دوما أحرص على حضور كل عروض مسرح الهناجر ؛ وكلى ثقة بإنى سأرى كل جديد فى عالم المسرح ؛ حيث يتميز المخرج الكبير شادى سرور ؛ بحسه الفنى العالى فى اختيار النصوص التى تطرح كل ما هو جديد فى المسرح ؛ ايا كان نوعه مونودراما او ديودراما او جراند.. الخ من النصوص المتنوعة ؛ كما يتفرد ايضا بانتقاء جيد لمخرجى مشاريعه ممن هم على قدر عال من الوعى والتجديد والخبرات ؛ كما رأينا فى مونودراما اليوم ( سما ) من تاليف الكاتبة سونيا بوماد ؛ ومن اخراج ايمن مصطفى.. ذاك المخرج الذى رايت له أكثر من عرض وجميعها ينتمى للمسرح الكلاسيكى الممزوج بجمال الصورة البصربة التى هى دوما من أولوياته ؛ والتى شاهدناها اليوم فى ديكور فادى فوكيه البديع ؛ حيث استطاع ان يقرأ الحالة المسرحية جيدا ويعبر عن مكنون شخصية البطلة الريفية سما ؛ التى عاشت تجربتى عادات وتقاليد الريف المحافظة ؛ وكذا حرية وانفتاح الغرب ؛ فوجدنا الديكور مزيجا بين جمال وبساطة الريف، حيث الساقية فى مقدمة المسرح وقضبان محطة القطار فى خلفية المسرح متخذا عمقا أشبه بخاصية الـ 3d ؛ ونجد القضبان ممتدة فى منتصف المسرح حتى تتلاقى مع جمهور المتلقى بالصالة ؛ وعلى يمين المسرح كنبة خشبية بسيطة تتكئ عليها سما للراحة دوما، ويزين جداريات المسرح الريفى بعض الجمل والكلمات المكتوبة باللغة الانجليزية تعبر عن مجتمع سماته الحرية وانعدام الحب والرومانسية، كناية ورمزية عن تجربة البطلة المتناقضة ما بين الريف الشرقى والغرب الاوروبى ؛ وفى نهاية العرض المسرحى نجد عربة القطار الامامية تاتى من العمق بإنارتها الساطعة مقتحمة المسرح ومتجهة نحو جمهور المتلقى ؛ فى مشهد جمالى يرى فيه المتلقى على واجهة القطار المتحرك جرافيك لمادة فيلمية لا تستغرق ثوانى صنعها مصطفى خالد بخيال واعى ؛ ولكنها تلخص طفولة وصبا سما ومعاناتها ما بين تقاليد الريف البالية، حيث عانت من افكار الذكور الرجعية عن خلفة البنات وتنصلهم منها ؛ وانفتاح الغرب المرعب بعد ان زوجتها امها من رجل ثرى يكبرها بثلاثين عاما يعيش بالخارج فى مشهد بصرى بديع ؛ كما أحسن المخرج ايمن مصطفى توظيف الحركة المسرحية مع كل سينوغرافيا المسرح ؛ واستغل مساحة المسرح كاملة ؛ واستخدم دلالات حركية غاية فى التعبير الحرفى عن مكنون المرأة وعذاباتها وسط مجتمع الذكور الذى لا يرحم ؛ منها المشهد الحركى الغاية فى الإبهار التى نزعت فيه سما لباس المشردين الذى ترتديه بعد ان مسها الإكتئاب وشبه فقدت عقلها ؛ لتكشف لنا عن لباس الغرب الجرئ والمتحرر والتى صممت أزيائهم بذكاء هبة عبد الحميد ؛ والذى رضخت له رغما عنها بناء على رغبة زوجها، الذى تنصل من حملها وأنكر نسب المولود نتيجة فكرته الراسخة بذهنه عن نساء الغرب متناسيا أن زوجته ريفية الأصل ؛ وتعامل ايمن مصطفى مع كل من عناصر العرض بشكل متقن ابرز من خلاله قدراته وخبراته وثقافته ووعيه المسرحى ؛ كما أحسن احمد زيدان التعبير عما يجول بتلك المرأة الحبيسة لعادات وتقاليد بالية لا تحترم لا أنوثتها ولا كينونتها كامرأة، مع تورطها بعد هجرتها للغرب مع زوجها للإنصياع لعادات وتقاليد متحررة ومناقضة لشخصيتها الشرقية المحافظة، اوصلتها فى النهاية كل تلك التناقضات المتطرفة فى التجربتين الى قرار الانتحار امام القطار، بعد ان فقدت حنان الوالدين ؛ وفقدت الحب المتمثل فى من اختارته حبيبا لها ورفضته الأم ؛ وفقدت روحها وجسدها بعدما قامت أمها بعد ولادتها بختانها بنفسها ؛ وأخيرا فقدت الأمومة التى تحلم بها كل أنثى ؛ فجاءت اشعار وكلمات زيدان فى تجربتى سما سواء بالريف أو فى بلاد الغرب ؛ متفردة باكية تشعر من خلالها بأنين النحيب وآلام الحسرة حتى ولو تخللتها بعض الأبيات المبهجة ؛ وتلك تعد معادلة صعبة وعبقرية لا يستطيع صياغتها سوى عدد محدود من الشعراء ذوى الحرفية والتمكن العالى من أدواتهم الشعرية والحسية، كما لم تجد موسيقى وألحان زياد هجرس صعوبة فى التعبير عن تلك الاشعار لسابقة التعاون اكثر من مرة ما بينه وما بين الشاعر زيدان مما أوجد بينهم كيميا خاصة ؛ فجاءت موسيقاه متناغمة قلبا وقالبا مع كلمات الأشعار ومعبرة عن حالة سما المتناقضة ما بين الحسرة والإنبهار والسعادة الزائفة، بموسيقى تتخذ من الصعود والهبوط منحنى ثابتا لها مثلها مثل حال وحياة سما بطلة المونودراما المسرحية.الإضاءة لأبو بكر الشريف كان لها تأثير قوى على كل من استعراضات العرض المتقنة لمحمد بيلا ؛ والمعبرة بواقعية عن شكل وعادات الرقص لكل بيئة عاشت فيها سما ؛ بإظهار خيال الممثلة وهى ترقص فتشعر بإنها تتراقص معذبة ما بينها وما بين روحها سويا ؛ وكذا ديكور العرض، حيث اظهرت الاضاءة الجماليات المخفية فيه وبالأخص مشهد وصول القطار فى نهاية المونودراما ؛ وكذا آداء الممثلة مروة عبد المنعم ذاتها، حيث اتقن الشريف استخدام الالوان المعبرة عن الحالة الشعورية والنفسية للبطلة، والتى تختلف من حالة الى اخرى ما بين الأمل تارة والإحباط تارة أخرى ؛ وأخيرا قدمت مروة عبد المنعم أداء تمثيليا لافتا وغاية فى الإتقان والمشاعر والاحاسيس الفياضة دون ادنى خطأ واحد ؛ نتيجة لقوة تركيزها فى إحداث الصدق والتوحد المطلوب ما بين مشاعرها من الداخل وملامحها من الخارج ؛ مع امتلاكها ذاكرة فولاذية فى تمكنها القوى من حفظ مونودراما كاملة قرابة ساعة من الزمن دون أن تشعر كمتلق بأن تلك الكلمات محفوظة من الورق ؛ بل ستشعر معها ومن خلال أدائها التلقائى بأنها كلمات غير مكتوبة مسبقا تخرج من مشاعرها تو اللحظة ؛ وامتلاكها ايضا لذاكرة انفعالية ثرية تذكرت عبد المنعم من خلالها كل المواقف الأنثوية التى تمر بحياة المرأة عموما تجاه الحياة والأحلام والذكور من يطلقون عليهم رجال ؛ فجاء أدائها فى منتهى الصدق والطبيعية ؛ جذبت من خلاله جمهور المتلقى بتفاعلها معه طوال العرض كما لو كان جزءا منه ؛ ما ينم عن ذكاء حاد لا تمتلكه إلا ممثلة جريئة لا تهاب المسرح ولا الجمهور. و فى النهاية قدم لنا المخرج ايمن مصطفى بالتعاون مع الكاتبة سونيا بوماد عدة قضايا نسائية مهمة من خلال مونودراما شديدة العمق الأنثوى ؛ وعلى الرغم من انها قضايا مستهلكة سبق تقديمها مرات عديدة فى نصوص مختلفة ؛ ولكنهم فى النهاية استعرضوها لجمهور المتلقى فى صورة بصرية ممتعة وبديعة ؛ وحوار ذكى لا يبعث على الملل ممتلئ بالأحاسيس والمشاعر المتناقضة كتبته بوماد بخبرة واعية وحرفية عالية ؛ وأداء تمثيلى صادق ومرن ومبهر ومتنوع أدته مروة عبد المنعم ؛ لتعلن من خلاله أنه ما زال لديها الكثير من مخزون المشاعر وإنها موهبة لم تكتشف بعد رغم شهرتها وصيتها.. لتكون النتيجة النهائية هى عرض مونودراما صعبة وناجحة فى ذات الوقت ؛ سريعة الإيقاع ذات حبكة درامية وعناصر تم ادراجها فى العرض بمنتهى الحرفية والتوظيف الجيد ؛ لنجد انفسنا جميعا نحن جمهور المتلقى امام مونودراما مثالية كما ينبغى ان تكون ؛ تعبر عن احلام النسوية المكبوتة امام قهر العادات والتقاليد البالية.