الأداء المسرحى فى عصر ما بعد هيمنة الإنسان الذكاء الاصطناعى: عندما يكتب الروبوت المسرحية(1)

الأداء المسرحى فى عصر ما بعد هيمنة الإنسان  الذكاء الاصطناعى: عندما يكتب الروبوت المسرحية(1)

العدد 988 صدر بتاريخ 3أغسطس2026

• الذكاء الاصطناعى والكاتب المسرحى التشيكى كارل تشابيك
«الذكاء الاصطناعى: عندما يكتب الروبوت مسرحية» هى أول مسرحية مكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعى، وعرضت لأول مرة وبُثت مباشرةً عالميًا فى 26 فبراير 2021.() والنص عبارة عن سلسلة من الحوارات التى أنشأها نموذج اللغة GPT-2 التابع لشركة OpenAI (رادفورد وآخرون 2019). ثم تُرجمت إلى اللغة التشيكية وعُرضت فى براج، وإن لم يكن ذلك فى البداية أمام جمهور مباشر.() وفى المجمل، فان 92% من حوارات الشخصيات مُولّدة حاسوبيًا.
 أطلق فريق THEaiTRE، وهو فريق من الباحثين فى مجال معالجة اللغة الطبيعية والمسرح، المشروع للاحتفال بالذكرى المئوية لمصطلح “الروبوت Robot” الذى صاغه الكاتب المسرحى التشيكى كارل تشابيك فى 1921 فى مسرحية “روبوتات روسوم العالمية”.
 فى مسرحية تشابيك، يُنتج المهندسون روبوتات بشرية اصطناعية لتوفير عمالة رخيصة، لكن هذه الروبوتات تثور. فى ذروة المسرحية، تُعلن شخصية راديوس - مدعومةً بالوضع الجديد الذى اكتسبته الروبوتات البشرية ككائنات واعية - نهاية البشرية: “يا روبوتات العالم! لقد سقطت قوة الإنسان. لقد بزغ عالم جديد: حكم الروبوتات! انطلقوا!. يقرأ نيكولاس أندرسون المسرحية.” كنقدٍ قويٍّ للنزعة الإنسانية، إذ يجد إمكانياتٍ تأسيسية فى انقراض البشر. ووفقًا لجانا هوراكوفا وجوزيف كيليمن، تُعيد المسرحية بشكلٍ كبيرٍوضع البشر جنبًا إلى جنب مع الآلات، وفى اندماجٍ معها، فى عالمٍ جديدٍ مُعقّد. وتقدم كيارا مينجوتسى حجة مقنعة مفادها أن تشابيك يحفزنا على تجاوز المركزية البشرية، بينما يدرس ميكا براون إمكانيات ما بعد المركزية الانسانية التى تجسدت فى مشاريع مسرحية من أوروبا الوسطى والشرقية. 
 ومسرحية “الذكاء الاصطناعى: عندما يكتب الروبوت مسرحية”، من إخراج دانيال هربك، تُشبه مسرحية “روبوت، روبوت، روبوت” فى عرضها للثنائية بين الإنسان والآلة، واستكشافها لتداعيات التقدم العلمى والتكنولوجى. وعلى الصعيد المسرحى، توجد أوجه تشابه أيضًا، بما فى ذلك أجواء مستقبلية غامضة واستخدام المساحات الداخلية. العناصر البصرية قليلة ومجردة: سياج شبكى يمتد عبر خشبة المسرح، وفتحات تهوية أرضية، وأشكال هندسية كبيرة (دائرة ومثلثات) تضيء فى لحظات مهمة، وشاشة تليفزيون فى أعلى اليمين تعرض بالتناوب نصًا متدفقًا عبر الشاشة (كما لو كان مُولّدًا فى الوقت الفعلى) وفيديو. تدور أحداث مسرحية «روبوت، روبوت، روبوت» فى المصانع والمكاتب والمختبرات. وبالمثل، تدور أحداث “الذكاء الاصطناعي” فى مساحات صناعية معتمة دون وجود نقاط مرجعية واضحة، باستثناء عبارة واحدة ينطق بها بطلها الروبوت، تروي: “هذا مصنع، وأنا أصنع مكوناتى هنا”. يتجاهل محاوره البشرى تروى على الفور قائلاً: “أنا لا آخذك على محمل الجد، أنت روبوت!”.
 يُذكّرنا عمل “الذكاء الاصطناعي” أيضًا بأعمال كاتى كوان “رقصات مع الروبوت” (2021) وأوريزا هيراتا “مسرح الروبوت/الأندرويد” حيث تُقدّم روبوتات حقيقية على خشبة المسرح كمؤدين وشخصيات. فى هذه البيئات المستقبلية البسيطة، يتعايش الأندرويد والبشر. ومن الأعمال الجديرة بالذكر للكاتبة المسرحية اليابانية، ولاسيما مسرحية “أنا، العامل” (2008)، التى تضم عاملين آليين مثبتين على عجلات، ومسرحية “سايونارا” (2010)، حيث تُلقى روبوتة توأم جالسة قصائد شعرية لسيدتها المحتضرة. وعلى الرغم من اختلاف عمل هيراتا عن “الذكاء الاصطناعي” فى جوانب رئيسية (فالأول من تأليف بشرى، والثانى لا يُجرّب الروبوتات)، إلا أن هناك أوجه تشابه مثيرة للتفكير. فكلاهما، على سبيل المثال، يُعقّد التناقض بين الإنسان والآلة، كما يُشكّك فى امتياز وديمومة الإنسان.
 تتمحور قصة الذكاء الاصطناعى حول الروبوت (الذى يؤدى دوره جاكوب إرفتماير) الذى، فى أعقاب وفاة سيده، يستكشف ذاته الثنائية فى مشهد قاتم وموحش. وكما فى أعمال تشابيك عن أشباه البشر، يتخيل الروبوت - الذى يُعرف لاحقًا باسم تروى - مستقبلًا بلا بشر أو فكاهة، مُنذرًا بتراجع سيادة البشرية على الكوكب وعلى المسرح. تُبرز الجوانب ماوراء-مسرحية metatheater للمسرحية حالة المسرح المتداعية، مُصوِّرةً إياه كأثر من حقبة ولّت. فيرفض هذا العمل المسرحى المفهوم التقليدى للمسرح كاحتفاء بالإنسان، ويستخدم خشبة المسرح كموقع انتقالى، وبوابة تؤدى إلى عوالم أخرى. 
 يستشرف الذكاء الاصطناعى حقبة ما بعد الانسان، وهى الحقبة التى تلى حقبة الإنسان. وعلى وجه التحديد، تطرح المسرحية دور المسرح فى تمثيل حالة ما بعد الانسان. ولتحقيق هذه الغاية: كيف يمكن دراسة نص مُولّد حاسوبيًا دون الوقوع فى فخاخ الدراما المنسوبة للانسان ؟()

• كتابة المسرحية الخوارزمية 
 أدت التطورات الحديثة فى مجال توليد اللغة الطبيعية natural language generation (NLG) إلى إلهام استخدام نماذج اللغة القائمة على التعلم العميق كأدوات للكتابة الإبداعية. وعلى وجه التحديد، مع إدخال بنية المحول Transformer (شبكة عصبية متطورة) وآلية الانتباه (تقنية فعالة ضمن الشبكة)، فأظهرت نماذج اللغة أداءً يُضاهى الأداء البشرى. تعتمد نماذج المحول Transformer على مجموعات بيانات ضخمة لـ”تعلم” الأنماط الكامنة فى النص. على سبيل المثال، تم تدريب نموذج اللغة GPT-2 من OpenAI على WebText، وهى مجموعة بيانات تضم ملايين صفحات الويب من مواقع مختلفة مثل Google وNYTimes وWordPress، وBBC، Clark 2019، و e Bay). وتعمل النماذج المدربة مع نصوص إدخال، تُسمى المُوجِّهات، والتى تُستخدم للتنبؤ بالجمل التالية فى التسلسل. نظرًا لأن النص المُولَّد قد يحتوى على تحيزات اجتماعية ضارة وصور نمطية، وينشر معلومات مضللة، وينتهك الخصوصية، ويتعدى على حقوق النشر، فإن التدخل البشرى والإشراف ضروريان. وبناءً على ذلك، حذرت OpenAI فى البداية من أن GPT-2 “خطير للغاية بحيث لا يمكن إصداره” (Hern 2019). لقد خلف الجيل الثانى من GPT وخلفه GPT-3 (براون وآخرون، 2020)؛ وGPT-3.5، الذى يُشغّل ChatGPT 2022 (OpenAI ؛ وأحدث جيل GPT-4 (OpenAI 2023). هذه السلسلة، التى حظيت بتغطية إعلامية واسعة بحلول منتصف عام 2023، فأصبحت قادرة على إنتاج نصوص صحيحة نحويًا وذات معنى دلالى. ويمكن لهذه النماذج توليد مقاطع وقصائد وقصص، وحتى مقالات كاملة، بأساليب متنوعة. ومع ذلك، لا تزال المخاطر المذكورة قائمة، بل وقد تتزايد مع القدرات المحسّنة.
 وقد تطُوِّرَ مشروع “الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب روبوت مسرحية” بواسطة فريق متعدد التخصصات من جامعة تشارلز، ومسرح شفاندا، وأكاديمية الفنون المسرحية فى براغ. ولإنشاء النص، استخدم مسرح THEaiTRE نسخةً غير معدلة من GPT-2 XL. يُدخل المستخدم (فى هذه الحالة، الكاتب المسرحى ديفيد كوشتاك) مُوجِّهًا مكتوبًا بشريًا يتكون من وصف قصير للمشهد وسطرين أوليين من الحوار يُوجِّهان بناء الشخصيات والحبكة. وبناءً على المُوجِّه المُعطى، يُولِّد نموذج اللغة أسطرًا متصلة بطريقة غير مُتحكَّم بها - أى بحرية، دون قيود صريحة على المحتوى أو الأسلوب أو السياق. يمكن للمستخدم إضافة الأسطر أو حذفها أو إعادة ترتيبها، بالإضافة إلى تحرير النص نفسه. تُكرَّر العملية لكل مشهد، مع توفير مُوجِّه جديد فى كل مرة. بعبارة أخرى، لم يُنتَج النص ككل؛ بدلاً من ذلك، تم اختيار المشاهد المُولّدة بشكل منفصل، وترتيبها، وتجميعها بواسطة كاتب السيناريو. يُظهر النص المُعلّق عليه مكان وكيفية حدوث التدخل البشرى. () 
 مع ملاحظة أوجه التشابه بين الذكاء الاصطناعى ومسرحية تشابيك “روبوتات روسوم العالمية”، التى يُشيد بها المشروع، لم يكن تدخل الإنسان فى كتابة السيناريو، من خلال التوجيهات والتعديلات، أمرًا هيّنًا. وباتباع نهج “الإنسان فى الحلقة”، يُفسّر مشروع THEaiTRE العملية بأنها “تعاون تكافلى بين الإنسان والآلة، حيث تقوم الآلة بمعظم العمل ولكنها تطلب من الإنسان تقديم مدخلات عند الضرورة”، مما يعنى ببساطة أن أوجه القصور فى الآلة تستلزم تدخلًا بشريًا.
 بالمقارنة مع النماذج اللاحقة، يُظهر GPT-2 تماسكًا ونطاقًا أقل، وينتج أحيانًا حوارًا غير مترابط وتكرارًا لا نهائيًا. ويمكن ملاحظة ذلك فى نص الذكاء الاصطناعى أيضًا.() 
وربما تمنح قيود نموذج اللغة للنص خصائصه المميزة. تتأرجح لغة الذكاء الاصطناعى الدرامية بين الاصطناعية والصدق، والاتساق والتناقض، والعقلانية واللاعقلانية، والحضور والغياب. إنها مسرحية عبثية، ذات طابع كوميدى سوداوى، و(أحيانًا) غير منطقية وإيروتيكية. ومع ذلك، فهى أيضًا عميقة جوها تأملى وجاد. ومن أمثلة الجمل (المولدة بالكامل بواسطة الكمبيوتر) من مشاهد مختلفة ما يلي:
الروبوت [تروي] لسيده: إذا استطعتُ أن أُعانقك حتى الموت، فأنا قادرٌ أيضاً على أن أُعانقك حتى الحياة. (المشهد الأول) 
الروبوت للمدلكة: يا إلهى. شفتاكِ كالعسل الدافئ. إنهما ناعمتان للغاية.
أود أكلهما. أنا آسف لأننى لم أعتنِ بنفسى بشكل أفضل. [المشهد 3]
غريبٌ إلى روبوت: إذا كان البشر يخافون من الروبوتات، فلا يمكن الوثوق بهم. لذا عندما تشعر بالخوف، فأنت تخاف من البشر فحسب. البشر مخيفون، أليس كذلك؟ [المشهد 4]
المحاور: حسنًا، لماذا لا تجعل شخصًا آخر يتحدث إليك بدلًا مني؟
الروبوت: لأن المشكلة ليست فى الروبوت. [المشهد 6]
على الرغم من أن نقاد الذكاء الاصطناعى يتطرقون أحيانًا إلى مواضيع الجنس والعنف، ويناقشون التحديات التى قد تطرحها المسرحية على الجمهور - تصميم المسرح ما بعد الإنسانى بالإضافة إلى الجماليات العبثية التى تذكرنا ببيكيت - إلا أن الأغلبية تهتم بنجاح النموذج فى “كتابة” نص متماسك.
 فى الواقع، للكتابة المسرحية الخوارزمية تاريخٌ مثيرٌ للاهتمام. من بين الأعمال السابقة التى تم إنشاؤها بواسطة الحاسوب تشمل أعمال آنى دورسن: “مرحبا هل من أحد هناك Hello Hi There “ 2010، وعمل مسرحى 2013، وأمس هو غدا (2015)، و”الطبيعة الخلابة”. وكما تشير دورسن فى مقالها “حول المسرح الخوارزمي”، فقد تعاونت مع الخوارزميات “كشركاء إبداعيين كاملين، مانحةً إياها حريةً هائلةً للعمل دون إشراف”. وتُفصّل دورسن كذلك كيف يُعيق المسرح الخوارزمى (مصطلحها) دور البشر على خشبة المسرح، وما يترتب على ذلك من تأثيرٍ مُربكٍ على المُشاهد:
المسرح الخوارزمى [...] يستغنى عن دور البشر على خشبة المسرح، أو على الأقل يحد منه بشكل كبير. البرنامج هو المؤدى، بل يمكن تسميته البطل، حيث يتابع الجمهور خياراته وتغيراته، بدلاً من الممثل البشرى. وبدلاً من تبادل الطاقة الروحانى بين المؤدى والمتفرج، أو عملية التماهى بينهما، يخلق الأداء الخوارزمى علاقة غير متكافئة، حيث يواجه المتفرج البشرى شيئًا لا يستطيع مواجهته. ما يتم إنتاجه ليس مجرد الموقف المألوف، وإن كان قد يكون مزعجًا، لمراقبة الذات وهى تراقب، أو مراقبة الذات وهى تُراقَب - فهذه ليست حلقة تغذية راجعة للمشاهدة. تنقطع الحلقة، ويُترك المتفرج وحيدًا تمامًا.
 فى مقابلة، تُلقى دورسن مزيدًا من الضوء على كيفية تشكيك هذه العملية فى “الجوانب الأساسية للمسرح”. وفى مقالها المنشور عام 2019 بعنوان “أفلاطون، والإجراءات، وكل شيء اصطناعي”، تتأمل دورسن فى فرضيتها.
لقد حاولت التأكيد على أن الجزء المثير للاهتمام فى الأداء الخوارزمى لا يتعلق بالمؤثرات الرائعة أو الصور البصرية المذهلة، ولا يتعلق بالأمور الحاسوبية، بعبارة أخرى، بل يتعلق بالتفاعل بين القواعد والنتائج، وكيف يُحفز هذا التفاعل أو يُحبط رغبة الجمهور فى استخلاص المعنى مما يرونه ويسمعونه.


ترجمة أحمد عبد الفتاح