العدد 998 صدر بتاريخ 12أكتوبر2026
تُعَدّ لورين جندرسون واحدةً من أكثر كاتبات المسرح الأمريكيات المعاصرات إنتاجًا منذ عام 2015، وقد تصدّرت القائمة أربع مرات، كان أحدثها فى موسم 2025-2026 (مجلة American Theatre).
وذلك بفضل سردها الدرامى المتفرد الذى يعلى من شأن النساء عبر التاريخ والعلم والأدب، مقدّمًا عشرات الأدوار المهمة والعوالم المسرحية الرحبة التى تتيح للممثلين أن يبعثوا فى النساء القويات، المتعددة الأبعاد – بل والثوريات أحيانًا – حياةً نابضة على خشبة المسرح. وتمتد هذه الدرامات عبر طيف واسع من العصور، من غرفة نوم لمراهقة معاصرة فى أنا وأنت (I and You)، رجوعا إلى إنجلترا الشكسبيرية فى مسرحية كتاب (The Book of Will).
وفى كل عمل من أعمالها، تُمنَح الأصوات النسائية القوية مساحةً لكى تُسمَع وتُرى وتُحَسّ وتُعاش.
وتجذب مسرحياتها الجمهور بنوعيه، لا النساء وحدهن؛ إذ تنشيء نضالات النساء وانتصاراتهن وتجاربهن اليومية وإنجازاتهن الاستثنائية مجالا فكريا بما ينطوى عليه من شغف وذكاء وقدرة على الفعل يثير شغف الجمهور عامة.
وهذه نظرة خاطفة على عالم جندرسون من خلال المسرحيات الخمس التالية، التى تقدّم كل واحدة منها تأملًا بديعًا فى تقاطع العلم والإنسانية، واستكشافًا مُمكِّنًا لنساء غالبًا ما جرى تجاهلهن، و/أو حوارًا متأملًا حول الطبيعة الإنسانية والنسوية والمسرح.
إيميلى: الماركيزة دو شاتليه تدافع عن حياتها الليلة
(Emilie: La Marquise Du Châtelet Defends Her Life Tonight) - الولايات المتحدة
تمثّل هذه المسرحية أول حلقة فى سلسلة من الأعمال التى ستصبح لاحقًا من أبرز مجالات تميّز جندرسون – وهى المسرحيات التاريخية الواسعة التى تستعيد سِيَر النساء الثائرات فى التاريخ.
فى هذه المسرحية ، تعود العبقرية العلمية إيميلى دو شاتليه، التى عاشت فى القرن الثامن عشر، وقد عقدت العزم على الإجابة عن السؤال الذى ماتت وهى تحمله: الحب أم الفلسفة؟ العقل أم القلب؟ وفى إعادة اكتشاف مسرحية ذات حيوية فريدة، سريعة الإيقاع، طريفة، لواحدة من أكثر نساء التاريخ إثارةً للفضول، تدافع إيميلى عن حياتها وعن أحبّتها، لتنتهى إلى امتلاك معادلة وإرث معًا، إرثٍ ظلّ يتخلل صفحات التاريخ. وتستكشف هذه المسرحية، التى وُصفت بأنها «مغامرة طموحة، شديدة المسرحية، تتوهج بالكهرباء حرفيًا» (LA/OC Examiner)، العلاقة بين إيميلى والشاعر فولتير، حيث لا يزيد حبّهما المشترك لبعضهما بعضًا إلا بفضل حبهما المشترك للعلم والمعرفة والتعلّم. إنها مسرحية آسرة، شغوفة، ذكية، ذات حس درامى متوهج بطبيعتها.
وقد قُدّم إنتاجها الأول عام 2009 على يد South Coast Repertory فى كوستا ميسا بولاية كاليفورنيا، لتبدأ بذلك قصة تعاون وحب عظيمة أخرى: قصة الغرام بين المسارح الإقليمية الأمريكية ولورين جندرسون.
السماء الصامتة
(Silent Sky) - الولايات المتحدة/المملكة المتحدة
استمرت علاقة الحب بين لورين جندرسون ومسرح الساحل الجنوبى الذخائرى South Coast Repertory من خلال مسرحية سماء الصامتة، والتى أسهمت لاحقًا فى تصدّر جندرسون المرتبة الأولى فى قائمة مجلة American Theatre للأعمال «الأكثر إنتاجًا» فى موسم 2019–2020، أى بعد ما يقرب من عقد على العرض الأول للمسرحية.
عندما تبدأ هنرييتا ليفيت العمل فى مرصد هارفارد فى أوائل القرن العشرين، لا يُسمح لها بلمس تلسكوب أو التعبير عن فكرة أصيلة. وبدلًا من ذلك، تنضم إلى مجموعة من النساء «الحاسبات»، اللواتى يقمن برسم خرائط للنجوم لصالح عالم فلك ذائع الصيت، يحسب المشاريع بوحدة «ساعات الفتيات»، ولا يملك وقتًا لنظريات النساء الاستقصائية. وفى وقت فراغها، وبينما تحاول هنرييتا قياس ضوء النجوم والمسافة التى تفصلها، يتعين عليها أيضًا أن تقيس حياتها على الأرض، محاولةً الموازنة بين تكريس نفسها للعلم والالتزامات العائلية وإمكان الحب.
تستكشف المسرحية الحياة الحقيقية لعالمة الفلك فى القرن التاسع عشر هنرييتا ليفيت، وتعكس مكانة المرأة فى المجتمع خلال عصر شهد اكتشافات علمية هائلة، حين كانت أفكار النساء تُهمَل إلى أن ينسب الرجال الفضل فيها إلى أنفسهم. وما يسطع عبر سماء النظام الأبوى فى هذه المسرحية هو الضوء الوهاج للحب الشديد الذى يجمع هؤلاء النساء، وروح الدعابة الذكية المعدية التى يتمتعن بها، وومضات النسوية المبكرة التى تتخلل أحاديثهن.
أنا وأنت
(I and You) - الولايات المتحدة
يجعل مراهقان لعبارة والت ويتمان الشهيرة «الصيحة الهمجية» صدى معاصرًا فى هذه المسرحية الثنائية(ديودراما) التى احبها الجمهور على نحو كبير.
فى أحد أيام الظهيرة، يصل أنتونى على نحو غير متوقع إلى باب زميلته فى الصف كارولين، حاملًا نسخة مهترئة من أوراق العشب (Leaves of Grass) لوالت ويتمان، وهى مهمة عاجلة كلّفهما بها مدرس اللغة الإنجليزية. وقد انقطعت كارولين عن الذهاب إلى المدرسة منذ أشهر بسبب مرضها، لكنها تتمتع بسرعة البديهة والسخرية اللاذعة بالقدر الذى يتمتع به أنتونى بالروح الرياضية والحساسية والشعبية. وبينما يُسقط الاثنان دفاعاتهما ويتشاركان أسرارهما، يفتح مشروع الشعر الذى يبدو عاديًا فى ظاهره بابًا إلى لغز أعمق بكثير، هو الذى جمع بينهما. أنا وأنت قصيدة احتفاء بالشباب والحياة والحب والجمال الغريب الكامن فى التواصل الإنسانى.
فازت المسرحية بجائزة هارولد وميمى شتاينبرج/رابطة نقاد المسرح الأمريكى للعمل المسرحى الجديد (Harold and Mimi Steinberg/ATCA New Play Award) لعام 2014، وكانت من الأعمال النهائية المتنافسة على جائزة سوزان سميث بلاكبيرن (Susan Smith Blackburn Prize). وقد أحدثت أنا وأنت صدى قويًا فى عالم المسرحيات الجديدة عام 2014، بوصفها جزءًا من برنامج العرض العالمى المتنقل (Rolling World Premiere) التابع لـ الشبكة الوطنية للمسرحيات الجديدة (National New Play Network). ويتيح هذا البرنامج للمسارح المتقاربة فى الحجم والميزانيات فى مختلف أنحاء البلاد أن تتشارك الموارد، بما يساعد على خلق زخم للأعمال الجديدة؛ وفى إطار هذا البرنامج، عُرضت أنا وأنت للمرة الأولى فى Marin Theatre Company بولاية كاليفورنيا، ثم فى Olney Theatre بولاية ماريلاند، ثم لاحقًا فى Phoenix Theatre بولاية إنديانا. ومنذ ذلك الحين، قُدّمت هذه المسرحية كعرض اساسى رائع وطريف ، فى عشرات المسارح والكليات فى أنحاء أمريكا.
وتتعاون لورين جندرسون الآن مع الملحّن آرى أفصار لتحويل هذا التحوّل الفنى السامى إلى مسرحية غنائية، وقد شهد هذا العمل حياته الأولى على خشبة المسرح فى McCarter Theatre فى 13 سبتمبر 2025.
كتاب الإرادة
(The Book of Will) — الولايات المتحدة/المملكة المتحدة
فازت لورين جندرسون مرة أخرى بجائزة هارولد وميمى شتاينبرج/رابطة نقاد المسرح الأمريكى للعمل المسرحى الجديد عام 2018، عن درامتها التاريخية الكبرى والعاطفية كتاب الإرادة.
فلولا ويليام شكسبير، لما كانت لدينا روائع أدبية مثل روميو وجولييت. لكن لولا هنرى كونديل وجون همنجز، لفقدنا إلى الأبد نصف مسرحيات شكسبير! وبعد وفاة صديقهما ومرشدهما، يعقد الممثلان العزم على جمع الطبعة الأولى (First Folio) والحفاظ على الكلمات التى شكّلت حياتهما. وقد لا يكون أمامهما سوى أن يستعيرا ويتوسلا ويتكاتفا معًا، كى ينقشا اسم الشاعر فى التاريخ. وفى خضم ضجيج لندن الإليزابيثية وألوانها، تكشف هذه الصورة الحية لمسرحية عن قصة حقيقية لا تُنسى، قوامها الحب والفقد والضحك، وتلقى ضوءًا جديدًا على رجل قد تظن أنك تعرفه.
ومن خلال نسج الضحك والحزن مع العبقرية اللغوية لويليام شكسبير، تتيح هذه المسرحية الجماعية للمسارح فرصة استكشاف تشكّل الإرث المسرحى من خلال عدسة الصداقة.
ثلاثية عيد الميلاد فى بيمبرلى، بدءًا من
الآنسة بينيت: عيد الميلاد فى بيمبرلي
(The Christmas at Pemberley Trilogy, beginning with Miss Bennet: Christmas at Pemberley) — الولايات المتحدة
ومن المواهب الأخرى التى تتمتع بها جندرسون قدرتها على إعادة التفكير فى الحكايات التى نظن أننا نعرفها بالفعل، ومنح الشخصيات عمرًا أطول. ففى ثلاثية عيد الميلاد فى بيمبرلى، التى كتبتها بالتعاون مع مارغو ميلكون، تواصل الكاتبتان المسرحيتان الحكاية التى بدأت بها جين أوستن فى كبرياء وهوى (Pride and Prejudice)، لكنهما تتابعان هذه المرة حياة الشقيقات الأصغر لعائلة بينيت، عبر ملحمة من ثلاث مسرحيات تتناول الأسرة والغفران والصداقة.
تدور أحداث المسرحية الأولى من هذه الثلاثية، الآنسة بينيت: عيد الميلاد فى بيمبرلى، بعد عامين من نهاية الرواية، وتواصل الحكاية، ولكن هذه المرة من خلال الأخت الوسطى مارى، المحبة للكتب، بوصفها بطلة غير متوقعة. فقد بدأت مارى تشعر بالضجر من دورها بوصفها الأخت الوسطى المطيعة، فى مواجهة مغامرات أشقائها العاطفية. وعندما تجتمع الأسرة للاحتفال بعيد الميلاد فى بيمبرلى، يشعل ضيف غير متوقع آمال مارى فى الاستقلال، وفى العثور على ندّ فكرى، وربما حتى ندا فى الحب ايضا.
وبينما صوّرت الآنسة بينيت اجتماع عائلة دارسى حديثة الزواج فى عيد الميلاد فى الطابق الأرضى من بيمبرلى، تنقل المسرحية الثانية، الويكهامز: عيد الميلاد فى بيمبرلى (The Wickhams: Christmas at Pemberley)، الجمهور إلى حجرات الخدم فى الطابق السفلى للاحتفال نفسه. فالسيدة رينولدز، مدبرة المنزل العملية التى لا تعرف المواربة؛ وكاسى، الخادمة الجديدة المتحمسة؛ وبرايان، خادم القدمين الواقع فى الحب، منهمكون جميعًا فى الاستعداد لاستقبال ضيوف العطلة. لكن عملهم يتعطل بوصول السيد ويكهام عند منتصف الليل، وهو بالتأكيد ضيف غير مدعو – زوج ليديا المارق والعدو اللدود للسيد دارسى. وهذه التكملة الميلادية لتوسعة جندرسون لعالم كبرياء وهوى حكاية ساحرة تستكشف حدود الطبقات الاجتماعية وكرم الغفران.
أما المسرحية الثالثة والأخيرة من الثلاثية فهى جورجيانا وكيتي: عيد الميلاد فى بيمبرلى (Georgiana and Kitty: Christmas at Pemberley)
وفى هذه المسرحية، تكون جورجيانا دارسى عازفة بيانو بارعة، حذرة من الرومانسية. أما كيتى بينيت – الأخت الأصغر لبطلة المسرحيات الأولى، مارى – فهى متفائلة مشرقة العينين، وصديقة مثالية. وبعد سنوات قضتها الاثنتان فى ظل أشقائهما الأكبر سنًا، تصبح هاتان الأختان الأصغر مستعدتين لخوض مغامراتهما الخاصة فى الحياة والحب، بدءًا من وصول معجب ومراسل سرى.
ولن تتمكن العائلات المتطفلة والتوقعات البالية من منع هاتين الصديقتين المصممتين من شق طريقهما الخاص، فى حكاية عطلة موسيقية مليئة بالموسيقى والطموح وأخوّة النساء والغفران.
فى المحصلة، تكشف تجربة لورين جندرسون عن مشروع مسرحى يتجاوز مجرد إعادة كتابة التاريخ أو استعادة الشخصيات النسائية المنسية؛ فهى تعيد توزيع مركز الحضور الدرامى نفسه، فتمنح المرأة صوتًا وفاعليةً ومعرفةً وقدرةً على صناعة الحكاية، لا بوصفها موضوعًا للنظر أو ضحيةً لسردٍ يكتبه الآخرون، بل بوصفها ذاتًا فاعلة فى تشكيل التاريخ والعلم والحب والمجتمع. غير أن القيمة الأعمق فى تجربتها تكمن فى قدرتها على تحويل هذه القضايا إلى مادة مسرحية نابضة، تجمع بين البحث التاريخى والخيال، وبين الفكاهة والعاطفة، وبين الفكر ومتعة الفرجة، بحيث لا تتحول النسوية إلى خطاب أيديولوجى مباشر، بل تتجسد فى الشخصيات والعلاقات والصراعات ذاتها. ومن هنا تكتسب أعمال جندرسون أهميتها المعاصرة؛ إذ إنها لا تستعيد النساء من هامش التاريخ فحسب، وإنما تعيد مساءلة الطريقة التى كُتب بها ذلك التاريخ، وتكشف أن تغييب النساء لم يكن غيابًا عن الفعل الإنسانى، بقدر ما كان غيابًا عن السرد الذى حفظ هذا الفعل. وفى هذا المعنى، يصبح المسرح عند جندرسون فعلَ استردادٍ للذاكرة، وإعادةَ توزيعٍ للضوء، واحتفاءً بالمرأة بوصفها عقلًا وصوتًا وجسدًا وذاتًا قادرة على الاختيار والفعل، وهو ما يفسر جانبًا أساسيًا من حضور أعمالها المتزايد على خشبات المسرح الأمريكى.