أولى ندوات المحور الفكرى فى المهرجان القومى للمسرح المصرى تتساءل «من هو الجمهور»؟

أولى ندوات المحور الفكرى فى المهرجان القومى للمسرح المصرى تتساءل «من هو الجمهور»؟

العدد 988 صدر بتاريخ 3أغسطس2026

افتتح المهرجان القومى للمسرح المصرى، فعاليات المحور الفكرى فى دورته التاسعة عشرة، بالندوة الأولى بعنوان «من هو الجمهور».. المسرح والجمهور.. هل يذهب الجمهور إلى المسرح أم يذهب المسرح إلى الجمهور؟»، وذلك بحضور الدكتور أشرف العزازى، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، والفنان محمد رياض رئيس المهرجان، والكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، مقررة لجنة الندوات، ونخبة من الأكاديميين والنقاد والمسرحيين
وحاضر فى الندوة الدكتورة نجوى عانوس، أستاذ اللغة العربية بجامعة الزقازيق، والناقد عبد الناصر حنفى، والناقد فادى نشأت، وأدارها الدكتور محمد سمير الخطيب.

تستهدف تطوير المسرح وتعزيز حضوره
وفى مستهل الجلسة، رحب الدكتور أشرف العزازى بالحضور، مؤكدًا استمرار دعم المجلس الأعلى للثقافة لفعاليات المهرجان، ومشددًا على أهمية تكامل جهود مؤسسات وزارة الثقافة بما يسهم فى دعم الحركة المسرحية المصرية، وأشاد بالجهود التنظيمية المبذولة فى إعداد برنامج الندوات، مؤكدًا أن المجلس سيواصل مساندة جميع المبادرات الثقافية الهادفة إلى تطوير المسرح وتعزيز حضوره.
ووجه الفنان محمد رياض الشكر إلى الدكتور «العزازي» والمجلس الأعلى للثقافة على استضافة فعاليات المحور الفكرى، مؤكدًا أن المجلس وضع قاعاته وإمكاناته فى خدمة المهرجان، بما يشمل الندوات وورش العمل والأنشطة الفكرية، وهو ما يعكس حرص وزارة الثقافة على دعم الشباب ورعاية طاقاتهم الإبداعية.
وقال «رياض»: «إن الندوات تمثل أحد أهم محاور الدورة الحالية، وأتمنى أن تحقق نقاشًا حقيقيًا يمتد إلى خارج نطاق المتخصصين ومنذ توليت رئاسة المهرجان كنت أتطلع إلى أن يكون للمهرجان حضور واسع داخل المجتمع، وألا يظل نشاطًا يقتصر على المسرحيين فقط، بل يصبح جزءًا من الحياة الثقافية اليومية، وأثق فى أن يحقق المحور الفكرى هذا الهدف من خلال الموضوعات المطروحة والمشاركين فيها».

الاستفادة للمشاركين والجمهور
وحرص محمد رياض على توجيه الشكر للكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم على ما بذلته من جهد كبير فى الإعداد للندوات منذ بداية التحضير للدورة، مشيدًا بفريق العمل وبالحضور من كبار أساتذة المسرح والنقاد، ومتمنيًا أن تحقق الجلسات أكبر قدر من الاستفادة للمشاركين والجمهور.

بناء وعى ثقافى أوسع
وقال الدكتور أشرف العزازي: إن الشباب يمثلون ركيزة المستقبل، والاستثمار فى طاقاتهم هو استثمار فى مستقبل الثقافة المصرية، ونؤكد على أهمية وصول المسرح إلى الشارع المصرى وتأثيره المباشر فى المجتمع، بما يسهم فى بناء وعى ثقافى أوسع.

دعم كامل فى الجوانب التنظيمية
وقدمت الكاتبة رشا عبد المنعم، مقررة لجنة الندوات، الشكر للفنان محمد رياض على الثقة التى منحها للجنة، وللمخرج عادل عبده مدير المهرجان، مؤكدة أن اللجنة حظيت بدعم كامل فى الجوانب التنظيمية، إلى جانب حرية كاملة فى اختيار موضوعات المحور الفكرى وصياغة رؤيته.

تطوير المحور الفكري
ووجهت «عبدالمنعم» الشكر إلى الدكتور أشرف العزازى، مشيدة بالدعم الذى قدمه المجلس الأعلى للثقافة طوال فترة الإعداد، وخصت بالشكر الأساتذة وائل حسين، وإبراهيم حسين، ولجنة المسرح، وعددًا من النقاد والباحثين الذين شاركوا فى تطوير المحور الفكرى.
وأوضحت أن اختيار عنوان «المسرح والجمهور» لم يكن قرارًا عابرًا، ولكنه جاء بعد سلسلة من المناقشات الفكرية مع مجموعة من الأكاديميين والباحثين، من بينهم الدكتور جمال ياقوت، والدكتور محمد سمير الخطيب، والمخرج محسن الميرغنى، حتى استقرت اللجنة على الصيغة النهائية للمحور، التى تستهدف مناقشة العلاقة بين المسرح والجمهور من منظور علمى وفكرى.

رؤية متكاملة للندوات
وأضافت: «لجنة الندوات تضم الناقد أحمد خميس، والدكتورة داليا بسيونى، والناقد محمد علام، والناقد حسن عبد الهادى، مؤكدة أن العمل الجماعى أسهم فى بلورة رؤية متكاملة للندوات.
وتابعت «عبدالمنعم» موضحة: «الدورة الحالية تشهد لأول مرة الاستعانة بخريجى دبلوم التنمية الثقافية لتوثيق جلسات الندوات واستخلاص توصياتها، بهدف إعداد تصور استراتيجى أولى لبناء الجمهور المصرى، واللجنة واجهت خلال الإعداد للمحور نقصًا واضحًا فى الدراسات الميدانية الخاصة بالجمهور المصرى، سواء من حيث أنماط التلقى أو الخصائص الاجتماعية والثقافية أو البيانات الإحصائية المتعلقة بالحضور المسرحى، وهو ما جعل قضية الجمهور تتصدر أولويات المحور الفكرى هذا العام».
واختتمت: «تشهد الندوات أيضًا مشاركةً منظمة لطلبة وخريجى أقسام المسرح والمعهد العالى للفنون المسرحية، بمداخلات محددة داخل الجلسات، بما يضمن إشراك الأجيال الجديدة فى الحوار الفكرى حول قضايا المسرح ومستقبله»
فى ختام الكلمات الافتتاحية، تمنى الدكتور أشرف العزازى ع التوفيق للمهرجان وجميع المشاركين، معبرًا عن ثقته فى نجاح الندوات وتحقيقها لأهدافها، عقب ذلك، أعلنت الكاتبة رشا عبدالمنعم انطلاق أولى جلسات المحور الفكرى بعنوان «من هو الجمهور؟.. محاولة لتحديد الجمهور»، واختتم الفنان محمد رياض مراسم الافتتاح بتوجيه الشكر إلى النقاد والأكاديميين ورواد الحركة المسرحية الحاضرين، مؤكدًا أن نجاح الندوات يبدأ بحضور جمهورها ومشاركته الفاعلة فى النقاشات.

محمد سمير الخطيب: الجمهور الضلع الأساسى فى العرض المسرحي
فى مستهل كلمته، عبر الدكتور محمد سمير الخطيب عن سعادته بعنوان الندوة، قائلًا: «موضوع الندوة يثير الفرح والشجن فى آنٍ واحد؛ فالاهتمام فى الفترات السابقة انصبّ على النص أو الممثل، بينما ظلت إشكالية الجمهور غائبة عن معظم الدراسات التى تناولت المسرح المصرى، ولم تُنجز دراسة علمية حقيقية عن جمهور المسرح المصرى سوى الدراسة التى قدمتها الدكتورة نسرين البغدادى، ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ دراسة مماثلة حتى الآن، رغم أن الجمهور هو الضلع الأساسى فى العرض المسرحى، وبدونه تنتفى الظاهرة المسرحية».

نجوى عانوس: المسرح والجمهور علاقة اندماج لا انفصال
وقدمت الدكتورة نجوى عانوس كلمتها بعنوان «تحولات جمهور المسرح المصرى من الحرب العالمية الأولى إلى الستينيات»، واستهلتها بملاحظة لافتة بشأن عنوان الندوة «الجمهور والمسرح»، داعيةً إلى حذف حرف الواو، مؤكدةً أن العلاقة بين الجمهور والمسرح علاقة امتزاج وتكامل، لا انفصال، وأن الفصل بينهما ينتقص من طبيعة هذه العلاقة العضوية.
وقالت «عانوس»: «شعر الجمهور المصرى خلال الحرب العالمية الأولى بحالة من الاختناق والرغبة فى التنفيس عن وطأة الحرب والاحتلال، فاتجه إلى ما عُرف بمسرح التسلية والترفيه، رغم تحفظى على هذه التسمية، وفى تلك المرحلة بدأ يتشكل جمهور جديد، يختلف عن الجمهور التقليدى الذى كان يميل إلى المسرح التراجيدى، وهو جمهور ارتبط بالطبقة العليا، لكن الجمهور الجديد، فقد مثّل فى الأساس أبناء الطبقة الوسطى، مع الجاليات الأجنبية التى وفدت إلى مصر، وشريحة الأثرياء الذين استفادوا من ظروف الحرب، وإذا توقفنا عند جمهور الطبقة الوسطى تحديدًا، فسنجد أنه كان أكثر ميلًا إلى مسرح التسلية والكوميديا والمونولوج والمسرح البلدى والشعبى، وهى الاتجاهات التى أُطلق عليها «المسرح الضاحك»، وبدأ المسرح البلدى مع الفنان سيد قشطة، وجاءت هذه الأشكال المسرحية جميعها استجابةً لتغير ذائقة جمهور الطبقة الوسطى وتفاعلًا مع اهتماماته».

تجربة نجيب الريحانى وبديع خيرى
وأضافت «عانوس»: «فى هذه الفترة ظهر عزيز عيد وأمين صدقى، وقاما بترجمة مسرحيات لكاتب فرنسى، ومنها مسرحيات «يا ست ما تمشيش كده عريانة» و«خلى مراتى أمانة عندك»، ومسرحيات فى هذا الاتجاه، التى لم تلق إقبالا جماهيريًا، ثم ظهر بعد ذلك الثنائى الشهير بديع خيرى ونجيب الريحانى، وقدما شخصية «كشكش»، ثم على الكسار فى شخصية «عثمان عبد الباسط»، وكان بديع خيرى ونجيب الريحانى يكتبان المسرحية ويقومان بإخراجها، ويقوم «الريحاني» بتمثيل دور البطولة، وهذا يوضح أن هذه الفترة لم تعرف كلمة المخرج؛ فالكاتب هو الممثل والمخرج، وكان التنافس فى هذه الفترة بين عناوين المسرحيات، فكان «الريحاني» يختار اسمًا لمسرحية، فيرد عليه «الكسار» باسم مسرحية منافسة، وهكذا حتى أصاب الجمهور الملل من شخصية «كشكش»، وبعدها بفترة، ومع شعور الجمهور بمشاعر الوطنية، قرر «الريحاني» تقديم مسرحيات كوميدية جديدة ومميزة، حتى قدم مسرحية «السكرتير الفني»، التى لم تلق إقبالًا أيضًا، وعلى العكس تمامًا لاقت إقبالًا كبيرًا حين قدمها بعد ذلك الفنان فؤاد المهندس، ثم بعد ذلك ظهر مسرح يوسف وهبى، فانضم إليه نجيب الريحانى، ثم ننتقل بعد ذلك إلى المسرح الذى سمى بـ «المسرح الاشتراكي» بعد ثورة 1952م، ثم «المسرح الملحمي»، الخاص بنصوص «بريخت» الذى انتشر حينذاك، وقام الكاتب يسرى الجندى بتمصير عدة مسرحيات لـ«بريخت» فى نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى.

عبد الناصر حنفى: المسرحيون فى مصر قبيلة ضخمة ومترابطة
وتحدث الناقد عبدالناصر حنفى عن سبب تحمسه لندوة إعادة تعريف الجمهور، لأن الحديث دائمًا يكون عن النص أو الإخراج، ولكن لا توجد إحصائية، أو حتى محاولة إحصائية، تخص الجمهور، لأن المسرح ليس مجموعة مسرحيات النخب بالقاهرة، ولكن الأرقام كبيرة، ولا توجد أرقام إحصائية جادة.

المسرح إحدى مؤسسات إنتاج العالم
أضاف حنفي: المسرحيون فى مصر أشبه بقبيلة كبيرة ومترابطة؛ فإذا كنت من القاهرة، يمكنك الذهاب إلى أسوان أو الوادى الجديد، وستجد أن المسرح يفتح لك أبواب التعارف مع العاملين فيه هناك، فهى قبيلة متصلة حتى دون تواصل مباش.، وجمهور أى ظاهرة هو الركيزة التى تستند إليها، إذ تقوم العلاقة بينهما على العطاء والاستجابة؛ فكلما تغيّر العطاء، تغيّرت الاستجابة. وهذه الاستجابة لا تُشكّل الجمهور فحسب، بل تُسهم أيضًا فى تشكيل العاملين داخل الظاهرة، وتُنتج سلسلة من التفاعلات مع ظواهر أخرى فى المجتمع.

الممارسة.. جوهر الظاهرة المسرحية
وتابع: «عندما ننظر إلى الظواهر الاجتماعية بهذه الرؤية، ندرك أن الظاهرة كلما ازدادت ترابطًا مع غيرها، أصبحت إحدى مؤسسات إنتاج العالم، ومن هذا المنطلق، أؤمن بأن المسرح هو بالفعل إحدى مؤسسات إنتاج العال.، ولسنوات طويلة، منذ أرسطو وحتى توفيق الحكيم، ارتبط تعريف الظاهرة المسرحية بالنص الدرامى، فكان جمهور المسرح هو القارئ المثقف. لكن مع الالتفات إلى أهمية العرض المسرحى، أصبح الجمهور هو جمهور المشاهدة، وهنا ينبغى التأكيد على أن جوهر الظاهرة المسرحية يكمن فى الممارسة».

فادى نشأت: جمهور المسرح ليس كتلة واحدة
وفى كلمته، استعرض الناقد فادى نشأت نموذجًا لاستبيان سبق أن طرحه عبر صفحته الشخصية على عددٍ من رواد وسائل التواصل الاجتماعى، بهدف استطلاع آراء عينة من الجمهور حول الأسباب التى تدفعهم إلى ارتياد المسرح أو العزوف عن مشاهدة العروض المسرحية.
وأوضح أن الاستبيان شمل نحو 80 مشاركًا، طُرحت عليهم مجموعة من الأسئلة، وأسهمت إجاباتهم فى الوصول إلى مؤشرات ونسب إحصائية يمكن البناء عليها لإجراء قراءات أكثر دقة واتساعًا لطبيعة علاقة الجمهور بالمسرح.

علاقة الفرد بالمسرح
عبّر «نشأت» عن سعادته بالمشاركة فى الندوة، قائلًا: «أعددتُ دراسةً نقديةً إحصائية منذ شهر يوليو، عقب إبلاغى بالمشاركة فى هذه الندوة، وصممت استبيانًا يهدف إلى تصنيف جمهور المسرح بصورة مختلفة، وقياس بعض الآراء وتجربة المتلقى، ورغم أن العينة صغيرة، فإنها تصلح أن تكون دراسة استطلاعية، وتضمن الاستبيان عددًا من الأسئلة حول السن، والمنطقة الجغرافية، وطبيعة علاقة الفرد بالمسرح؛ لأننا، للأسف، كثيرًا ما نتعامل مع الجمهور باعتباره كتلة واحدة، بينما جمهور المسرح فى مصر ليس كذلك، فهناك شريحة لديها معرفة بالمسرح، ومن المتخصصين فيه، وشريحة أخرى لا تربطها به سوى مشاهدة العروض المسرحية، وشريحة ثالثة ليست من المتخصصين أو المهتمين بالمسرح، ولا تشاهده من الأساس، وهى التقسيمات الثلاث التى حاولت دراستها».

إشكالية الجمهور
واختتم الندوة الدكتور محمد سمير الخطيب بتقديم خلاصة لأبرز ما طرحه المشاركون، مؤكدًا أنه يتحدث بصفته مشاركًا فى النقاش، وليس مديرًا للندوة فحسب، وقال: «المسرح، قبل أن يكون ظاهرة فنية، هو ظاهرة ثقافية فى المقام الأول، ولذلك أنظر إلى إشكالية الجمهور بوصفها إشكالية ثقافية، وكثيرًا ما نتعامل مع الجمهور من منظور اقتصادى فقط.

تأسيس المسرح كان مصريًا
واختتم الندوة الدكتور محمد سمير الخطيب بطرح ملخص عام لحديث الضيوف على المنصة، وبدأ بإلقاء كلمته بصفته مشاركًا، وليس مديرًا للندوة فقط، وقال: «المسرح قبل أن يكون ظاهرة فنية هو ظاهرة ثقافية فى الأساس، ولذلك أنظر إلى إشكالية الجمهور على أنها إشكالية ثقافية، لسبب بسيط، أننا دائمًا نتعامل مع الجمهور من خلال جانب اقتصادى فقط، وحين نتحدث عن جمهور المسرح المصرى، فيجب أن نرجع إلى تاريخه، الذى بدأ فى القرن التاسع عشر، وكانت هناك لحظات فارقة حين قال الخديوى إسماعيل: «أريد أن تصبح مصر قطعة من أوروبا»، فبدأ باستيراد النموذج الغربى بأشكاله المختلفة على مستوى العمارة والشوارع المستقيمة؛ فلم تكن نشأة المسرح مصرية، ولكن تأسيسه كان مصريًا».
 


همت مصطفى