  والشباب في الأردن، وإلى مدى ترى أن هذه الحركة قد أدت أهدافها؟
الدافع كما قلت لك هو ايجاد جيل جديد من المبدعين تعقد عليه الآمال في تغيير الواقع المسرحي وخلق واقع جديد اكثر ابداعا والتحاما مع الجمهور، بالإضافة الى محاولة الخروج بالمسرح من دائرة النخبوية الضيقة نحو المسرح الجماهيري الشعبي الراقي والبعيد عن الابتذال، ومحاولة توظيف الدراما في العلاج بهدف ايجاد حل لمشاكل الشباب عن طريق استثمار طاقاتهم بأمور ابداعية خلاقة بدلا من ان يتم استغلالها في أمور ظلامية هدامة لا تخدم المجتمع .


حوار : عبدالكريم الحجراوي