وداعا أمين بكير.. راهب المسرح

وداعا أمين بكير.. راهب المسرح

العدد 683 صدر بتاريخ 28سبتمبر2020

بعد سنوات طويلة من العطاء وعشق المسرح، رحل في صمت شديد متعدد المواهب :الكاتب والمخرج والناقد المسرحي الكبير أمين بكير، ذلك المحارب الذي جاهدا طويلا من أجل أن تصل رسالته إلى الناس، من فوق خشبات المسارح. تفتحت عيناه على خشبة المسرح صغيرا، كان والده  يعمل في المسرح القومي أعرق المسارح المصرية ، فنشأ بين جدرانه، وشب في كواليسه ، حتى  أصبح عنصرا من عناصره، ووجها مألوفا لفنانيه وجماهيره،  بعدها انطلق في رحاب المسرح المصري كاتبا ومخرجا وناقد وممثلا.. تعددت مواهبه،  كذلك كان له السبق و الريادة في كتابة المونودراما وترك بصمة من نوع خاص عليها، كما كان من المهتمين بحركة المسرح الحرة وفرق الهواة، يساندهم ويشد من أزرهم بنصائحه وتوجيهاته وتدريبه..  كان معلما لأجيال كثيرة له مدرسته الخاصة التي تتلمذ فيها وتخرج منها عدد من الأجيال المسرحية.
وبحزن وأسى شديدين استقبل المسرح المصري وفاة الراهب أمين بكير الذي وافته المنية بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 83 عاما..  بكير، ولد في 8 مارس 1937 في القاهرة، وحصل على بكالوريوس فنون مسرحية..        
من أبرز أعماله «أنشودة الرصاص»، و»القط مشمش» و»العروسة» (قصص أطفال)، و»المحظوظ»، و»الوادي السعيد»، «واحتفالية بني شعب»  كما كتب عددا كبيرا من  مسرحيات المونودراما ، والمسرحيات الكوميدية ذات الفصل الواحد، وكتب  عددا كبيرا من  الدراسات المسرحية.  
حصل بكير  على جائزة اليونسكو من الجامعة الأمريكية .  
وصفه الكاتب المسرحى السيد حافظ بالفيلسوف حيث قال «هو الفيلسوف الخفي ابن النكتة في جلساته و عبر الهاتف و أثناء البروفات،  صديق القفشة إذا تكلم مع أهل الفن والأدب وصاحب الفكرة والثقافة.. وهو الكاتب المسرحى الذي اعتاد الطلبة المتقدمون إلى المعهد العالي للفنون المسرحية تقديم  مشاهد من مسرحياته عند  التقدم للاختبارات.. تجده مساعداً لمخرج كبير مثل سمير العصفوري أو مخرج موهوب مثل عصام السيد،  تجده مخرجا لفرق الهواة في الأقاليم،  وممثلا إذا لزم الأمر وغاب ممثل عن دور في المسرح القومي. تابع السيد  حافظ: عاش عمره في المسرح القومي وورث حب المسرح عن أبيه الذي كان  مساعدا  لعدد من مديريه مثل أحمد حمروش، وآمال المرصفى ، و محمود يس ، ومحمود الحدينى،  وأحمد عبد الحليم.  وهو الكاتب أيضا  القصاص الذي يلتقط من الأحداث ما يدخل في حالة من الشعور بالفرح أو الدهشة، 
وهو رائد المونودراما الذى عشقها ووهبها حياته، وللأسف أهمله مهرجان المونودراما في أبي ظبي ولم يكرمه ولم يحزن.. فى الندوات تجده مع الشباب ،  ناقدًا ومتابعًا لكل إبداع صغير أو كبير،  كأنه جهاز كمبيوتر يرصد  نبض المسرح.. لم يشك يوما إهمال المؤسسات الثقافية له فى مصر والوطن العربي. وقال أيضا : 
حصل  أمين بكير على عدة جوائز منها ما منحتها له الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كما ترجمت إحدى مسرحياته للإنجليزية.. و هو الكاتب الناقد والمثقف الدءوب الذي كان  مثل الشجرة المثمرة التي لا تتوقف عن العطاء و الإثمار.  لا يتوقف عن العمل .. عمل في كل شيء تقريبا له صلة بالمسرح ، قد يوقفك ويطلب منك أن تقطع عشر تذاكر لمسرحية حتى يتم رفع الستار ولا تلغى ليلة عرض.. أو يتصل بك يدعوك لمشاهدة مسرحية ربما لا يكون مشاركاً فيها، لا لشيء إلا لأنه يراها جميلة ويريد أن يشاهد الجميع هذا الجمال.. يمكنك أن تراه كل صباح في طريقه  إلى دور النشر،    يعيش حالة اشتباك دائم مع القاهرة القاسية التي لا ترحم.. دون أن يشكو. 
إيمانه بالله وبموهبته وقدراته جعله دائماً يبتسم ويسخر من كل شيء ويفلسف المواقف بضحكة أو بتعليق ساخر.. ظلمه النقد والحركة الأدبية في مصر والوطن العربي.. ومع ذلك يظل أمين بكير هو الحافظ  لأسرار المسرح المصري .. يحاول جاهدا أن يزرع شجرة المعرفة و التنوير في  زمن العتمة لذلك أثق أنه  عندما يتوضأ الوطن بالفضيلة ذات يوم فسيعطيه مكانته اللائقة .
رجل مسرح 
ويقول الفنان جلال العشري : «الكاتب المسرحي الكبير أمين بكير من المسرحين المهمين جدا، وقد  التقيت به  في أوائل الثمانينات بالمسرح القومي، ومن بعدها صار صديقاً وأخاً اكبر، لم يترك لي عملاً مسرحياً إلا وحضره وتناقش معي فيه ونصحني..هو رجل مسرح له فضل علي جيلي والجيل الذي قبله والذي بعده أيضا .. أعطي المسرح حياته كلها، فتم تهميشه في العشر سنوات الأخيرة..  قدمت له مسرحية المتمرد عام 2015 من إنتاج مسرح السامر. رحمه الله كان  بيته مفتوحا  لكثير من اللقاءات إلى أن  داهمه المرض وأقعده . رحم الله الأستاذ أمين بكير الذي أعطي عمره للمسرح ولم يأخذ منه شيئا،ً وأتمنى أن يتذكره المسرحيون في مهرجاناتهم بتكريم يليق برحلته وهو الذي أعطي ولم ينتظر شيئا.
سقوط جسر 
فيما قال المؤلف المسرحى أحمد سمير:  «رحيل الأستاذ أمين بكير كان بمثابة سقوط جسر مهم جدا في طريق الهواة،  فقد كان الراحل علامة فارقة في مسيرة الكثير منالهواة،  قدم لهم الكثير من المسانده والنصح و الدعم الحقيقي في تجاربهم،  وبشكل خاص فقد مررت بجسر الأستاذ في بداية مسيرتي كغيري من الهواة ، ذلك حين كنت مشاركا بأول عروضي مؤلفا ومخرجا في أحد المهرجانات بعرض «نبأ عاجل» وكان الأستاذ عضوا بلجنة المشاهدة و دار حوار بينه وبيني، فوجهني نحو اتخاذ خطوات هامة علي مستوي هذه التجربة التي كانت الأولي في مسيرتي،  وربما كانت نصائحه سبباً مهما في تصحيح مسار هذا العرض، وأذكر أنه في هذه الجلسة لم يبخل علي أحد مطلقاً بنصائحه، علي الرغم من تكدس الفرق المنتظر، وهو ما تسبب في استمرار المشاهدات لأكثر من 8 ساعات بسبب إصراره علي منح النصائح لجميع الفرق إيمانا منه بضرورة تقديم هذا الدور.
واحد من العشاق 
 وفى رثائه للراحل أمين بكير قال المخرج الكبير سمير العصفوري «إذا أردت أن  تعرف من هم رهبان المسرح المقدس الموجود في حديقة الازبكيه الذي يسمى المسرح القومي فعليك ان تعلم أنه ليس المسرح الذي قدم للعالم العربي أهم كوكبه من نجوم العالم في الكتابة والتمثيل والإخراج والحرفة المسرحية، هم نجوم نعم ولكن الرهبان الحقيقيين هم من صنعوا هذا المسرح في صمت، من هؤلاء العظيم الراحل الأستاذ أمين بكير. فقد ساندنا جميعا وساعدنا ونحن طلبه وسار معنا كل المشوار. 
كان عشقه الوحيد هو المسرح القومي، عاش كل حرف في المسرح: الإخراج و التأليف و النقد والتدريب .. إنه واحد من عشاق ورهبان المسرح المقدس، حملة أسرار نجاحه وانتشاره، الذين يعملون في صمت ولا تسمع لهم صوتا.
 أحد عشاق المسرح 
وقال  مهندس الديكور فادى فوكيه « كان بكير أحد عشاق المسرح بحق، أفنى عمره فيه مديرا لخشبة المسرح القومي و مخرج منفذ و ناقدا وكاتبا مسرحيا مهما ، هو أول من كتب المونودراما فى مصر ممصرا لرائعة تشيكوف «موت موظف « حين أسماها « من العطس ما قتل « وقدمت على مسرح الطليعة من تمثل وإخراج أحمد راتب،  وله في فن المونودراما عشرة مسرحيات منشورة في كتابين ، و رصيده من المؤلفات أكثر 26 كتابا فى جوانب المسرح المختلفة.. كان مثالا للتواضع والتفاني،  محبا للهواة .. شارك فى جميع أنشطتهم سواء بالتوجيه أو النقد.  رافقته في رحلة عطاء مهمة فى ورش التمثيل لراغبى الدخول للمعهد العالي للفنون المسرحية لأكثر من عشرة أعوام متتالية، كما تشاركنا فى رحلة طويلة فى مهرجانات الهواة كمهرجان شبرا الخيمة للمسرح الحر ومهرجان الرواد وقد كان عاشقا زاهدا  من عشاق المسرح. 
مسرحجى بكل ما تحمله الكلمة 
أما المخرج عصام السيد فقال « كان بكير مسرحجيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أنشطته فى المسرح كثيرة ، لم يكتفي بعمله فى المسرح القومي، فاجتهد ودرس بشكل شخصي وكان من أوائل من كتبوا في المونودراما، بالإضافة إلى المسرحيات الكبيرة.. كما كتب في مسرح الطفل وله دراسات منشورة عنه .. قدم نشاطا مسرحيا  من العيار الثقيل ، ومع ذلك كان متواضعا طيب القلب ويتمتع بخفة ظل .
تاريخ يسير على الأرض
المخرج هشام السنباطى أشار إلى عدة صفات هامة تحلى بها الراحل أمين بكير فقال  «كانت لديه صفة هامة وهى حبة للتعليم والتوجيه والنصح ،وهو سر حب المسرحيين له ،وكان أحد مؤسسي مشروع آفاق مسرحية وكانت له توجيهات عديدة في ذلك،  ولقد كان عضوا دائما في لجان اختيار ومشاهدة وتحكيم المهرجان، وقد استرشدنا به فى العديد من الأمور التي تخص مشروع آفاق مسرحية فى الدورة الأولى والثانية للمهرجان ، ولكنه لم يتمكن من استكمال بقية دورات المهرجان نظرا لظروفه الصحية، ولكنه كان يتواصل معى دائما. كذلك كان من مؤسسي مهرجان الرواد المسرحى وقد وضع لبنة المهرجان الأساسية، وقد كان  بمثابة تاريخ يسير على الأرض.                                                                                                                      
حالة لن تتكرر
الفنانة التشكيلية ومهندسة الديكور فدوى عطية قالت « يعد الأستاذ أمين بكير من أهم المسرحيين في مصر والوطن العربي، ناقدا ومخرجا ومؤلفا، وكان من مؤسسي ورشة المسرح القومي للتمثيل والإخراج التى التحقت بها أجيال متعددة،  وقد عملت معه مساعدة، وكنت أقوم بالتدريب معه بورشة التمثيل. وهو أول من علمني المسرح وقد استفدت منه كثيرا . أضافت:  تلقينا معا خبر حريق بنى سويف وبكينا سويا فى المسرح القومي، وكان قد اعتذر عن السفر يومها. تابعت:  عملت معه فى فرقة محلة الرواد بالقللي بعرض « بهلول العظيم « من تأليف وإخراجه وقمت بتصميم ديكور العرض بالإضافة إلى مشاركتي معه فى العديد من المهرجانات المسرحية، وقد تعلمت منه كيف يكون الديكور جماليا ومعبرا. فقد كان يشجعني دوما و يراني فنانة صادقة مجتهدة وبنت بلد،  وتنبأ لى بأن أكون مهندسة ديكور ذي شأن، وكان دائما ينصحني بالقراءة المستمرة ومشاهدة العروض لما له من أثر كبير في تطوير موهبتي .                                      
مات فقيرا 
وبحزن وآسى شديدين قال المخرج أميل شوقي « كان الراحل راهبا من رهبان المسرح ومات فقيرا غنى النفس، المسرح لم يعطه ومالا ولكنه أعطانا وقدم لنا من ذاته قربانا .


رنا رأفت