العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026
ندوة فكرية بمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى تبحث استراتيجيات بناء المتلقى.. من فضاءات «الصوارى» و«الطائف» إلى «Sleep No More» وتجارب المسرح العمانى.
ناقش المحور الفكرى للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، برئاسة الدكتور سامح مهران، خلال ندوة «التجريب واستراتيجيات بناء المتفرج المتحرر»، تحولات علاقة الجمهور بالعرض المسرحى، وانتقال المتلقى من موقع المشاهدة إلى المشاركة فى إنتاج المعنى.
أدار الندوة الكاتب والمخرج الفلسطينى غنام غنام، وعقّب عليها الفنان البحرينى يوسف الحمدان، بمشاركة د. أمنة الربيع من سلطنة عُمان، ود. حمادى الوهايبى من تونس، والباحثة والناقدة المصرية جهاد الدينارى، والمخرج والدراماتورجى السعودى فهد ردة الحارثى، إلى جانب تعقيب الدكتور سامح مهران.
علاقة العرض بالمفترج بين الإستراتجية والتكنيك
وأكد غنام أن بناء المتفرج لا يتشكل من عرض واحد، وإنما عبر تراكم خبرات المشاهدة، متسائلًا عن العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك فى بناء المتلقى، ومشيرًا إلى أن السؤال لا يخص المسرح التجريبى وحده، بل يمتد إلى طبيعة الفعل المسرحى نفسه: كيف يصنع العرض شروط تلقيه؟
الكاتب فهد ردة الحارثي: المكان والحواس أدوات لإعادة تشكيل المتلقى.
أكد الكاتب المسرحى فهد ردة الحارثى أن المتفرج انتقل فى المسرح المعاصر من المشاهدة السلبية إلى الشراكة فى إنتاج المعنى، نتيجة كسر الحواجز التقليدية بين الممثل والجمهور، والاستفادة من الفضاء والحواس والحالة النفسية للمتلقى وموقعه داخل العرض.
واستعرض تجربتى مسرح الصوارى فى البحرين ومسرح الطائف فى السعودية، موضحًا أن البحث فى المكان لم يكن مجرد اختيار فضاء مختلف، وإنما محاولة لاختبار علاقة المتلقى بالعرض.
وأشار إلى تجربة الصوارى، التى استفادت من الملاعب والصالات والأندية والبحر والبيوت الشعبية، وتحولت خلالها عناصر المكان، مثل الشجرة والنافذة والباب، إلى علامات مسرحية تستدعى ذاكرة الجمهور. كما تناول تجربة مسرح الطائف فى الانتقال بالعروض بين الخشبة والفضاءات المفتوحة والبيوت الشعبية ومعارض الفنون التشكيلية والمقاهى والفنادق، بهدف رصد اختلاف استجابة الجمهور باختلاف المكان والبيئة الاجتماعية.
وأشار إلى تجارب وظفت الحواس، ومنها الشم والتذوق، من خلال البخور والأطعمة الشعبية فى بعض عروض الأحساء، مؤكدًا أن المكان والحواس يمكن أن يتحولا من عناصر محيطة بالعرض إلى أدوات منتجة للمعنى
«Sleep No More» ..المتلقى يصنع مساره داخل العرض
وقدمت د. جهاد الدينارى تجربة «Sleep No More» نموذجًا لتحول المتلقى إلى مشارك فى بناء تجربته، موضحة أن العرض خرج من خشبة المسرح إلى فندق من خمسة طوابق، تجرى فى غرفه وطوابقه أحداث متعددة فى الوقت نفسه.
ويستند العرض إلى «ماكبث» لشكسبير، لكنه يعتمد أساسًا على الحركة والفضاء والعلامات البصرية والحسية، ويتيح للمتلقى اختيار المسار الذى يتبعه، بحيث يصنع كل متفرج نسخة مختلفة من التجربة. وأوضحت أن المتلقى يقوم هنا بوظيفة تشبه المونتاج، إذ يجمع الأحداث وفق اختياراته، كما تشارك حواس الشم والتذوق فى التجربة من خلال العطور والأطعمة والعناصر الموجودة داخل المكان.
وأكدت أن نجاح العرض واستمراره لسنوات طويلة يؤكد أن التجريب قادر على الوصول إلى جمهور واسع، وليس المتخصصين فقط.
د. آمنة الربيع: العرض يصنع شروط التلقى
وقدمت د. آمنة الربيع ورقة بعنوان «استراتيجيات بناء المتفرج: دراسة تطبيقية فى العروض العمانية»، اعتمدت فيها على ثلاثة عروض تجريبية عمانية، وانطلقت من مفاهيم نظرية التلقى، ومنها «أفق التوقع» لدى هانس روبرت ياوس و«القارئ الضمنى» لدى إيزر.
وحددت ثلاث استراتيجيات أساسية لبناء المتفرج: الفضاء المسرحى، وتوجيه الرؤية، وكسر أفق التوقع. ففى عرض «أكبر» لفرقة الشغف المسرحية، تأليف وإخراج وليد المغيزوى، يبدأ إشراك المتفرج قبل دخوله الصالة، من خلال استقبال اللاعبين له خارج المسرح، بما يزعزع الحدود بين زمن الاستقبال وزمن الأداء، وينقله تدريجيًا من متفرج واصل إلى مشارك ومنتج للمعنى.
وفى «وجوه» لفرقة الدن، تأليف آية السيابية وإخراج أسامة زايد، ركزت الربيع على توجيه الرؤية من خلال الأقنعة والعلامات البصرية والحركية، وصولًا إلى استخدام الدرون فى المشهد الأخير، بما نقل مركز الرؤية من الخشبة إلى فضاء العرض والصالة، وحوّل المتفرج رمزيًا من «الرائي» إلى «المراقَب».
أما «رماد» لفرقة الدن للثقافة والفن، تأليفًا وإخراجًا ودراماتورجًا لمحمد خلفان، فاعتمد على كسر أفق التوقع، من خلال الاقتصاد السينوغرافى وتحويل الطاولة إلى وظائف متعددة، إلى جانب استدعاء أسماء كتاب حقيقيين داخل العرض، بما يربك الحدود بين التخييل والواقع ويدفع المتلقى إلى إعادة التأويل. وخلصت الربيع إلى أن بناء المتفرج عملية دراماتورجية وجمالية تبدأ منذ تشكيل الفضاء، ولا تقتصر على رصد استجابته بعد العرض.
د. حمادى الوهايبى: المتلقى حاضر منذ لحظة صناعة العرض
وأكد د. حمادى الوهايبى أن المتلقى يمثل أحد قطبى العملية المسرحية، مستشهدًا بتجارب أرتو وجروتوفسكى وأريان منوشكين، ومشيرًا إلى أن بعض التجارب تجعل الجمهور حاضرًا فى العملية منذ دخوله إلى فضاء العرض.
وتحدث عن تجربتى «جويف» و«عطيل وبعد»، موضحًا أن العمل لديه يبدأ من أفكار أو أساطير وليس بالضرورة من نص مكتمل، ثم يتشكل من خلال عمل جماعى يشارك فيه الممثلون والمصممون، ليصبح هاجس التلقى حاضرًا داخل عملية الإبداع نفسها.
وفى «جويف»، الذى يتناول العلاقة بين اليهود والمسلمين فى تونس، أشار إلى اختلاف ردود فعل الجمهور، بين التأثر والرفض والقبول، مؤكدًا أن تنوع المتلقين يضع المخرج أمام سؤال العلاقة بين رؤيته والجمهور.
أما «عطيل وبعد»، فينطلق من مرحلة ما بعد «عطيل» لشكسبير، وهو ما دفعه إلى الرهان على المتلقى، حتى لو لم يكن قد قرأ النص الأصلى، كما قدم العمل فى فضاء مفتوح ثم داخل العلبة الإيطالية، لاختبار اختلاف شروط التلقى.
الفنان والمخرج يوسف الحمدان: نحتاج إلى توثيق التجارب العربية
وفى تعقيبه، طرح الفنان والمخرج يوسف الحمدان السؤال: «من يصنع هذا التلقى فى العمل؟ هل هو العرض أم المتلقي؟»، مؤكدًا أن دراسة التلقى تحتاج إلى اختبارات ودراسات متراكمة، وليس مجرد نقل العرض إلى فضاء مختلف أو ملاحظة ردود فعل الجمهور.
واستشهد بتجربة مسرح الصوارى ومسرحية «سكريات» لعبدالله السعداوى، وبمسرح الشارع، مؤكدًا أن هذه التجارب تضع العلاقة مع الجمهور فى قلب العملية.
ودعا إلى الاهتمام بالتجارب العربية التى اشتغلت على المتلقى والفضاء والتفاعل، بدل الاكتفاء بالاعتماد على النظريات العالمية، والعمل على توثيقها وصياغة معرفة عربية حول التلقى المسرحى.
د. سامح مهران: المتلقى والجسد فى قلب التحول المسرحى
وفى تعقيبه، أكد الدكتور سامح مهران رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى أن التحولات المسرحية لم تقتصر على شكل العرض، وإنما طالت الجسد وموقع المتلقى وطبيعة العلاقة بينهما.
وأوضح أن الجسد انتقل من كونه جسدًا سيميولوجيًا يحمل علامات قابلة للقراءة إلى جسد فيزيائى أكثر حضورًا وتعددًا، يحمل هويات مركبة، بالتوازى مع تحول المتفرج من موقع المتلقى التحليلى إلى طرف فاعل فى إنتاج المعنى.
وتوقف مهران عند مفهوم «البرادايم» وتحولاته، مشيرًا إلى أثر تجارب وممارسات ريتشارد ششنر فى إعادة التفكير فى حدود الحدث المسرحى، كما تناول مفهومى «النص الشفاف» و«النص الكثيف»؛ فالأول يمنح المتلقى ما يتوقعه، بينما يعمل الثانى على اختراق توقعاته وفتح المجال أمام إعادة التفكير والتأويل.
وأكد أن كسر المتوقع قد يقود إلى الصدمة، لكنه يفتح كذلك المجال أمام إعادة بناء علاقة المتلقى بالعرض، ليصبح التلقى نفسه جزءًا من التحول المسرحى. واختتمت الندوة بالتأكيد على أن المتفرج فى المسرح التجريبى لم يعد مجرد مستقبل لمعنى جاهز، وإنما أصبح شريكًا فى صناعة الحدث وإنتاج دلالاته، وأن السؤال لم يعد فقط: كيف تلقى المتفرج العرض؟ بل: كيف صنع العرض المتفرج الذى يشاهده؟