يتبع المسرح عموما نماذج العلوم والثقافة، وقد نظر عدد من الباحثين فى كيفية تأثير التحولات العلمية والتكنولوجية على فهمنا للمسرح والأداء. على سبيل المثال، يتناول فيليب أوسلاندر تأثير الوسائط الإلكترونية على فهمنا للحيوية والأصالة فى كتابه “الحيوية Liveness”()، ويدرس جون ماكنزى تأثير التقنيات الجديدة فى مجموعة من المجالات فى كتابه «الأداء أو غير ذلك perform or Else»(). أما الكتاب الأكثر صلة بمشروعى فهو كتاب جوزيف روتش الممتاز والقيّم «شغف الممثل: دراسات فى علم التمثيل The Player’s Passion: Studies in the Science of Acting»()، الذى يتتبع تأثير النماذج العلمية المتغيرة على فهمنا لعملية الممثل، ويأخذنا عبر وجهات نظر ميكانيكية وحيوية وبيولوجية ونفسية تتراوح من السلوكية إلى التحليلية النفسية، والتى كان لكل منها رواج فى عصرها، ولكنها تجاوزتها الموجة التالية من الأبحاث. ومن المثير للاهتمام، أنه بحلول الوقت الذى نُشر فيه عمل روتش، أولًا فى عام 1985 ثم فى عام 1993، كانت الأبحاث جارية فى العلوم الادراكية وعلم الأعصاب، والتى كانت تُشكك فى جوانب أساسية من الوعى، والإدراك، ووظائف الدماغ، مما يُعيد تعريف فهمنا لعملية الممثل. وينصب اهتمامى بشكل خاص على علم الأعصاب الادراكى، الذى ينظر إلى الأسس البيولوجية وعمليات الإدراك والسلوك؛ وتثير الاكتشافات فى هذه المجالات تساؤلات حول العناصر الأساسية للحدث المسرحى، من بينها طبيعة عملية الممثل فيما يتعلق بالشعور، والذاكرة، والخيال، والفعل، والعمل الثنائى، وطبيعة العلاقة بين المؤدى والجمهور.أبدأ حديثى من واقع التجربة ومن خلال القصص الشخصية. أريد أن أروى قصة. أريد أن أتحدث عن الفشل. فى مؤتمر الاتحاد الدولى لأبحاث المسرح فى صيف 2006 فى هلسنكى، قدمتُ ورقة بحثية حول كيف يمكن لعلم الأعصاب الإدراكى أن يُتيح لنا إعادة النظر فى موضوع المؤتمر حول طبيعة العلاقة بين العالمى والمحلى فيما يتعلق بالأداء. وكانت إحدى المشكلات الرئيسية فى الورقة البحثية هى محاولتى تغطية الكثير فى عشرين دقيقة؛ حاولتُ أن أكون عالميًة جدًا. لكن مشكلة رئيسية أخرى تتعلق بسوء الفهم (إذا أردتُ إلقاء المسئولية على الآخرين) أو بعدم الوضوح (إذا تحملتُ المسئولية بنفسى)؛ أعتقد أن كلا الأمرين كانا عاملين مؤثرين. بينما كانت هناك ردود فعل إيجابية فى النقاش كانت هناك بعض السلبيات الصارخة. بعد بضعة أسئلة بسيطة، بدأت امرأة من بين الحضور بالقول: «لا فائدة لى من علم الأعصاب»، ثم طرحت سؤالًا على أحد أعضاء اللجنة. بعد ذلك بوقت قصير، قالت المرأة الجالسة بجانبها: وأنا أيضًا لا أجد فائدة فى علم الأعصاب، ثم وجهت سؤالًا إلى العضو الآخر فى اللجنة. ثم بدأ أحد زملائى فى اللجنة بالرد على سؤال آخر، لا علاقة له ببحثى، قائلًا: “ويجب أن أقول إننى أيضًا لا أجد فائدة فى الحتمية البيولوجية”. ثم قال زميلى الآخر فى اللجنة، وهو يتحدث عما كان يحاول وضع نظرية بشأنه: «عملى يدور حول الذات والآخر كديناميكية، بينما يبدو أن عملك يقدم الذات ككيان موحد ومعزول ومستقر». عندما تحدثنا لاحقًا فى حفل استقبال، قال: «أنا أستعين بنظريات الفلاسفة القاريين، مثل لاكان وديريدا؛ على عكسك، لا أحب الفلاسفة الناطقين بالإنجليزية، مثل لوك وهيوم، كما تعلمى…». شعرتُ قليلًا كأنى أليس فى بلاد العجائب. أردتُ أن أسأل السيدتين، بما أنهما لا تُعيران اهتمامًا لعلم الأعصاب، وأفترض أنهما لا تُعيران اهتمامًا لعلم الأعصاب الإدراكى أيضًا، وهو ما كنتُ أستند إليه، إن كان لديهما أى فائدة من الدماغ – والأهم من ذلك، ما الذى كانتا تأملان تحقيقه بإغلاق باب النقاش. وأردتُ أن أسأل زميلى الأول إن كان يعتقد أنه سمع فعلًا عبارة “الحتمية البيولوجية” تخرج من فمى، ناهيك عن سماعها بشكل إيجابى، وزميلى الآخر إن كان يستمع عندما كنتُ أتحدث عن احتمالية علم الأحياء وكيف يتشكل الأساس البيولوجى للذات بقوة من خلال تفاعلاتنا مع البيئة، والتى تشمل الثقافة ومع بعضنا البعض، وإن كان يعتقد حقًا أنه سمعنى أتحدث عن فلاسفة إنجليز من القرن الثامن عشر (لم أفعل، مع أنه قد يكون من المثير للاهتمام التفكير فى المسار التاريخى لهذه القضايا فيما يتعلق بدراسات الوعى، وهو ليس ما كنتُ أناقشه).إلى جانب عجزى عن التعبير بوضوح، أعتقد أن وراء هذه اللقاءات ما يلي:عدد من المخاوف، ربما بما فى ذلك نوع معين من التحيز المناهض للعلم الذى تسميه عالمة الأعصاب الإدراكية النسوية إليزابيث ويلسون “الجوهرية المناهضة للجوهرية” الجوهرية لبعض النظريات ما بعد الحداثية التى ترفض العلم لأنه يجب فى الواقع أن يكون غير مؤطر اجتماعيًا بشكل كافٍ ويعتمد بشكل غير نقدى على الملاحظة المادية غير السياقية - وهو عكس انتقادات بعض العلماء لتخصصات أخرى تركز على الجانب النظرى أو المجرد فى تناقض مع الأدلة المادية.() هناك مخاوف بشأن فقدان السلطة، وفقدان المكانة، وشعور بعدم الأمان حيال إدراك أننا لا نعرف ما كنا نظن أننا نعرفه، ومخاوف من أن تفسيراتنا لأحداث أو مواقف معينة قد تحتاج إلى إعادة نظر، وأحيانًا بشكل جذرى، بناءً على معلومات جديدة. ولعلّ أحد أهمّ المخاوف يتعلّق بالتحديات التى تطرحها علوم الدماغ والإدراك على تعريفات الهوية والذات، انطلاقًا من سوء فهم فادح مفاده أن العلم يقودنا حتمًا إلى تعريف مادى مفرط ومُحدّد بشكل مُفرط للإنسان، أى أنه سيكون هناك فى نهاية المطاف ليس فقط تفسيرا، بل صيغةٌ، لتفسير كل شعورٍ وفكرةٍ وفعلٍ لدينا، والسيطرة عليه فى نهاية المطاف، مما يسلبنا فرديتنا وحريتنا، لأننا لسنا أكثر من عملياتٍ فيسيولوجيةٍ وكيميائيةٍ كهربائية. ويكمن الخوف فى أن العلم سيسلبنا الجزء الذى يملك حرية الاختيار، والذى يُبدع الفن، والذى يجعل الديمقراطية ممكنة. ربما تكون هذه هى النقطة التى تنشأ عندها المخاوف بشأن نهاية المسرح، وربما حتى نهاية الإنسانية، لعدم وجود طريقةٍ أفضل للتعبير عنها. من المثير للاهتمام أن العلم، من خلال اكتشاف المزيد عن الوظائف المادية التى تدعم الوعى، يؤكد بشكل متزايد تعقيد العمليات العاطفية والمعرفية والسلوكية وارتباطها بالظروف، والتى يمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا بناءً على الفرد المحدد وظروفه. أكرر: العلم، من خلال اكتشاف المزيد عن الوظائف المادية التى تدعم الوعى، يؤكد بشكل متزايد تعقيد تلك العمليات وارتباطها بالظروف. لا ينتقص العلم من “الإنسان”، وبالتالى من المسرح والأداء؛ بل يوفر أدوات للتفاعل معهما بشكل أوثق. أيضًا، يختلف العلماء حول عملهم بنفس حدة اختلافنا حول عملنا؛ فكما هو الحال فى مجالاتنا، هناك بحث، وهناك جدل، وهناك المزيد من البحث، وهناك المزيد من الجدل، والأمور تتغير. يمكننى أيضًا أن أقول إن سرعة التغيير الجوهرى فى علوم الأعصاب المعرفية تتجاوز بسهولة تلك الموجودة فى مجالاتنا، مما يجعل من الصعب على الأفراد داخل تلك التخصصات مواكبة التطورات، ويجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لنا نحن الذين نستخدم نتائج تلك التخصصات. يمكن إساءة استخدام كل من نظرية العلم ونظرية الأداء، على سبيل المثال، من قبل السياسيين الذين يشوهون نتائج البحث العلمى لأغراض سياسية أو الذين يستخدمون أدوات الخطابة والأداء للتلاعب بالمواطنين، لكن هذا لا ينفى استخدامات نظرية العلم ونظرية الأداء، ولا حقيقة أن التمثيل الأدائى والعلمى،والنماذج، والمعرفة الصلبة والناعمة تُشكل وتُؤطر، وأحيانًا تُحد من طريقة تفكيرنا. والآن، بعض العلوم. وأريد التركيز على جانب محدد من البحث فى الأنظمة العصبية المتعلقة بالمحاكاة والتقليد. فلهذا البحث آثار على المسرح والأداء، لاسيما فيما يتعلق بفهم التقليد والتعاطف والقصد والروابط ليس فقط داخل أدمغتنا، بل فيما بينها. على الرغم من اختلاف العلماء حول الطبيعة الدقيقة لبعض العمليات التى سأصفها، إلا أن هناك اتفاقًا على أن أدمغتنا متصلة بوظائف المحاكاة العصبية بطرق تؤثر بشكل كبير على التعلم والعلاقات الاجتماعية، وبالتالى على الفن. ولا أدعى أننى خبيرة فى الأمور العلمية؛ فهدفى هو استخدام العلم بشكل أفضل لفهم ما يحدث فى الاستوديو أو أثناء الأداء.فى عام 1996، نشر إياكومو ريسولاتى وزملاؤه فى جامعة بارما نتائجهم التى تفيد بأن أدمغة القرود تحتوى على فئة خاصة من الخلايا العصبية:تستجيب هذه الخلايا العصبية لنوع معين من الإيماءات، بغض النظر عمن يقوم بها سواء كان القرد الذى يتم تسجيل نشاط دماغه أو قردًا آخر. فإذا مدّ القرد الذى يتم تسجيل نشاطه يديه ليلتقط عنبة، فإن مناطق فى فصوصه الأمامية تنشط. وإذا مدّ قرد آخر، أو حتى إنسان، يده ليلتقط العنب، فإن خلايا القرد الذى يراقب الفعل تنشط أيضًا.باختصار، تعكس هذه الخلايا العصبية أنشطة الذات وأنشطة الآخرين الموجهة نحو الهدف نفسه.()من منظور الخلايا العصبية المرآتية، أو ما يُعرف بـ”الخلايا العصبية التى تُحاكى ما يراه القرد”، تُعدّ مشاهدة شىء ما بمثابة القيام به، إذ تنشط الخلية العصبية نفسها. وقد اكتشف ريسولاتى وآخرون أن أدمغة البشر تحتوى على عدد من أنظمة الخلايا العصبية المرآتية، بالإضافة إلى أنظمة الخلايا العصبية المُحاكاة، التى تُمكّننا من فهم «ليس فقط أفعال الآخرين، بل نواياهم، والمعنى الاجتماعى لسلوكهم وعواطفهم». () وهذا لا يعنى أن أدمغة الذى يفعل والذى يراقب متطابقة تمامًا فى لحظة الفعل، بل يعنى أن أنظمة المحاكاة والتقليد المُحددة هى المتطابقة؛ فهناك مجموعات أخرى كاملة من الخلايا العصبية تنشط فى دماغ الفاعل،وهى التى تُميّزه عن المراقب. (هناك خلاف حول الوظيفة الدقيقة للخلايا العصبية المرآتية الحركية وعلاقتها بالوظائف غير الحركية مثل التعاطف و”قراءة” القصد، لكن هذا يحفز أبحاثًا مكثفة حول هذه الأنواع وغيرها من الخلايا العصبية المشاركة فى المحاكاة والتى يبدو أنها تسمح لنا بالتواصل مع الآخرين). وكما يقول ريسولاتي: “تسمح لنا الخلايا العصبية المرآتية بفهم عقول الآخرين ليس من خلال التفكير المفاهيمى، بل من خلال المحاكاة المباشرة. عن طريق الشعور، لا عن طريق التفكير.”() خلاصة القول هى أن هذه الأنظمة العصبية تربطنا ببعضنا البعض بطرق ملموسة لم تكن معروفة من قبل. يفترض بعض العلماء الآن أن الخلايا العصبية المرآتية تجعل التقليد، وبالتالى اللغة والثقافة، ممكنًا؛ وهذه لن تكون موجودة بدون الخلايا العصبية المرآتية. اذ نتعلم من خلال النظر والتقليد، فعلى سبيل المثال، يقلد الرضيع أحد والديه وهو يخرج لسانه أو يصدر أصواتًا أثناء نموه. لهذه الاكتشافات آثار محددة على الممثلين، الذين قد يكون التقليد بالنسبة لهم فى صميم الإبداع. وبالنسبة للجمهور، إذا فهمنا أن أدمغتهم تضيء بشكل مماثل لأدمغتنا فى بعض الجوانب كما نفعل على خشبة المسرح. يُقدّم هذا البحث منظورًا جديدًا للنظر إلى المفاهيم السابقة حول المسرح والأداء. تكتسب طبيعة النقاشات بين أفلاطون وأرسطو بشأن قوة المحاكاة والمشاهدة أهميةً مُتجددة، من حيث تحذيرات أفلاطون بشأن “استيعاب حقيقة” الأشياء المُقلّدة وقوة المشاهدة، ودفاع أرسطو عن المحاكاة باعتبارها طبيعية وممتعة وضرورية للتعلم. فى الواقع، يُقدّم بحث الخلايا العصبية المرآتية دعمًا لكلا الرأيين، مُقرًّا بأننا، بطريقةٍ ما على الأقل، مُرتبطون عصبيًا بتجسيد ما نشاهده. تُشكّل هذه الأنظمة العصبية جانبًا آخر من جوانب الأساس العضوى للمحاكاة، مُقدّمةً طريقةً أخرى لفهم قوة المحاكاة، والتعاطف، والتماهى. يُوفّر هذا البحث أساسًا لجولةٍ جديدة من البحث حول قوة المحاكاة وتأثيرها، لا سيما فيما يتعلق بالأنماط العصبية والتعزيز. مع ذلك، سيكون من الخطأ استخدام هذا البحث بشكل أخلاقى (أو أفلاطوني؟)، نظرًا لتعقيد العمليات وطبيعة التفاعلات بين الفرد وبيئته. فبدلًا من أن يدفعنا هذا البحث نحو نهاية المسرح، فإنه يدعونا إلى فهم أن مصادر قوته متأصلة ومتجسدة فينا ربما بشكل أعمق مما كنا نتصور، وأن الأسئلة الجوهرية التى طرحها أول اثنين من منظرى المسرح الغربى لا تزال دون إجابة كاملة. وبالانتقال إلى زمن أقرب إلى أنفسنا، فإن مناقشة ديدرو لتفوق الممثل الذى لا يشعر تتطلب إعادة نظر، إذ يبدو الآن أن جوانب التعاطف والمحاكاة أساسية فى الانعكاس العصبى، وأن جوانب التقليد لا تنفصل عن الشعور. ثمة أدلة إضافية تدعو إلى التخلى عن المواقف القطبية التى اتخذها دومسنيل وكليرون («الشعور» مقابل «العقل»)، وعن ثنائية الفعل البالية «من الداخل إلى الخارج» مقابل «من الخارج إلى الداخل»، أى بين ما هو نفسى داخلى/خاص، وما هو تقنى خارجى/ملاحظة. فالوظائف العصبية والمعرفية هى فى جوهرها علاقاتية، تتعلق بعلاقتنا بالبيئة، وببعضنا البعض. هل ما زال بإمكاننا القول بوجود خط فاصل واضح بين ذواتنا والآخر، إذا كان عقلى ينشط بشكل مطابق لعقلك فى بعض الجوانب عندما تحرك يدك لتلتقط شيئًا ما؟ فما هى فى الواقع الحدود بين مشاعرك ومشاعرى، وبين أفعالك وأفعالي؟ من حيث التطبيقات العملية المباشرة للممثل، فإن استخدام الأبحاث على المستوى العصبى محدود؛ إذ لا يمكننا العمل مع الممثل على المستوى العصبى - حتى الآن. لكنها تفتح آفاقًا جديدة للتفكير فى قضايا قديمة. يؤكد ريزولاتى وآخرون أن الآليات العصبية، بما فى ذلك الخلايا العصبية المرآتية، “تسمح لنا بفهم معنى أفعال ومشاعر الآخرين [الذين نراقبهم] بشكل مباشر من خلال محاكاتها داخليًا دون أى وساطة انعكاسية صريحة”، أى أن التفكير الواعى غير متضمن.() تسمح لنا آليات المحاكاة هذه “بربط ‘أنا أفعل وأنا أشعر’ بـ ‘هو يفعل وهو يشعر’” بشكل مباشر، وتوفر لنا الأساس لنكون قادرين على العمل اجتماعيًا، أى فى علاقة مع الآخرين. من خلال المحاكاة العصبية، “يصبح جزء من نظام المحاكاة لدينا نشطًا كما لو كنا ننفذ نفس الفعل الذى نشاهده.”() وهذا يتردد صداه مباشرة مع “لو” ستانيسلافسكى بالنسبة للممثل، على الرغم من أننا لسنا نشطين جسديًا، ويمكن استخدامه كحجة إضافية لتحدى الممثل لتوسيع تجربته - فى الحياة، من حيث استيعاب أكبر قدر ممكن من خلال التفاعل مع الآخرين، وفى الفن، من حيث مشاهدة أكبر عدد ممكن من العروض الرائعة والمبتكرة، أى تفعيل أنظمة المحاكاة والانعكاس. من بين أمور أخرى، تسمح لنا بعض أنظمة الانعكاس العصبى بفهم نوايا الشخص الذى نراقبه، أى أننا لا نختبر فقط ما يفعله، بل إلى حد ما ما يريده، “لماذا” الفعل”() – ما يسميه الممثلون بالدافع. يختلف العلماء حول مدى انخراط نظام الخلايا العصبية المرآتية الحركية فى الإدراك الاجتماعى (انظر على وجه الخصوص جاكوب وجينرود، “النظرية الحركية”، وسيبرا، “الخلايا العصبية المرآتية”)،() أى مدى دقة تسمية الخلايا العصبية المرآتية بـ”خلايا التعاطف” أو “خلايا الدالاى لاما”، كما فعل البعض. على سبيل المثال، بينما يجادل ريسولاتى وآخرون بأن آلية المحاكاة «تُشارك أيضًا فى قدرتنا على فهم وتجربة الحالات العاطفية للآخرين”، كما يتضح من بحثهم حول التأثيرات العصبية لملاحظة تعابير الوجه التى تدل على الاشمئزاز،() يفترض ألفين جولدمان وجود ثلاثة أنواع من الآليات التى تدعم المحاكاة والتقليد: آليات المحاكاة الحركية، وآليات المحاكاة العامة، وآليات التقليد التى تعمل جزئيًا على مستوى الوعى()؛ إذ توفر هذه الأخيرة روابط بين مستويات ما قبل الوعى والوعى، مما يجعلها، كما يرى جولدمان، «أكثر جدوى كأساس موحد للإدراك الاجتماعى». على أى حال، نعلم أن الكثير من هذا - سواء صُنِّف على أنه محاكاة أو تقليد - يحدث تلقائيًا، أى فى مرحلة ما قبل الوعى.يرتبط هذا العمل بأبحاث حول ظواهر نفسية فيزيائية أخرى، مثل: بحث بول إيكمان حول العلاقة بين تعابير الوجه والشعور،() وبحث سوزانا بلوخ حول العلاقة بين وضعية الجسم وأنماط التنفس والعاطفة، من خلال تقنية ألبا للتعبير عن المشاعر للممثلين، () وبحث أنطونيو داماسيو، من بين أمور أخرى،حول حالات الجسم “كما لو” والعاطفة، حيث يؤدى تخيل موقف ما إلى محاكاة الجسم لفسيولوجيا التواجد فى الموقف الفعلى. () ومع ذلك، يتجاوز البحث فى المحاكاة والتقليد ذلك. عند تعريف بنى الدماغ “التى تنشط أثناء تجربة الأفعال والمشاعر من منظور الشخص الأول والثالث على حد سواء”، أى “أنا أفعل/أشعر” و”هو يفعل/يشعر”، يتم إنشاء جسر مادى أساسى، وليس مجرد جسر “نفسي”، “بين الآخرين وأنفسنا”.() ما يفترضه هذا التعريف هو “رنين مباشر”، “فهم تجريبى مباشر مشترك” بين الأفراد: “من خلال حالة عصبية مشتركة تتحقق فى جسدين مختلفين يخضعان مع ذلك لنفس القواعد المورفولوجية والوظيفية، يصبح “الآخر الموضوعي” “ذات أخرى”.() يمكن تسمية هذه التعريفات بتعريفات التعاطف، وهى تُتيح لنا فهم بعض الآليات المختلفة التى نتماهى من خلالها مع “الآخرين” ونتواصل معهم. فى الواقع، أظهرت الأبحاث أن غياب أو خلل فى عمل الخلايا العصبية المرآتية يُعدّ سمة مميزة للأفراد المصابين بالتوحد، الذين لا يستطيعون التواصل اجتماعيًا أو تعاطفيًا. كما يدرس العلماء التنبؤ وما يسمونه «قراءة العقول» (أى قراءة حالة أو نية شخص آخر) فيما يتعلق بأنظمة المحاكاة والتقليد. يفترض جيرجيلى سيبرا أن الخلايا العصبية المرآتية «تشارك فى التنبؤ أو التوقع للأفعال اللاحقة - بدلًا من محاكاة الأفعال المتزامنة - للفرد المُلاحَظ»،() مما قد يجعل تسميتها بـ«الخلايا العصبية المُتنبئة» أكثر دقة. من المرجح أن هذه الوظائف تدعم بعضًا من أبسط تمارين التمثيل، مثل تمرين المرآة الذى نمارسه جميعًا فى دروس التمثيل للمبتدئين وتمرين التكرار لمايزنر، ويمكن أن توفر، على سبيل المثال، طرقًا جديدة للتفكير فى مشكلة توقع الممثل. وتحدث تطورات شبه يومية لها آثار عميقة على كيفية فهمنا لأنفسنا. نحن مترابطون بطرق لا يمكننا تصورها بعد، تسمح لنا بتقليد بعضنا البعض، والتعاطف مع بعضنا البعض، والتحدث مع بعضنا البعض، وتقديم عروض مشتركة، لأن أدمغتنا تنشط بعضها البعض حرفيًا بطرق تعكس بعضها البعض. فما هى إذن طبيعة الحدود بيننا وبين الآخرين، بين التجربة والخيال، بين الفعل والعاطفة، عندما تُشعل مشاهدة أفعال شخص آخر نفس مجموعة الخلايا العصبية فى رؤوسنا التى تُشعلها تلك التى يُشعلها الشخص الذى يقوم بالفعل؟ يجب أن نكون منفتحين على استخدام العلم فى الفن فى هذا الوقت الذى يُقاوم فيه العلم وتطبيقه الدقيق سياسيًا وثقافيًا من قِبل الكثيرين فى الولايات المتحدة. من واجبنا أن نرى ونحتضن تلك الأشياء التى تُشكّل الطبيعة بأكبر قدر ممكن من الصدق والشفافية. ولعلنا نستفيد أكثر من أن نقتدى بشكسبير:لا تكن متساهلًا أكثر من اللازم، بل اجعل حكمتك مرشدك: اجعل الفعل متوافقًا مع القول، والقول متوافقًا مع الفعل؛ مع مراعاة خاصة ألا تتجاوز حدود الطبيعة؛ فإن أى مبالغة فى ذلك تُخرج عن غاية اللعب، التى كانت غايتها، فى البداية والآن، ولا تزال، أن تعكس الطبيعة كما لو كانت مرآة؛ أن تُظهر الفضيلة ملامحها، وأن تحتقر صورتها، وأن تُظهر العصر وجسده هيئته وضغطه. () جزء من هذه الطبيعة هو أننا كائنات بيولوجية واعية. نحن مقيدون بعمليات عضوية تتكشف بطرق محددة، ونسترشد بعمليات ثقافية تتفاعل بشكل مشروط لتوجيه وتشكيل تلك العمليات البيولوجية. جزء من طبيعة عصرنا وضغوطه هو التأثير المتغير باستمرار للعلم على حياتنا. فمع ازدياد قدرة العلم وحتمية على تمكيننا من تشكيل الجوانب البيولوجية والتحكم بها، قد نضطر إلى التخلى عن بعض التعريفات المريحة لما يعنيه أن تكون ممثلًا أو متفرجًا، أو ما هو الشعور أو الذاكرة أو الفكرة أو الفعل، أو حتى ما هو المسرح. نحتاج إلى إعادة تصور، ولو بشكل طفيف فى الوقت الراهن، لتعريفاتنا للعلاقة بين «أنت» و«أنا». نحتاج إلى إعادة تصور الاختلاف. أملى هو أن يحررنا هذا لنكون أكثر حساسية ودقة فى فهمنا للممثل والمتفرج، وللشعور والذاكرة والفعل، وفى طريقة صنعنا للمسرح وتفكيرنا فيه.• روندا بلير أستاذة مسرح فى جامعة ساوثرن ميثوديست. شاركت فى التمثيل والإخراج فى أكثر من 60 عملًا مسرحيًا، وهى محررة مشاركة فى كتاب «وجهات نظر فى تدريس المسرح». نُشرت مقالاتها حول التمثيل والإخراج والدراماتورجيا والترجمة فى كتبٍ منها: «الأداء والإدراك: دراسات المسرح والتحول المعرفى»؛ «المرأة فى المسرح الأمريكى»؛ “تجاوز دور الأب الكبير: إخراج المسرح كما لو أن العرق والجنس مهمان؛ إعادة النظر فى التمثيل المنهجى؛ «تينيسى ويليامز: دراسة حالة»؛ «مواضيع مسرحية»؛ و«التحولات: مجلة الكليات الخمس للترجمة الأدبية»، وغيرها.