الجحود في فصل الأعلام

الجحود في فصل الأعلام

العدد 998 صدر بتاريخ 12أكتوبر2026

نتائج امتحانات الممثلين وبالأخص أسماء المستقيلين أو المُستغنى عن خدماتهم أي «المفصولين» أحدثت دوياً هائلاً في الصحافة المصرية، ومنها مجلة «الحسان» التي كتب فيها الناقد «علي طبنجات» مقالة بعنوان «الفرقة القومية المصرية» قال فيها: 
كان يا ما كان مما ليس في الحسبان، وقد شاء القدر الغشوم أن يحلّ بالفرقة القومية المصرية ما حلّ مما ليس فيه نقض ولا حل فليس من يجهل أن وزارة المعارف أرادت تشجيع التمثيل وإحياء المسرح المصري وقد تم هذا بالفعل وكان الفضل لذلك البطل الهمام «نجيب الهلالي بك» وزير المعارف سابقا.
 ومن تكوينه تلك اللجنة الموقرة لجنة تشجيع التمثيل العربي برئاسة حضرة صاحب السعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا واعتمادها مبلغ الخمسة عشر ألف جنيه لتشجيع التمثيل العربي والعمل على إحياء المسرح المصري ومن تكوين الفرقة القومية المصرية من أبطال وبطلات التمثيل وضم كبار الممثلين والممثلات فكانت الفرقة مكونة بما يربو على الخمس وأربعين ممثلاً وممثلة وأخرجت الفرقة نخبة قيمة من الروايات الأدبية فكان ذلك بشيراً ونذيراً على أن التمثيل بدأ يرتقي وآن الأوان لرقي المسرح المصري وكان أن اغتفرنا للفرقة عدم عملها على إحياء المسرح المصري عن طريق الرواية المصرية المحلية وأملنا ذلك في المستقبل في المواسم المقبلة للفرقة القومية المصرية. ولكن جاء الأمر على العكس فلم يكد الموسم ينتهي حتى قرّ رأي لجنة تشجيع التمثيل على فصل اثنا عشر ممثل وممثلة من الفرقة القومية المصرية فكان هذا مصاباً أليم الواقع عظيم الألم مدمياً للفؤاد حقاً. لم يقف الأمر عند ذلك الحد بل تعداه إلى ما هو أمرّ فقد صدر أمر لجنه تشجيع التمثيل إلى عمل امتحان عام للممثلين والممثلات كبيرهم وصغيرهم قديمهم وحديثهم فكان هذا في نظرنا صفعة للتمثيل على خده الأيمن وإهانة للجميع بلا فرق ولا استثناء على أن ذلك لم يشل من ثقة الممثلين والممثلات ومن وثوقهم بأنفسهم فرضوا بالامتحان جميعاً عن طيب خاطر وتلبية للنداء وبلا أقل ممانعة في الأمر قررت لجنة ترقيه التمثيل العربي امتحان الممثلين والممثلات الحاليين بالفرقة القومية والممثلين والممثلات الاثنا عشر المفصولين، وكان ذلك العمل عدالة يطيب لنا الثناء على لجنة ترقية التمثيل العربي لأجله وامتحنوا جميعهم وظهر للجنة أن الجميع ممثلون أكفاء وعلى اقتدار جميعهم في التمثيل العربي ولم يكن يدر بخلدنا أن تتورط اللجنة إلى هذا الحد حتى تصنع ما صنعت مما يخلخل بالأعصاب ويدك بالآمال إلى أبعد حدود الهاوية فوا حرباه!! أسفرت نتيجة ذلك الامتحان العام عن دراما عنيفة لم تكن منتظرة ولم نكن لنترقب حدوثها فقد قضت إرادة لجنة تشجيع التمثيل العربي أن تضرب بالتمثيل الضربة القاضية فقد فصلت ستة ممثل وممثلة وهم الأساتذة عبد الرحمن رشدي وعبد العزير خليل وعلي هلالي أحد مديري المسرح، والسيدات فكتوريا موسى وعزيزه أمير والآنسة زيزي عثمان مع أن الجميع ممثلين وممثلات خدموا التمثيل والمسرح المصري، ولم تضم من المفصولين إلا السيدة زوزو حمدي الحكيم ولم تكتف اللجنة بذلك العمل فحسب وإنما زادت أن خفضت مرتبات كل من الأساتذة جورج أبيض وعزيز عيد وزكي طليمات وأحمد عسكر مدير الإعلان عن الفرقة والركلام وزادت مرتبات الأساتذة منسى فهمي وعباس فارس وسراج منير و فردرس حسن، ونجم عن هذه العملية الجراحية أن قدم الأستاذ «عزيز عيد» استقالته من الفرقة نهائياً لأنه عدّ تخفيض مرتبه إهانة لكرامته الفنية وعدم اعتراف بفنه! ونحن لا نعترض على عمل اللجنة وإنما نتعشم أن تُعيد النظر فيما وقع فربما تلك العملية الجراحية الأليمة تكون خاطئة ولو قليلاً.
أما جريدة «كوكب الشرق» فنشرت مقالة بتوقيع «نصير الفنون» عنوانها «النهضة المسرحية وكيف تتحطم ويُشرد نوابغها»، وذلك دفاعاً عن قيمة وتاريخ علمين من أعلام المسرح تم الاستغناء عنهما، هما «عبد الرحمن رشدي» و«عبد العزيز خليل»، ومما جاء في المقالة الآتي:
تأثر التمثيل كثيراً في العالم كله، بانتشار السينما ونجاح فنها، وشمل هذا التأثير المحسوس المسرح المصري، ولكن البلاد الأخرى لم تشأ أن تترك التمثيل ينقرض من بين فنونها الجميلة، فعملت على إحيائه ومساعدته بمختلف الوسائل، وأعانت الحكومات الحركة المسرحية المعونة الكفيلة ببقاء التمثل كعنصر ثابت من عناصر الفنون بها استحوذت للسينما على ميول الجهود، فإن له مزايا توجب له الحياة، وتقتضي له البقاء. وقد فكرنا نحن في هذا أيضاً، فرصدت الحكومة خمسة عشر ألف جنيه لإحياء المسرح المصري بإنشاء فرقة قومية، وقد مرّ نحو عام الآن على حياة هذه الفرقة، ولكنها للأسف لم تكن عاملاً من عوامل الإحياء، بل في الواقع كانت عاملاً من عوامل الموت والفناء، لأنها قنعت بعلاج الأعراض ولم تعالج الداء نفسه، ولعله في ذاتها، كما اصطلحت على إفساد الغاية منها نوازع وأغراض وغايات أنانية فاسدة ما تناولت عملاً عاماً إلا طبعته بأسوأ طابع، وعرقلت تقدمه وقدحت فيه فلا يستطيع السير إلى النجاح، ولكنه يدلف إلى القبر والفشل والإخفاق. لقد ظلت شؤون الفرقة القومية طيلة العام الفارط فوضى لا تستقيم على نظام، ولم تخرج شيئاً يستأهل التشجيع، ولم تبرز من الممثلين إلا عدداً محدوداً استبدوا بالأدوار وأمر الإخراج، ولبث فريق من النوابغ الصالحين وأصحاب الكفايات الممتازة في هذا الفن، ينتظرون أدوارهم، فلا يلتفت إليهم، ولا يراهم الجمهور، ولا يحس أحد لهم بأدق وجود. ولا تحسب المشرفين على الفرقة يستطيعون أن يدعوا أنها قد نجحت في هذا العام أو كادت. بل بالعكس لقد أدركوا سوء العاقبة، فحاولوا للأمر علاجاً، ولكن للأسف جاء هذا العلاج أكثر إفساداً من العلة ذاتها، وشراً على شر، وخللاً فوقه اختلال. لقد أحست الهيئة التي تتولى إدارة الفرقة أن نفقاتها مبتلعة المال ابتلاعاً، وأن الفوضى ضاربة الأطناب حولها، فعمدت إلى نقص النفقة والتوفير في التكاليف، وكان من بين الوسائل التي اتخذتها لذلك الاستغناء عن أفراد من الفرقة بإقامة مباراة عامة للجميع، تحت شعار انتقاء الصالحين، وانتقاء الذين لا حاجة إليهم، وإنصاف الذين أخطأهم الإنصاف عند إنشاء الفرقة فوضعوا في غير مواضعهم، أو شُح عليهم في الرواتب والأجور. وقد أنس الأكفاء والذين لم ينضموا إلى هذه المباراة لأنها مقياس للمقدرة، ومظهر الإجادة والصلاحية، فأقبلوا عليها خفاقاً كبار الآمال، وحشدوا لأدوارهم فيها كل قواهم وملكاتهم ومواهبهم الكامنة. ولكن تبين أن المباراة لم تكن تحوي وسيلة للتخلص من أفراد بأعينهم، إذ رأينا الفرقة قد قررت عقب انتهاء المباراة الاستغناء عن طائفة من الممثلين كان ينبغي أن تحرص عليهم وتتمسك بهم وترفعهم من جهة الأجور إلى مستواهم الخليق بهم تشجيعاً لهم على الإجادة والافتنان. رأيناها تستغني عن رجل مطبوع على هذا الفن كالأستاذ عبد الرحمن رشدي، أحد أبطال النهضة المسرحية في العشرين سنة الأخيرة، والممثل النابغة، والفنان المسرحي الواسع الاطلاع على كل ما يتصل بفنه، وقد تكون حجتها في فصله أنه لم يؤد عملاً ما خلال السنة الفارطة، ولكن هذه الحجة لا تصلح مبرراً إذ قد حيل بينه وبين الظهور، وحورب محاربة مكشوفة، واستبدت الأهواء في داخلية الفرقة فكان هو صدى ضحاياها، ولم تنجع أية محاولة من جانبه لإبراز مواهبه، ما دامت النوازع الخاصة هي المتحكمة الغالبة. بل يؤسفنا كل الأسف أن يكون بين الذين استغنت الفرقة عنهم ممثل آخر معدود من نوابغ المسرح وأفذاذ أهله، وله ماض طويل فيه وقدم راسخة ونباغة بارزة، وهو «عبد العزيز خليل» مع أنه دخل الفرقة براتب ضئيل لا يتناسب وموضعه وكفاءته، دخل بتسعة جنيهات في الشهر، بينما غيره يتقاضى العشرين والثلاثين والأربعين ولكنه قبل هذا الأجر على مضض، وهو يرجو بالإجادة وبروز كفايته أن يُنصف عند سنوح فرصة للإنصاف. ولكنه على أثر المباراة أو الامتحان الأخير وقد كانت إجادته فيه محل إعجاب الذين حضروا المباراة جميعاً، بوغت بكتاب الاستغناء عنه، في هذا الوقت من السنة، وهو الوقت الذي تركد فيه حركة المسارح، أي لقد جاء قرار الفصل يحمل معنى التشريد، وينطوي على قسوة بالغة في معاملة النابغين. وهكذا تنتهي صلة هذا الممثل الكبير بالفرقة الحكومية نهاية سيئة للغاية، وهو الفنان الذي برزت كفاءته من سنة 1912 في دار الأوبرا بجانب أبيض وعبد الرحمن وظهرت مقدرته النادرة في أدواره المعروفة في الشرف الياباني، وصلاح الدين، والحاكم بأمر الله، ومضحك الملك، وعبد الرحمن الناصر، وقلاوون، وفي روايات شجرة الدر، والزوبعة، وفي الأوبرات المعروفة مثل كارمن وتوسكا وشمشون وفي إدارته الفنية لفرق كثيرة كفرقة الحديقة وفرقة منيرة، وقد بلغ من شهادة المسرحيين لكفاءته أن أجمعوا في يوم ما على انتخابه نقيباً للممثلين كما كان يفوز بالجوائز الأولى في سائر المباريات التي تضعها الحكومة عاماً بعد عام، للمبرزين في التراجيدي والكوميدي والدرام. لقد قنع بتسعة جنيهات في الشهر وبأدوار ثانوية يتصدق بها عليه في السنة المسرحية، لأنه كان يرتقب أن ينهض راتبه على الأيام كلما أبرز مقدرته ودلل على نبوغه الفني، بل أحسبه قنع بذلك، خيفة التشرد والعطل من العمل، لأن الحركة المسرحية في ركود طويل، والفرق الحرة تشكو الحسر والبوار، ومن الصعب على مثله أن يجد مكاناً له وسط هذه المحنة الفنية التي نكب المسرح بها في هذه السنين. فأين يذهب الآن ممثل كهذا شهد له بالنبوغ سعد باشا زغلول وخليفته طلعت حرب باشا الذي عهد إليه بإدارة فرقة ترقية التمثيل مند بضعة أعوام، وأين يجد مرتزقاً من فنه وقد نُبذ هكذا بالعراء؟ إننا نهيب بنخبة الأشراف على التمثيل وبوزير المعارف وبحكومة الدستور التي من واجبها تشجيع الفنون والأخذ بناصر أهلها أن يتداركوا الحركة المسرحية بالعلاج قبل أن يعالجها الموت وهم يطلبون لها الحياة.
لا يمكن أن ننهي هذا الموضوع دون ذكر خطاب «زكي طليمات» إلى «عبد الرحمن رشدي» الذي نشرته مجلة «البلاغ»، وفيه قال طليمات: أخي وزميلي الأستاذ عبد الرحمن رشدي .. صرفني مرض عابر عن المبادرة إلى تأدية واجب صغير نحو شخصك المبجل وأنت تلاقي اليوم من محنتك ما تعاني .. أستغفر الله فما هي بالمحنة التي تنوء بها أكتافك القوية التي ركزت للمسرح المصري راية في فجر النهضة، راية مرفوعة العماد اجتذبت إلى ظلها نفراً من الشباب الناهض المغامر فتركوا قاعات الدرس وكراسي الوظائف ليعملوا إلى جانبك وتحت رئاستك لإنهاض المسرح. ما هي المحنة التي تنال من قلبك الكبير أو تطفئ من نورك، إنما هي فدية المجد الذي يغطي رأسك بأكاليله، وهي ثمن العظمة الفنية التي تحوط اسمك الداوي. فقد قضت لجنة ترقية المسرح المصري بإبعادك عن الفرقة القومية، وحجتها في ذلك أنك لم تضطلع بدور من الأدوار طوال هذا الموسم، وهذه الحجة وغيرها من الحجج لها وزنها في نظر أصحابها، وليس لي أن أعلق عليها بكثير أو قليل، ولكنني أعتقد - وهذا عهدي بك - أنك لن تضيق صدراً بحكم كهذا، حكم لن يسلبك فخر الجهاد والمغامرة، ولن يضيرك في عيشك، أو يلوث سمعتك كرجل ومحام قدير وممثل مفتن، فلك في تاريخ المسرح المصري صفحات مجيدة .. كنت الشاب المحامي الأول الذي خرج على العُرف والتقاليد، بل على منطق الحياة الاجتماعية في مصر فقذف برداء المحاماة والقضاء ليلبس ثوب الممثل فصرت في التاريخ قائد الطليعة لشباب اقتفوا أثرك أتشرف بأني كنت أحدهم، أقبلوا على المسرح لا لكسب العيش ولكن ليغزوه بدم حار جديد. وقمت بأدوار تمثيلية عديدة ما زال اسمها مقترناً باسمك على عالم المسرح المصري طريقة جديدة في الإلقاء والتمثيل وأنشأت مدرسة تخرج منها الكثيرون. ثم أنشأت فرقة تحمل اسمك فحملت اسم الفن في أروع جهاد وأزكى تضحية إلى كافة مدن القطر الذي كان لا يردد اسم ممثل سواك. وحصلت على شرف المثول والتمثيل بين يدي جلالة الملك الراحل فؤاد الأول فكنت الأول والأخير بين ممثلي مصر الذي حباه السعد بهذا الحظ الوافر. وتقلبت في لجان فنية مختلفة في وزارتي الأشغال والمعارف وكان لك فيها صوت مسموع في تقدير حظوظ الممثلين وأقدارهم فسعد بأحكامك الصائبة الكثير من زملائك. ومررت للمسرح روايات مترجمة ومؤلفة فغذيته بنفثات براعتك. وهكذا سجل المسرح المصري لك نشاطاً عجيباً في سائر مناحيه وجهاداً مشرفاً، لما حفظ لك ذكرى التضحية والمغامرة ورفعة شأن المشتغلين فيه. ولكن مع كل هذه الخدمات أُقصيت مجبراً عن المسرح، ولكن على الرغم من كل هذا لم يسمحوا لك بالبقاء بيننا حتى باسم ماضيك الزاهر في خدمة المسرح. إن النسيان من صفات المجتمع الإنساني، والمجتمع كالأفراد يناله التعب ويدركه الملل فمن عملوا له فأحسنوا به، فلا يروعنك ما انتهيت إليه .. إن المفتن يا صديقي لا يقتل .. وإنما يموت منتحراً. ومثلك لم يفرط في واجب مما تقتضيه هويته، وما تحتمه ملهمته، ومثلك لم يقعده متاع الدنيا عن إجابة داعي الجهاد، ولعل محنتك هذه أعجب ما سيرويه تاريخ المسرح في مصر عن سيرتك. لك هزة يد من صديق وزميل، وإلى اللقاء في حقل جديد.


سيد علي إسماعيل