أندروماك فى الأوبرا الملكية!

أندروماك فى الأوبرا الملكية!

العدد 981 صدر بتاريخ 15يونيو2026

فى أوائل يناير 1936 بدأت الصحف تعلن عرض الفرقة القومية الجديد، وهو مسرحية «أندروماك» - بوصفها الرابعة فى تاريخ عروض الفرقة - وهى من خمسة فصول تأليف «راسين» وترجمة الدكتور «طه حسين»، ومن إخراج «جورج أبيض» الذى قام بتمثيل دور «أورست»، وقام ببقية الأدوار كل من: دولت أبيض «أندروماك»، زينب صدقى «هرميون»، سرينا إبراهيم «سيفيز»، أحمد علام «بيروس»، سراج منير «بيلاد»، عبدالمجيد شكرى «فينيكس»، نجمه إبراهيم «کليوت».
«ملخص المسرحية»: تم لليونان النصر على طروادة واقتسم الظافرون الغنائم فقضت القرعة لبيروس بأندروماك وابنها، وكانت هذه الأميرة قد شغلت هذا الملك حبًا فأتى بها أسيرة إلى أيبير وظل سنة يعرض عليها الزواج منه أو يقتل ابنها إذا هى ظلت على عنادها واعراضها.. وكان فى القصر أميرة أخرى هى هرميون ابنة مينيلاس ملك أسبرطة، وفدت من بلادها إلى أيبير لتقترن ببيروس تنفيذًا لاتفاق سابق بينه وبين أبيها. لكن بيروس وهو مُنصرف القلب إلى هوى آخر كان يماطل فى هذا الزواج ويتلكأ فى تنفيذه، وأوفد اليونان أورست ابن عم هرميون ومجيئها إلى بيروس تطالبه بقتل الصبى ابن هيكتور ونزعه من بين أحضان أمه أندروماك معللًا نفسه بانتزاع هرميون منه إذا هو أبقى على الصبى رعاية لأمه.. ترى أندروماك وقد وعدها بيروس أن حياة ابنها فى خطر مُحقق إذا هى لم تذعن له فتضطر أن تضحى بحبها الزوجى إنقاذًا لحبها البنوى مضمرة أن تنتحر عقب مراسم القران فتموت آمنة على ابنها وفيّة لزوجها الذى تبكيه.. وتلدغ الغيرة هرميون وقد جرحت عزتها وامتهنت كبرياؤها وخاب أملها فتحرض لورست وهو المولع بها الخاضع لسلطانها على قتل بيروس ممنية إياه إذا هو ثأر لها أن تقترن به ويقترف لورست الجرم ويقتل بيروس فى المعبد ساعة التكليل فإذا هرميون حانقة عليه كارهة له وإذا هى تبكى بيروس، وتنتحر على جثته فى المعبد فيتملك اليأس بيروس وتذهب الخيبة بعقله!
هذه هى مسرحية «أندروماك» التى تناولها بالنقد محرر جريدة «الجهاد»، قائلًا: الحق إنى لا أرضى عن وصف العمل الجليل الأمين البليغ الذى قام به الدكتور «طه حسين» بأنه ترجمة إلا أن يكون ذلك قياسًا على «ترجمة» ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة، فإنك تستطيع القول بأن الدكتور طه مرّ على هذه الرواية بعصا سحرية فأحال فرنسيتها عربية ولم يغير عدا ذلك شيئًا من جزالة الأصل وروعته، إلا أن يكون هذا الأسلوب السهل الممتنع الذى يخف وقعه فى القلب والسمع ويُحيل للنظارة أن صاحبه يتنقل بين أفواه الممثلين ملقيًا هنا وهنالك.. تلك هدية من أدب الدكتور إلى الأدب المسرحى بقدرها ويستزيده منها ولئن لم يكن لصاحبها من مثوبة غير ذلك الرضى الذى كان ظاهرًا على وجهه وشفتيه وهو ينصت إلى الممثلين ويتبع حوارهم لكان وحده حافزًا له إلى العود الأحمد.
وعن «الإخراج»، قال المحرر: تقع حوادث رواية «راسين» فى تلك الحقبة التى أتت عقب عصر الإلياذة والأوديسة فهى إذن تمت إلى النوع الأسطورى القديم.. والرواية إلى هذا مقيدة بشرط الزمان والمكان.. ووحدة الزمان أن تتم حوادث الرواية من حيث تبدأ إلى حيث تنتهى فى أربع وعشرين ساعة ووحدة المكان أن تجرى وقائعها جميعًا فى مكان واحد بعينه لا تخرج عنه كغرفة بعينها فى قصر بعينه فى بلد بعينه.. وعلى ذلك فالرواية منظر واحد تتغير عليه الإضاءة من نهار إلى ليل وتتم فيه الوقائع من مبدئها إلى منتهاها.. ولنا كلمة على الإخراج فى إجماله وأخرى عنه فى تفصيله! فنقول على الإجمال إن الرواية (كلاسيكية) بموضوعها وأسلوبها وتصويرها وأن كاتبها راسين كان تلميذًا أمينًا ليوربيدس، وأشيل وسوفوكل أعلام الأدب المسرحى فى العهد الأغريقى. فأعطى هذه التلمذة حقها من الوفاء للفن الكلاسيكى الخالص. وأن مميزات هذا الفن لا يختلف فيه اثنان البساطة والوضوح، والتناسق أو التوافق أو التماثل.. سيان فى ذلك فن المعمار والزخرفة ومن النحت والتصوير ومن الشعر والأدب المسرحى. فأول واجب على مخرج الرواية الكلاسيكية أن يكون فى إخراجه ملتزمًا هذه الخصائص الكلاسيكية أو يكون يخون الأمانة التى فى عنقه لمؤلفها. والإخراج الذى قدم إلينا لم يكن كلاسيكيًا فى قليل ولا كثير! فأجسام الممثلين وأحجامهم لم تكن تخلق فى مجموعها ذلك التوافق أو التماثل الذى تقدم الكلام عنه. وكذلك أصوات الممثلين لم يكن لها رابط من وحدة متناسقة. فبينما يلقى أحدهم على الطريقة التراجيدية، يلقى الآخر إلقاء الرواية المعربة، ويلقى فريق ثالث على طريقة رومانتيكية تستمد نشاطها من العاطفة الهوجاء دون العقل الراجح.. هاتان الوحدتان المتناسقتان فاتتا مخرج الرواية، وفاته وحدة الملبس والمنظر، فلا الملابس كانت بسيطة واضحة ولا الستار فى نمط بنائه وألوان رسمه فانتفت وحدة البساطة ووحدة التناسق.. فقد غاب عن المخرج أن لون الرداء الأحمر لا يصلح لأن يبدو فيه غير الملك! كما غاب عنه أن ملوك الإغريق يحددون لكل طبقة من طبقات الشعب لباسًا خاصًا لا يتخذونه إلى سواه، فأظهر الملك فى رداء أحمر وأظهر (أورست) فى رداء أحمر، وأظهر أتباع (أورست) من الجند اليونانيين فى لباس أحمر. وأظن أنه كان يجب على الأستاذ أبيض أن يفطن إلى هذه المبادئ! فأما المنظر الأوحد الذى كان المخرج جديرًا بأن يدقق فى اختياره أو يضع بنفسه تصميمه ليرسم من جديد، حيث إن الرواية تقع فى العصر الأسطورى الذى يعقب عهد الإلياذة وحرب طروادة مباشرة. والمنظر يمثل بهوًا ينتمى إلى النمط الإغريقى المتأخر الذى جاء فى أعقاب تلك المدنية المعروفة المعالم! ولم يكتف المخرج بذلك بل وضع فى مؤخرة المسرح ستارًا آخر خارج البهو يمثل معبدًا نتوجه فيه! ومعلوم أن القباب لم تعرف فى أوروبا إلا فى أوائل حكم الرومان ولم يجئ بأنماطها من الشرق إلا الاتروسكيون سكان إحدى مقاطعات إيطاليا فى تلك الحقبة من التاريخ! فكان فى منظر الرواية إذن يأتى متأخرًا عن عصرها بمئات السنين! وكذلك عرش الملك ينتمى نمطه إلى عصر الانتقال من الفن الإغريقى إلى الفن الرومانى أى إلى مئات من السنين بعد عصر الرواية ويقوم على درج مغطى بقماش من الكستور أو ما شاكله من الخرق التى لا تصلح أن تكون سترة لكرسى فى بيت عادى، فضلًا عن أن تكون كسوة ملكية! 
أما محرر جريدة «أبو الهول» فكتب مقالة نقدية فى نهاية الأسبوع الأول من يناير 1936 – وأعاد نشرها فى مجلة (الصباح) بعد أيام قليلة - قال فيها: موضوع هذه الرواية حين أقدمه لك لن يكون عسير الفهم لأننى لن أبلغ القدر الذى بلغه راسين، وإنما سأحدثك حديثًا سطحيًا عن الموضوع، فأما أعماقه فعليك بالرواية نفسها أو عليك بالمسرح تشاهدها عليه، فالتاريخ يتحدث أو قل الأساطير هى التى تتحدث عن ذلك العراك الدموى الذى اضطرم بين طروادة وممالك اليونان القديمة، فأما كيف كان هذا العراك وأما أسبابه فليس لنا بها من شأن الآن وإنما يكفينا أن نعلم أن اليونان قد غلبوا طروادة وخربوها ودكوا معالمها دكًا وقتلوا من فيها تقتيلًا، ولم يتركوا حتى الملك نفسه الذى كان يدعى (هكتور) فأما زوجته (أندروماك) وأما ولده الصغير فقد كانا ضمن الأسلاب التى غنمها الفاتحون وكانا من نصيب (بيروس) بن أخيل قاهر طروادة وملك أيبير، وهنا تتحدث الرواية عن ذلك الغرام القاهر الذى تملك قلب بيروس! أجل لقد أحب الفاتح المنتصر (أندروماك) زوجة الملك المغلوب على أمره والذى قتل هو واتباعه وأقرباؤه شر قتل! فماذا تجيب (أندروماك) على هذا الحب؟ كيف تجيب تلك الزوجة الحزينة التى شهدت بعينيها مصرع زوجها ومصرع عظمتها ومجدها وجاهها؟ ومن الذى صرع هذا كله؟ إنه بيروس الذى يطلب يدها الآن ويريد أن يملكها على قلبه وعلى بلاده! وهو يفعل ذلك وهو يعلم أن ذلك يخالف كل المخالفة إرادة شعبه وإرادة شعوب اليونان جميعًا، تلك الشعوب التى تطالب أولًا بإذلال الأسيرة إذلالًا تامًا وبقتل ابنها الصغير الذى قد يكبر ثم يصبح خطرًا على اليونان من جديد حين يتألب حواليه الأنصار والحاقدون على اليونان فيهاجمونها ويسببون لها المتاعب والأهوال، وقد تبعث طروادة على أيديهم من جديد وحينئذ فالويل كل الويل المغلوب! لكن بيروس يأبى إذ يحب ويراوغ فى تنفيذ ذلك المطلب الخطير سنة كاملة يحاول فيها استلانة قلب (أندروماك) وهو لا يلين، حتى يأتى أورست رسول أرجوس وابن ملكها أجاممنون، يأتى أورست ليطالب الملك بيروس بمقتل الطفل فيجده ممتنعًا يقدم الحجج المعقولة لكنها حجج تتنافى مع مبدأ القضاء على العدو، وهنا ترى شيئًا جديدًا، فإن بيروس الذى يحب (أندروماك) كان ولم يزل خطيبًا لمن تدعى (هرميون) بنت ملك أسبارطة وعم أورست لكنه لا يحب هذه الخطيبة، أما هى فتحبه حبًا عظيمًا لا قبل لأحد به وقد أتت إلى أيبير لتزف إليه بينما راح هو يماطلها وهى تعلم لم يماطلها وكان هذا يزيد فى حبها ضرامًا ويجعلها تحقد أشد الحقد على (أندروماك) الطروادية الملعونة، وثمة شىء جديد يجب أن تعلمه فإن أورست يحب هرميون حبًا عظيمًا هو الآخر وهى ابنة عمه منيلاس ملك أسبارطة! فالنتيجة أن بيروس يحب (أندروماك) بينما هى لا تحبه ومشغولة عنه بأحزانها وآلامها وحب زوجها الذى قتل وابنها الذى يوشك أن يقتل.. وهرميون تحب بيروس وهو مشغول عنها بحب أندروماك.. وأورست يحب هرميون وهى مشغولة عنه بحب بيروس.. ولا شك أن هذا الحب الموزع فى طريقة عجيبة لا بد أن يحدث حدثًا كبيرًا، وقد فعل.. فإن أندروماك أبت على بيروس يدها فهددها بقتل ابنها فلم تذعن مع ذلك، فأضطر بدافع الحقد أن يعلن أنه سيتزوج من هرميون، هذا بينما أورست قد اطمأن إلى إنه سيتزوج من هرميون بما أن بيروس يحب أندروماك فيصدم حين يعلم بتحوله، لكن العقل يتغلب أخيرًا على (أندروماك) فتعتزم أن ترضى بالزواج من بيروس حتى إذا ما وقفت وإياه أمام الهيكل حتى إذا ما حلف ليحميها أو يحمى ابنها من كل شر فحينئذ تتقدم إلى الموت باسمه لتلقى فى الآخرة زوجها هكتور وتترك ابنها لعناية بيروس الذى أقسم على حمايته.. وما يكاد بيروس يرى تحولها إليه حتى يجن غرامًا ويعدل عن زواجه من هرميون ويذهب يعد العدة لزواجه من (أندروماك)، ولا شك أن هذا قد أجن هرميون جنونًا ليس بعده جنون، وقد شعرت بأثر اللطمة القاسية التى لطمها بها بيروس فأقسمت لتنتقمن انتقامًا شنيعًا، ثم رأت من أورست محبًا مخلصًا وفيًا فحرضته على قتل بيروس وهو فى المعبد يعقد قرانه على (أندروماك)، فذهب أورست إلى المعبد وما كاد يبدأ بالقتل حتى كان غيره من أنصاره قد فعل، وعاد أورست يحمل البشرى لحبيبته هرميون، فما أن علمت بمقتل بيروس حتى جن جنونها مرة أخرى فما كانت تريد أن تقتله أبدًا وإنما هو الغضب الذى دفعها لأن نطلب دمه، وقد نفذ المحب أورست طلبها دون أن يقدر هذا الانقلاب منها، ولم تجد هرميون بدًا من أن تنتحر لتنجو من هذا العذاب الأليم ولتلحق بحبيبها بيروس فى الآخرة، تم يجد أورست أن آماله قد تحطمت فيجن هو الآخر ويظل يهذى هذيان المحموم فما يلبث أن يسقط صريع الأسى والألم فيحمله أتباعه وهو مغمى عليه أما أندروماك فقد أصبحت ملكة على إيبير!
وتحت عنوان «الإخراج والتمثيل»، قال الناقد: هذه الرواية تعتمد على وحدة الزمان والمكان، وهى ذات منظر واحد لم يتغير طوال فصول الرواية، وأشخاصها قليلون، فمهمة المخرج فيها محددة بالعناية بالتمثيل وحده. وأما ما يبقى بعد ذلك فتلك أمور هينة لا يجد فيها المخرج عنتًا من ممثلين كبار يصطفوا فى هدوء وسكون ويخرجوا كذلك كما تشير الرواية. ونحب أن نقول إن الإضاءة لم يعتن بها كثيرًا أو قليلًا، فلم يكن هناك أى جمال فيها، مع أن كل موقف من مواقف الرواية كان يحتاج لإضاءة خاصة تعبر عن روح الموقف.. أما الممثلون: جورج أبيض «أورست».. هذا شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين وجورج أبيض لا يبدو عليه أنه كذلك، ومهما يكن ففى إمكاننا أن نتجاوز عن مسألة السن قليلًا إن بدا لنا أن جورج استطاع أن يكون معقولًا فى دوره، فهو منافس بيروس (أحمد علام) فى غرام هرميون فنحب أن نقول لا وجه للمنافسة فى هذا الحب بين هذين البطلين، وفى هذا ما ينقص من قيمة المجهود الذى بذله چورج فى أداء دوره، ثم يأتى بعد ذلك أن جورج لم يحفظ دوره وكان يعتمد على الملقن كل الاعتماد ولا بد أن هذا أيضًا يحد من الفن الذى يؤديه ويتلف عليه كثيرًا من المواقف التى يجب أن يتصل الكلام فيها فى نبرة حماسية أو عاطفية على الخصوص، ونود أن نصارح جورج أبيض راغمين أن هاتين الملاحظتين كافيتان لهدم العمل الفنى كله لولا أن جورج نفسه هو الذى يمثل ولولا أنه ممثل مجيد لا يفشل بسهولة ولا يسقط بسهولة وهكذا سار الحال حتى نهاية الرواية بعد مقتل بيروس وبعد غضب هرميون لذلك القتل الذى أمرت به. وعندئذ ثار كل شيء فى نفس المسكين أورست الذى حطمته الصدمة تحطيمًا، هنا انتفض جورج أبيض انتفاضة خلع بها عن نفسه ذلك الثوب الخاطئ الذى سار به فى كل أدوار الرواية، فما لبثنا أن رأيناه ثائرًا مهتاجًا يدور حول نفسه كالمجنون أو أشد من المجنون خيالًا، وهو يجأر بصوت كهزيم الرعد فى نبرات قوية متصلًا فيها عنف وفيها صدق كثير، هنا نعترف لجورج أبيض أن موقفه كان خالدًا، وكان شبيهًا بكل مواقفه الماضية العظيمة، وهكذا أنقذ نفسه فى آخر الرواية وانتشل موقفه واستحوذ على الإعجاب.. «أحمد علام - بيروس» هذا دور يليق بعلام، فقد كان بارعًا فى مواقفه العديدة بينه وبين (أندروماك) ثم بينه وبين هرميون، ولم تكن مواقفه سهلة ولا هينة إنه يحب (أندروماك) وهى لا تحبه، فتأمل كيف يكون الحوار بينهما، ثم أنه لا يحب هرميون وهى تحبه فتأمل أيضًا كيف يكون الحوار بينهما وتأكد أن علام كان فى الحالين بارعًا وموفقًا.


سيد علي إسماعيل