العدد 997 صدر بتاريخ 5أكتوبر2026
ليس كل ما يقيد الإنسان يمكن رؤيته، فبعض القيود تبدأ من علاقة أو خوف، أو مسؤولية أو حتى من صورة يفرضها الآخرون عليه، ثم تصبح مع الوقت جزءًا من حياته إلى الحد الذي يجعل التخلص منها أمرًا أكثر تعقيدًا مما يبدو.
يقدم لنا عرض Sottopelle
شخصان لهما حكايتين مختلفتين بينما يعيشان الإحساس نفسه بأن حياتهما ليست ملكًا كاملًا لهما فنحن أمام امرأتين، لكل منهما حكايتها وعالمها الخاص دون أن تجمعهما علاقة مباشرة بالمعنى التقليدي. ومع ذلك يبدو أن هناك شيئًا أعمق يربط بينهما؛ شيء لا يحتاج إلى حوار طويل أو علاقة واضحة حتى يصبح حاضرًا. ويظهر على جسديهما خيط بسيط يلتف حول كل واحدة منهما، ليصبح مع الوقت أكثر من مجرد عنصر في السينوغرافيا، ويفتح أمامنا أسئلة عن العلاقات، والاختيارات، والقيود التي قد يعيش الإنسان داخلها دون أن يدرك متى بدأت أو كيف يمكنه الخروج منها
فالشخصيتان لا تعيشان الظروف نفسها، وكل واحدة منهما تدخل العرض بحكاية مختلفة. “جيان” شخصية رجل تؤديه إحدى الممثلتين، وتدور حياته بشكل كبير حول علاقته بأمه، بينما نتابع سوزانا وهي تعيش زواجًا يفرض عليها الكثير من الأشياء التي لم تخترها بنفسها.
فعلاقة جيان بأمه معقدة أكثر مما تبدو في البداية فأمه تعاني من تدهور الذاكرة وحالتها تزداد سوءًا مع الوقت وهو يعيش إلى جانبها وكأنه مسؤول عن حياتها وتفاصيلها، لكن المفارقة أن الأم نفسها لم تتوقف عن عيش حياتها العاطفية، فهي امرأة لديها تاريخ من العلاقات وتستمر في التعبير عن رغبتها في الحب والعلاقات حتى وهي في سن متقدمة، في الوقت الذي كانت فيه الأم قادرة على أن تعيش رغباتها بطريقتها كان ابنها يجد صعوبة في أن يعيش حياته هو، وهذا يظهر بشكل واضح في المجلات التي كان يقرأها سرًا، فكان يخفيها عنها، تفصيلة صغيرة لكنها تكشف الكثير عن علاقته بأمه؛ حتى اهتمامه الخاص وحياته الشخصية لا يشعر أنه يستطيع أن يعيشهما بحرية أمامها.
فالأم التي عاشت علاقاتها العاطفية بحرية، أو على الأقل لم تتخل عنها بسبب عمرها، أصبحت بالنسبة لابنها جزءًا من السبب الذي يجعله غير قادر على عيش حياته بالطريقة التي يريدها. فهذه الشخصية لا تواجه قيدًا ماديًا يمنعه من الخروج أو مقابلة الآخرين، لكنه يعيش تحت تأثير علاقة تجعله يشعر بأنه مراقب ومضطر إلى إخفاء جزء من نفسه.
واتضح هذا القيد أكثر عندما ذهبت الأم الى المستشفى، فتغيرت حياة جيان وأصبح لديه وقت لنفسه، ويستطيع الخروج وكون صدقات.
أما سوزانا فهي متزوجة من رجل ديني وتجد نفسها داخل حياة مرتبطة بالكنيسة وبالدور المتوقع منها كزوجة، فهي تذهب إلى الكنيسة لأنها مطالبة بذلك، فلم يسألها أحد عما تؤمن به أو عما تريده. وايضا هي تعرف أن زوجها يخونها مع نساء أخريات ويهملها، بينما تستمر هي في العلاقة وكأن عليها أن تتحمل شكل الحياة المفروض عليها.
حتى رغبتها في الإنجاب تصبح جزءًا من هذا الصراع. سوزانا تريد طفلًا لكن زوجها يرفض، فتجد نفسها أمام رغبة أساسية بالنسبة إليها لكنها مرتبطة بقرار شخص آخر.
وهنا أيضًا لا تبدو الحكاية مجرد قصة عن زوج يخون زوجته، وإنما عن امرأة تشعر أن تفاصيل أساسية في حياتها تحسم بعيدًا عنها: ماذا تؤمن، وكيف تعيش زواجها، وهل تصبح أمًا أم لا، وما المساحة التي يسمح لها بها هذا الزواج لتكون نفسها.
وعلى الرغم من اختلاف التجربتين، يظل هناك شيء مشترك بين جيان وسوزانا. كلاهما يجد نفسه في حياة لا يستطيع التحكم في تفاصيلها بالكامل، وكلاهما يحاول أن يجد مساحة خاصة به داخل علاقة تفرض عليه شكلًا معينًا من الوجود. لكن العرض لا يجمعهما من خلال تشابه مباشر في الحكاية، بل يترك لكل شخصية خصوصيتها ثم يضعهما جنبًا إلى جنب على الخشبة.
وجود خيطان _ أحدهما أحمر والآخر أزرق_ وكل واحد منهما مرتبط بكرسي وبجسد الشخصية التي تجلس عليه. في البداية يبدو الأمر بسيطًا جدًا لكن مع حركة الممثلتين يبدأ الخيط يأخذ مساحة أكبر من مجرد وجوده في السينوغرافيا.
في البداية نراهما تحاولان الابتعاد عنه وشده، لكن الخيط لا يخرج ولا ينقطع فالحركة نفسها تبدو كأنها محاولة للتخلص من شيء موجود بالفعل، لكن لا يمكن التخلص منه بهذه السهولة. فكأن الخيط يرمز إلى الأشياء التي تظل موجودة في حياة الإنسان حتى عندما يحاول الابتعاد عنها _علاقة، مسؤولية، عادة، خوف، أو حتى فكرة تربى عليها _ وظلت معه فترة طويلة.
واللافت أن الخيط لا يلتف حول الكرسي فقط، لكنه يصل إلى الجسد نفسه. فيدل على أن القيد هنا لا يبقى في المكان المحيط بالشخصية وإنما ينتقل إلى جسدها كأن الشيء الذي يضغط عليها لم يعد مجرد ظرف خارجي يمكن الابتعاد عنه، وإنما أصبح جزءًا من تجربتها الشخصية.
ومع حكاية سوزانا تحديدًا، يمكن أن يأخذ الخيط معنى آخر يتعلق بالمرأة وجسدها. رغبتها في أن تصبح أمًا، ورفض زوجها لذلك، تجعل فكرة الجسد والإنجاب حاضرة طوال الوقت، ولذلك يمكن قراءة التفاف الخيط حول منطقة البطن باعتباره إشارة إلى الرحم أو الأمومة أو الرغبة في الإنجاب. لكني لا أرى أن علينا حصر الخيط في هذا المعنى وحده؛ لأن العرض يعطي مساحة أكبر لفكرة الارتباط نفسها، وللأشياء التي تربط الإنسان بحياة أو علاقة حتى عندما يبدأ في الرغبة في الخروج منها.
الخيط في البداية تحاولان مقاومته، ثم يصبح وجوده شيئًا نراه ونعتاد عليه مثلما تعتاد الشخصية نفسها على ما يربطها. وبعد فترة، يختفي الخيط من أيديهما، لكن يظل موجودًا حول جسديهما. وهذه واحدة من أكثر لحظات العرض إثارة للاهتمام؛ لأن اختفاء الشيء الذي نحاول الإمساك به لا يعني بالضرورة أننا تخلصنا منه.كأن العرض يقول أن التحرر لا يحدث بمجرد أن يختفي القيد من أمام أعيننا. ربما يحتاج الإنسان إلى أن يكتشف أولًا أن ما كان يمسك به طوال الوقت لم يعد في يده، ثم يقرر بعد ذلك ماذا سيفعل بما بقي منه.
وبالنهاية تتمكن الشخصيتان أخيرًا من إزالة الخيط عن جسديهما، مختلفة تمامًا عن محاولاتهما الأولى. في البداية كان هناك شد ومقاومة، أما في النهاية فهناك فعل واضح تقومان به هما بأنفسهما. الفرق بين الحالتين صغير في الشكل، لكنه مهم في المعنى، ففي البداية تحاولان الهروب من الخيط، وفي النهاية تصبحان قادرتين على خلعه.
أداء الممثل:
نحن لا نرى ممثلتين تؤدي كل منهما شخصية واحدة طوال العرض، وإنما نرى جسدًا واحدًا قادرًا على حمل أكثر من شخصية، والانتقال بينها في لحظات قصيرة دون أن يفقد كل منها ملامحه الخاصة.وهذا التحول لا يعتمد على تغييرات في الملابس أو الشكل الخارجي، وإنما يحدث من خلال أدوات الممثل الأساسية: الصوت، وطريقة الكلام، والمشية، والوقفة، وتعبيرات الوجه، وطريقة استخدام الجسد داخل الفراغ المسرحي.
ويظهر ذلك بوضوح في شخصية جيان، التي تؤديها إحدى الممثلتين. فالممثلة هنا تؤدي رجلًا، لكن الأمر لا يتوقف عند تغيير الصوت أو المشية لتبدو الشخصية ذكورية، بل يتكون جيان من مجموعة من التفاصيل الصغيرة التي تجعل له حضورًا مستقلًا. فلا يبدو الانتقال بين الشخصيات مجرد استعراض لقدرة الممثلتين على تقليد أكثر من شخصية، فالتغيير يحدث داخل السياق نفسه، وبسرعة تجعل المتفرج يتعامل مع الشخصية الجديدة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحكاية.
وبالنسبة لقلة العناصر المحيطة بالممثلتين، أصبح من الصعب على العين أن تهرب من وجهيهما وأجسادهما وصوتهما.فالسينوغرافيا كانت جزء من طريقة الحكي. الخشبة لا تحاول أن تقلد حياة الشخصيات بشكل واقعي، بل تصنع مساحة مجردة بما يكفي لكي تتحول إلى أكثر من مكان، وفي الوقت نفسه محددة بما يكفي لكي تظل الأشياء القليلة الموجودة عليها حاضرة في وعينا طوال العرض.
وعلى عكس الأداء والسينوغرافيا، كان الصوت والموسيقى من العناصر التي لم أشعر أنها بنفس قوة باقي مكونات العرض. الموسيقى في البداية تحديدًا لم تكن أفضل اختيار بالنسبة لي والأهم أن هناك مشكلة تقنية ظهرت في صوت المسرح؛ صوت الموسيقى كان به مشكلة في بعض اللحظات، وهذا جعل البداية أقل سلاسة وأخرجني قليلًا من حالة التركيز التي كنت أدخل بها إلى العرض.
المشكلة هنا ليست أن اختيار الموسيقى نفسها كانت عنصرًا سيئًا، وإنما أن وجود مشكلة في الصوت _خصوصًا في بداية العرض_ جعلني أنتبه إلى الجانب التقني بدل أن أظل داخل عالم الشخصيات. وهذا النوع من العروض يعتمد بدرجة كبيرة على الحفاظ على تركيز المتفرج، لأن مساحة العرض بسيطة والأداء والحكي هما ما يحملان الجزء الأكبر من التجربة.وفي بداية العرض تحديدًا يكون المتفرج ما زال يحاول فهم الشخصيات وطريقة الحكي والعلاقة بين الممثلتين.
ولكن لم أشعر أن هذه المشكلة استمرت بالدرجة نفسها طوال التجربة، ولذلك لا أراها سببًا يطغى على العرض كله. هي بالنسبة لي نقطة أثرت على الاندماج في البداية ثم استطاع الأداء والحكايات أن يعيدا الانتباه إلى الخشبة مرة أخرى.
وضح العرض أن القيود الحقيقية ليست تلك التي تكبل الأطراف بالحديد، بل التي تتسلل ببطء إلى تفاصيل حياتنا، فنعتاد وجودها حتى نكاد نظن أنها جزء منا، يثبت العرض أن التحرر الحقيقي لا يبدأ باختفاء المؤثرات الخارجية، بل بلحظة وعي داخلية، وقرار هادئ بخلع ما تبقى من أثر تلك القيود عن الأجساد والأرواح. وحين تختفي الخيوط أخيرًا، تتركنا المسرحية مع سؤال معلق: متى نجرؤ نحن أيضًا على إزالة ما يربطنا لنعيش أخيرًا حياتنا كما نختارها لا كما تفرض علينا؟