ربما لا تصدق مقولة “لا أحد ينزل النهر نفسه مرتين” للفيلسوف اليونانى هيراقليطس، كما تصدق على خشبة المسرح، فالممثل ليس هو نفسه كل ليلة، مهما بدا غير ذلك للمشاهدين لكنه ــ كل ليلة جديدة بنشوة الأداء وروعة الفن ــ يكون إنسانًا آخر، كل ليلة يحلق أكثر ويسمو أكثر، ويحلق معه المشاهدون، ذلك ما حدث بمسرح السلام بقاعة يوسف إدريس، مسرح الغرفة الذى يتحول المشاهدون فيه إلى مشاركين حقيقيين فى العرض، إنها لحظات من السمو الخالص حينما تجد نفسك وجهًا لوجه مع نفسك عبد القادر (إيهاب محفوظ)، ذلك الرجل العادى فى كل شيء، إنه رجل مستغرق فى العادية، رجل لا كاريزما له غير الكاريزما الشعبية إن صح التعبير، رجل له صلعة مثلنا، لكنها ليست صلعة يول برانير مثلًا، والبدلة المصرية الصيفية ذات الطراز القديم، بدلة أبو حفيظة، كل هذه المواصفات التى مثلت البطل الشعبى، البطل الأكثر مصداقية وتعبيرًا، لكنه رغم هذه العادية وربما بسببها يأخدنا من الطلة الأولى، إنه لا يمثل بل يعيش الحالة بكل كيانه، حين يضحك ضحكة الرجل الطفل يضحك كل وجهه، وحين يخاف زوجته (كلنا نخاف زوجاتنا) تدور عيناه الخزريتان وينتفض جسمه كله، يكاد يقفز من الأرض وحين يعترف لها بحبه وعجزه عن الإفصاح، تلك ثقافة الرجل الشرقى من الوجه البحرى حتى الوجه القبلى، ما زال الرجل يتحرج إن لم يعتبره عيبًا أو ضعفًا أن يقول لامراته إنه يحبها، ذلك عبد القادر إيهاب محفوظ وليست نورا أمنية حسن إلا فرس الرهان الآخر تلك النحيلة ذات الوجه الحاد الملامح التى تفاجئنا بكل لفتة وكل حركة إنها معجونة بالفن تمتلك صوتا ملائكيا يأخذك بعيدا حين تسمعه، والأجمل فى الثنائى إيهاب وأمنية أنهما صيدلى وطبيبة، ولا يقل عبد الله صابر وطارق راغب عنهما. نعود إلى عبد القادر، إنه أنا وأنت وهو، حين يدخل بيته ومعه ممثل مغمور عمرو شريف(عبد الله صابر) لمجرد أنه سمعه فى مكالمة تلفونية يقول إنه ممثل، ولأن زوجة عبد القادر نورا(أمنية حسن) تحب الممثلين، وهى على وشك إجراء عملية قلب ولا يعرف هل تعيش أم لا، ليدور العرض بنعومة لتكشف القصة فى النهاية مأساتنا جميعًا، فى مشاهد غاية فى الرقة والحميمية لدرجة أنها أبكتنا، ونحن نشاهدها، أقول إنها مشاهد الاعترافات، اعتراف بالحب بين عبد القادر، نجم شباك (المترو) ونورا زوجته ربة البيت، إنه الحب الصامت، الحب الحقيقى فعلًا، لكنه وربما لأنه حقيقى لا يُعبر عنه بالكلام، إنما بالصمت، بالفعل، بالنظرات، فلا وقت لدى عبد القادر ـ لاحظ مفارقة الاسم ــ ليتكلم فهو مسحوق من أجل الكفاف، وترك مكرها نورا ـ أنتِ وهى وهنَّ ــ لتعيش حياتها مع الأفلام والأغانى، نوعًا من التعويض عن احتياجات طبيعية لا تتوافر بفعل القهر واللصوصية وأمركة العالم وصهينته، بفعل استلاب إنسانية الإنسان، تمثل نورا ما تتمنى وتحيط نفسها بصور المشاهير، تعيش حياتها فى الخيال حياة افتراضية لأنها لم تجدها فى الواقع حتى يصاب القلب، وتحتاج عملية ، ولكى يبرهن الزوج لها عن حبه، يحضر هذا الممثل العابر الذى دخل شفقة عليها، لكننا عبر ساعة واثنتى عشرة دقيقة، نتعرف الحكاية كلها الممثل عمرو شريف (عبدالله صابر) ليس نجمًا، إنه مطحون أو مسحول بلغة العصر رغم موهبته لأنه بلا واسطة، وليس له مواصفات خاصة يطلبها المنتجون أصحاب دكاكين الإنتاج، ونعرف عبر اختيار الأغانى وشخصيات معينة فى مشاهد خاصة عاشها الثلاثة عبد القادر ونورا وعمرو شريف فى تمثيل حقيقى وغناء، حلقت بنا نورا (أمنية حسن)، نعرف أن الممثل عمرو شريف ليس مشهورًا وأنه لم يدخل مع عبد القادر شفقة، إنما دخل لأنه مثلنا جميعًا يريد من يطبطب عليه، من حقه أن يسمع كلمة حلوة كلمة تشجيع، تلك هى المكافأة الحقيقية لأى مبدع، تلك النشوى التى تجعله يستمر بشغف، يذهب المال والجاه والشهرة إلى الجحيم وتظل نشوة الإبداع وقودًا يُسكر المبدع بخمر الإبداع ويجلو إنسانيته فى أوج كمالها، ليدخل عامل التوصيل ومعه كعكة الاحتفال بميلاد نورا، يتعجب الزوج فإنه لم يطلب، يزول العجب عندما نعرف أن الذى طلب هو الممثل المغمور ورغم قصر دور عامل التوصيل (طارق راغب) فإنه أبهرنا وخطفنا، فكما يقول عبد القادر فى لازمته (مفيش دور صغير ودور كبير) أيضا يقول (مفش موظف صغير وموظف كبير) الأولى صادقة فى المسرح والحياة، أما الثانية فى كذبة فى الحياة، وتستمر المبارة صعودًا وهبوطًا تمثيلًا وغناء، ليعترف كل ممثل بمكنون أو زبدة دوره، تحلق الموسيقى والإضاء فتتوهج القاعة لتهبطا بهدوء وترقا وتشفا حين يصل الاعتراف إلى لب الشخصية، لنفاجأ مرة أخرى بعامل التوصيل يدخل ومعه كعكة أخرى طلبتها نورا (حتى لا يكون شكلك وحش أمام الممثل) إنها تحب عبد القادر، رغم أنه ليس رشدى أباظة ولا عمر الشريف، لكنه رجل حياتها كما أنها امرأة حياته.المسرحية ممتعة، لا أحب استعمال كلمة (عرض) حيث بدت القاعة ممتلئة، كلنا كنا مشاركين، حيث قدم المسرحية الأستاذ محسن منصور، بحفة دم مصرية أصيلة، مُرحِبًا بالجميع بدعابة أضحكتنا، وغيرت الفكرة السائدة فى أدواره السينمائية، ولعلها فرصة ندعوه أن يخرج من أدوار الشر وهى سهلة إلى الأدوار الإنسانية والمبهجة الأكثر تركيبًا، أعتقد أنه الآن يستطيع الاختيار دونما ضغط من أليات السوق، فهو ليس (عمرو شريف) ولعله يتقبل تحياتى له على إدراته، فعندما يتولى الإدارة فنان مثقف وواع، تكون النتائج باهرة. ولا يمكن أن ننسى صاحب الورق الذى تُبنى المسرحية عليه المؤلف محمود جمال حديني, موسيقى مروان خاطر وتنفيذ الموسيقى باسل دارى، واستعراضات على جيمى وأزياء أميرة صابر وإضاءة أحمد طارق وديكور باسم وديع، والدعاية أحمد مجدى، والمخرج المساعد حكمت جمال والمخرج المنفذ بسنت على ومايسترو العمل المخرج عبدالله صابر (الممثل المغمور عمرو شريف)، شكرا لكم جميعا على متعة الفن الخالص، ننتظر منه مزيدًا من الإبداع والرقى ونتمنى لكم التوفيق.