إشكالية المسرح المحلى والممثلين المفصولين!

إشكالية المسرح المحلى والممثلين المفصولين!

العدد 996 صدر بتاريخ 28سبتمبر2026

بعد العروض التى قدمتها الفرقة القومية، أبدى بعض النقاد استياءهم من العروض المسرحية المعتمدة على النصوص الأجنبية المترجمة مطالبين بعروض مصرية لنصوص مؤلفة من قبل المصريين! وهذا الأمر طالب به ناقد مجلة «الدعاية» فى مقالته المنشورة فى منتصف مايو 1936 تحت عنوان «فرقتنا القومية»، قائلًا:
استبشرنا خيرًا لأن الفرقة افتتحت برواية مشهورة مصرية وهى «أهل الكهف»! ثم سارت الفرقة فى طريقها ومثلت حتى الآن نحو ثمانى روايات، وهذا شىء جميل ولكن هل يستطيع القارئ أن يخبرنى لماذا سُميت هذه الفرقة بفرقة التمثيل المصري؟ نعم.. سميت بهذا الاسم، لأن أعضاءها كلهم من القومية المصرية، ويجيدون اللغة المصرية، ويمثلون باللغة المصرية، فيجب أن لا يمثلوا إلا الروايات التى فى صميم الحياة المصرية! علا صوت الجمهور وألح فى طلب روايات مصرية أسوة بذلك الرجل العظيم الأستاذ «يوسف وهبي». وأخيرًا فكرت اللجنة فى عمل مسابقة للمؤلفين المصريين.. فكّر هؤلاء المؤلفون وكدحوا أفكارهم وذلك لإخراج درر نفيسة للمسرح المصرى وبعد ذلك قدموا رواياتهم للجنة، فماذا فعلت اللجنة؟ ألا يستطيع أحد أن يخبرنى ماذا فعلت اللجنة بتلك الروايات المصرية المقدمة من مؤلفين مصريين؟ نعم يمكننى أن أخبرك أنها أخذتها ثم وضعتها فى دوسيهات خاصة، ثم وضعت الدوسيهات فى أمكنة حصينة لا يمكن أن يدخلها الهواء.. لماذا؟ لأنها كانت ترمى بعملية المسابقة إلى أن توقف صراخ الجمهور الذى ألح فى طلب الروايات المصرية! ثم لماذا فضلت اللجنة الروايات الأجنبية المعربة عن الروايات المصرية؟ ألا يمكن أن تجيبنى اللجنة؟ أليست تلك الروايات أمثال «تاجر البندقية» و«أندروماك» وغيرهما هى بنفسها التى كنا نراها ويقوم بتمثيلها الشيخ سلامة حجازى وجورج أبيض من مدة عشرين سنة؟ حتى سأمها الجمهور؟ أليست هذه روايات تبحث فى الحياة الأجنبية؟ ويا ليتها تبحث فى عصرنا الحالى.. كلا.. وألف كلا، إنها لا تبحث إلا فى عصر شكسبير ومن جاء قبله وقبله وقبله! فيا وزارة المعارف ويا من ترأسون لجنة ترقية المسرح.. إنّا نضرع إليكم باسم الفن أولًا، وباسم الجمهور المتعطش، الجمهور الذى يريد أن يرى على المسرح أسماء محمد وإبراهيم بدلًا من جاك وأندروماك على الأقل، إنّا نريد روايات مصرية تبحث فى الحياة المصرية وتظهر محاسنها وعيوبها حتى نتمكن من النهوض!
هذه القضية أكدت عليها وأثارتها مجلة «الرسالة»، من خلال ناقدها الفنى الذى نشر مقالة عنوانها «الفرقة القومية المصرية والمسرح المحلي» قائلًا: تكونت الفرقة القومية المصرية، وعملت موسمًا متقطعًا على مسرح الأوبرا عرضت خلاله عدة روايات من روائع الأدب الغربي! على أن ما عرضته وإن كان جديرًا بالتقدير، لن يؤدى إلى الغاية المقصودة، فإن المسرح إذا عُنيّ بالترجمة والنقل فقط، لن يكون إلا صدى للمسارح الغربية، والحياة المصرية على تقدمها لن تشبه ولن تبلغ الحياة الغربية ومجتمعاتها وعاداتها.. حقًا إن الروايات المسرحية فى كل الأمم غربية أو شرقية ترمى إلى بذر الخير فى النفوس واقتلاع الشر من الرؤوس وتغذية القلوب بالعواطف النبيلة بتصوير المُثل العُليا وتمجيدها وتقويم المعوج من الأخلاق والعادات، كما تعنى بدقائق الحياة الداخلية ومشاكلها الاجتماعية والتجديد للمستقبل وتوجيه التطور إلى الناحية التى تجدى على الشعب والإنسانية، إلا أن التباين فى العادات يضعف أثر التمثيل فى نفوس النظارة، ولهذا فإن ما تبذله الحكومة من جهد ومال لن يكون له الأثر المنشود ما دامت الفرقة تعرض الروايات الغربية! نحن لا ننكر أن اللغة والأدب قد اكتسبا الكثير من نقل هذه الروايات إلى العربية، ولكن المسرح المحلى والاهتمام بتكوينه ليعالج مشاكلنا الاجتماعية، أهم لدينا من كل ما عداه! فالمسرح وهو فن من فنون الاجتماع، يجب أن يؤدى رسالته مستعينًا بالأدب، لا أن يكون أداة للغة فحسب. والمسرح وهو وسيلة من وسائل الإصلاح يجب ألا ترتفع لغته كثيرًا حتى يتفهمها الشعب، فالمسرح ليس للمثقفين وإنما هو للشعب أولًا، ولذلك فإن أكثر الروايات التى أخرجتها الفرقة القومية كانت عويصة على الجمهور مما أدى إلى عدم الإقبال المنتظر على حفلات الفرقة! ورب قائل يقول إن الفرقة لم تجد الروايات المحلية التى تتوفر فيها الشروط الفنية حتى تعرضها، ومعنى هذا أننا سنبقى الأعوام الطويلة ننقل عن الغرب روايات لا تتفق مع عاداتنا وأخلاقنا حتى يبعث الله لنا مؤلفًا عبقريًا موهوبًا يقدم للفرقة الروايات المحلية، ويؤمئذ، ويؤمئذ فقط، تقام دعائم المسرح المحلى! 
لا أظن أحدًا يرى هذا الرأى أو يقره.. إن واجب اللجنة التى تشرف على الفرقة القومية أن تشجع الأدباء والكُتّاب المسرحيين فتدرس رواياتهم وتنبههم إلى المآخذ لكى يعملوا على تلافيها، وإلى مواضع الضعف لكى يعملوا على تقويتها، ثم تخرج هذه الروايات بعد ذلك على المسرح. ويجب أن يكون لدى هذه اللجنة من الشجاعة ما يجعلها تغامر بإخراج الروايات العصرية ما دامت لها بعض المزايا الخاصة.. وإن التشجيع المادى والأدبى والمران لمن بين الأسباب التى تدفع الكُتّاب المسرحيين إلى أن يشقوا طريقهم نحو الكمال، وبهذا تكون الفرقة قد أدت رسالتها نحو خلق المسرح المحلى والأدب المصرى الحديث.. فهل تُعنى اللجنة والفرقة بهذا الاقتراح؟
هذا الموضوع جعل «الفرقة القومية» فى مواجهة تغييرات ومقترحات وأولويات، بدأت تتكشف مع تغيير الوزارة، حيث أشارت إليها جريدة «البلاغ» أواخر مايو 1936، قائلة: صدر القرار الوزارى باللائحة الأساسية للفرقة القومية وقد وافق عليه صاحب السعادة «محمد على علوبة باشا» قبل استقالة الوزارة السابقة، ثم وافق عليه صاحب المعالى «على زكى العرابى باشا» بعد توليه الوزارة وهو مكون من مادتين الأولى منهما ذكر فيها أنه يعمل باللائحة الأساسية الملحقة بالقرار، والمادة الثانية ذكر فيها أنه توضع للجنة ترقية التمثيل العربى لائحة داخلية. أما هذه اللائحة الأساسية فقد بينت فيها كل أعمال الفرقة القومية واختصاصات إدارتها واللجان الموجودة فيها ونذكر منها لجنتين جديدتين الأولى منهما خاصة بقراءة الروايات المقدمة للفرقة وهى مكونة من أربعة أعضاء ستختارها لجنة ترقية التمثيل بين أعضائها والثانية هى اللجنة الخاصة بتوزيع الأدوار وهى مكونة من ثلاثة أعضاء ستختارهم أيضًا لجنة الترقية من بين أعضائها. وقد ذكر فى هذه اللائحة كذلك تعيين مراقب للحسابات وقد نشرنا منذ أسبوع أن صاحب السعادة «حافظ عفيفى باشا» اختار صاحب السعادة «صادق حنين باشا» لهذا المنصب. وذكر فيها فصل خاص بترقية التمثيل وترقية الغناء وأعمال البعثات الحكومية الصيفية والدائمة التى ترسلها لجنة ترقية التمثيل إلى أوروبا من أعضاء الفرقة القومية. ولم يقرر إلى الأن إرسال أشخاص معينين إلى أوروبا فى هذا العام. وقد وزعت اللائحة الداخلية، أمس، على أعضاء لجنة ترقية التمثيل ليدونوا ملاحظاتهم عليها حتى يدلوا بها فى اجتماعهم الذى سيعقدونه مساء اليوم لتقريرها والمصادقة عليها تمهيدًا لرفعها إلى معالى وزير المعارف.
فى هذا التوقيت كانت الفرقة القومية تخطط لإعادة بعض عروضها، فأخبرتنا بذلك الجريدة، قائلة: وستمثل الفرقة القومية خمس حفلات ابتداء من يوم 27 مايو إلى أول يونيو فتمثل فى اليوم الأول وهو يوم الأربعاء 27 مايو رواية «نشيد الهوى» لحساب جمعية المواساة الخيرية، وستمثل يوم الخميس رواية «تاجر البندقية» لنقابة موظفى المصالح الأهلية وتمثل يوم الجمعة رواية «أهل الكهف» لملجأ الأيام القبطى، ثم رواية «السيد» لجمعية تولون ويعاد تمثيلها يوم السبت 21 مايو لحساب جمعية السلام القبطية، وفى النهاية تمثل الفرقة رواية «نشيد الهوى» لحساب ملجأ الحرية يوم الأحد أول يونيو. وستمثل الفرقة بعد ذلك ثلاث روايات أخرى هى روايات «الملك لير» و«مجرم» و«تلميذ الشيطان» وسيحضرها أعضاء لجنة ترقية التمثيل وحدهم، وسيحضرون كذلك تمثيل الروايات السابقة كلها ليروا كفاءة كل ممثل من ممثلى الفرقة! وهذا الاختبار شامل ستقرر بعده زيادة مرتبات الممثلين المجيدين وانقاص مرتبات البعض الذين لا تتناسب مرتباتهم العالية مع جهودهم الفنية ثم فصل الممثلين الذين لا يصلحون للعمل. ونحن نظن أن هذه الطريقة أسلم من الطريقة السابقة التى اتبعت فى فصل الممثلين ومع ذلك ففيها بعض النقص، لأنه كان يجب أن يشاهد أعضاء اللجنة تمثيل الممثلين فى أثناء الموسم ليكون الاختيار والحكم أكثر انطباقًا على الحقيقة أما أن تعمل حفلات خاصة للأعضاء فهو عمل بعيد عن الحكم الصحيح، لأنه يجب أن يكون الاتقان للجمهور نفسه أما أن تمثل الروايات أثناء الموسم بدون رقابة خاصة ثم تعمل بعد ذلك حفلات لأعضاء اللجنة فقط فنظن أن هذا عملًا بعيدًا عن الاختبار الصحيح!
تابعت جريدة «البلاغ» هذا الأمر، وبعد أسبوع نشرت مقالة حول امتحان ممثلى الفرقة وأيضًا حول الممثلين المفصولين! قالت فيها: اجتمعت لجنة ترقية المسرح يوم الأربعاء الماضى ونظرت فى اللائحة الداخلية الخاصة بالفرقة القومية فصادقت عليها وصدر بها قرار من معالى وزير المعارف وطبعت! وبذلك تكون شؤون الفرقة القومية الداخلية قد نظمت تنظمًا تامًا وعرفت لكل شخص سلطته وحدوده، ولكل هيئة عملها وجهودها.
وعن «امتحان الممثلين» قالت الجريدة: أصدرت لجنة ترقية التمثيل فى الاجتماع القرار الآتي: بعد أن انتهت المدة الاختبارية الأولى للفرقة القومية المصرية أن تجرى مسابقة للتصفية بين الممثلات والممثلين فى الأنواع الثلاثة - التراجيديا، الدراما، والكوميديا - وستحدد لهذه المسابقة جلسات بقدر الحاجة واللجنة تدع لكل ممثلة وممثل اختبار ما يلائمه من الأدوار فى أى نوع من هذه الأنواع. ويجوز له أن يجمع بين نوعين أو ثلاثة، ويشترط فى الدور الذى يمثله الشخص الواحد ألا يقل وقت أدائه عن ربع ساعة فعلى كل منهم أن يقدم لمدير الفرقة بيان ما يختاره سواء أكان دورًا أو أدوارًا فى ميعاد آخره الساعة الثانية عشرة من يوم السبت 23 مايو بمكتب الفرقة وسيعطى الممثلون والممثلات أسبوعًا يبتدئ من صباح الأحد 24 مايو للاستعداد ويسمح للأشخاص الذين كانوا أعضاء فى الفرقة وفصلوا منها ابتداء من مارس سنة 1936 أن يشتركوا فى هذه المسابقة! 
وهذا قرار موفق سديد من لجنة ترقية المسرح لأنه يهيئ لكل ممثلة وممثل الفرصة التى يراها كفيلة بإظهار مواهبه وإبداء جهوده الفنية التى تضمن له الاستمرار فى العمل ونصيبًا فى جهود الفرقة القومية وهو موفق فوق هذا لأنه وضع الممثلين والممثلات الذين فصلوا قبل ذلك من الفرقة فى مستوى واحد مع أعضائها فى هذا الامتحان أو هذه المسابقة وبذلك أتاح القرار لهم فرصة لإثبات مواهبهم وأعمالهم وجدد لهم الأمل فى العودة إلى حظيرة الفرقة فعلى كل شخص أن يقدم اختيار أى دور يمثله سواء أكان من الروايات التى مثلتها الفرقة فى هذا العام أو مثلها الشخص نفسه فى فرق أخرى قبل تأليف الفرقة القومية وهذا تسامح بيّن فى خلق الفرص للممثلين والممثلات لإثبات جدارتهم واستحقاقهم لما يتناولون من مرتبات. وقد أرسلت إدارة الفرقة القومية خطابات بمضمون هذا القرار إلى الممثلات والممثلين المفصولين فقدم بعضهم الأدوار التى اختارها فى الميعاد المحدد وهم الأساتذة: إبراهيم يونس، وإسکندر مسنى، وعبد المجيد شكرى، ومحمد يوسف. والسيدتان زوزو حمدى الحكيم، وسرينا إبراهيم. وقد لاحظ الأستاذ الكبير خليل مطران أن بعض هؤلاء المفصولين غائب عن مصر فى فرقة الأستاذ يوسف وهبى فرأى أن يعرض على لجنة ترقية المسرح اقتراحًا ما يحفظ حقون هؤلاء الأشخاص فى الدخول إلى المسابقة عند عودتهم إلى مصر، وينتظر أن توافق اللجنة فى اجتماعها القادم على هذا الاقتراح فتكون قد خطت خطوة جديدة للتساهل مع هؤلاء الممثلين وهى خطوة تذكر لها بالشكر والتقدير لأن هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى عطفها المتوالى. 
أما ممثلو الفرقة القومية فقد اغتبطوا لهذا القرار كل الاغتباط لأنهم اعتبروها أيضًا فرصة ذهبية لهم يظهر فيها كل منهم مواهبه وجدارته فلا تبقى بعد ذلك لأى ممثل شكوى بأن حقه مهضوم وأن إدارة الفرقة تعهد إليه بالأدوار البسيطة التى لا تناسب ومقدرته المعروفة. وقد قدموا جميعًا أدوارهم التى اختاروها لأداء الامتحان بها وسيبقى بعد ذلك أن تحدد لجنة ترقية المسرح الأيام التى يجرى فيها الامتحان.
اهتمت جريدة «البلاغ» بموضوع «امتحان الممثلين» وبدأت تتابعه وتنشر تفاصيله! ففى الأيام الأولى من شهر يونية 1936، نشرت خبرًا عنوانه «امتحان الممثلين فى الفرقة القومية»، قالت فيه: حددت لجنة ترقية المسرح المصرى ميعاد امتحان ممثلى الفرقة القومية والممثلين المفصولين وهو يوم الخميس 4 يونيو الساعة التاسعة مساء بدار الأوبرا الملكية، وسيبدأ الامتحان باختبار الأستاذ عبد الرحمن رشدى والسيدة فكتوريا موسى فى الفصل الثانى من رواية «تلميذ الشيطان»، لأن أعضاء اللجنة لم يكونوا قد رأوا هذين الممثلين فى رواية سابقة وسيشترك معهم الأستاذان أحمد علام، وفؤاد فهيم والآنسة زيزى عثمان. وبعد هذا الفصل تبدأ اللجنة فى امتحان الممثلات والممثلين فى التمثيل التراجيدى ثم تخصص بعد ذلك يومين آخرين أحدهما للتمثيل الدرامى والثانى للتمثيل الكوميدى. أما هذه اللجنة فمكونة من حضرات: حافظ عفيفى باشا، محمد العشماوى بك، الدكتور طه حسين بك، الشيخ مصطفى عبد الرازق، الأستاذ خليل ثابت، الأستاذ خليل مطران.


سيد علي إسماعيل