يمين فى أول شمال .. عندما يجب التمثيل كافة عناصر العرض

يمين فى أول شمال ..  عندما يجب التمثيل كافة عناصر العرض

العدد 975 صدر بتاريخ 4مايو2026

عرض مسرحى بالغ الحسن شديد التميز مبهج لذى يتهافت على مشاهدته جمهور المسرح المصرى، ولأنه يقدم فى فضاء مسرحى محدود المساحة صغير الحجم هو قاعة يوسف إدريس الملحقة بمسرح السلام بشارع القصر العينى بالقاهرة التى تعد من الفضاءات المسرحية اللا تقليدية التى بدأت تنتشر بكثرة فى مصر والمنطقة العربية وتسع تلك القاعة المسرحية ما لا يزيد على خمسين مشاهدًا، ولذلك تحتاج فى عشرة أيام من الجمهور ما يحتاجه مسرح آخر كبير تقليدى فى ليلة واحدة لكى يوصف بالنجاح الكبير ويرجع تهافت الجماهير على عرض «يمين فى أول شمال» إلى عدد من الأسباب أولها وأهمها المواهب التمثيلية الخقيقية التى يقوم عليها العرض والتى تعطى ثقة كبيرة فى مستقبل المواهب التمثيلية المصرية فيعتمد العرض بالكامل على أربعة من شباب الممثلين الواعدين الذين يحملون شعلة الأمل فى مستقبل مشرق للفنون التمثيلية المصرية إن أحسن توظيفهم وأفسح لمواهبهم المجال وهؤلاء المبدعين الموهوبين هم حسب الظهور إيهاب محفوظ الذى يقوم بدور الزوج وأمنية حسن التى تؤدى بدور الزوجة أما الطرف الثالث الذى يحل محل العشيق لكن بشكل غير تقليدى عما كان فى كلاسيكيات الدراما الرومانية الثلاثية لكنه فى مضمار العرض منافس شريف للزوج على مشاعر الزوجة، وهو فى المسرحية فنان فى مقتبل الطريق يناضل من أجل الوجود ويؤديه فى المسرحية مخرج العرض عبدالله صابر ولما كانت الزوجة وبسبب الفراغ الدائم لغياب الزوج المستمر تصبح محبة للدراما عاشقة للفنانين لدرجة أنها تعرف هذا الممثل المبتدئ المغمور وتحفظ أعماله المحدودة وأدواره التافهة التى وضع فيها رغم موهبته الحقيقية وهى مشكلة كبيرة يعانى منها كثير من الفنانين المغمورين فى مصر بسبب كثرة العرض واقتصار الطلب على عدد محدود بالإضافة إلى تفشى الوساطة والمحسوبية فى المجالات الفنية الأمر الذى أفسد المنتج الدرامى خصوصا التلفزيونى وأجبر الناس على الهروب من أمام شاشات التليفزيون إلى شاشات المحمول التى مع تطور الوقت يبدو أن الملل منها أعاد الجمهور إلى سيرته الاولى فعاد للبحث عن المسرح فما من عرض جيد عرض خلال المواسم المسرحية الأخيرة إلا تسابق الجمهور إلى حضورها كما فى الملك لير والأرتيست وهذا العرض «يمين فى أول شمال»، والذى من شدة نجاحه يضطر المخرج وهو أيضًا أحد أبطال المسرحية ويدعى عبدالله صابر إلى شكر أصحاب الفضل فى وصول عرضه إلى مسرح السلام مشيرًا إلى أن الفنان (هشام عطوة) شاهد العرض فى مهرجان نقابة المهن التمثيلية ولما أعجبه قرر بحكم منصبه كرئيس للبيت الفنى المصرى قبل أن يصبح رئيسًا للهيئة العامة لقصور الثقافة أن يعيد إنتاجه لصالح البيت الفنى للمسرح الذى كان يرأسه، وهو موقف يحسب لهشام عطوة ويؤكد قدرته على الفرز إذ قدم للساحة الفنية ثلاثة من أجمل الوجوه التمثيلية الجديدة التى استطاعت من دون نص يذكر أن تقدم فرجة مسرحية رائعة كما انطلقت من فكرة بسيطة لزوج شديد البساطة اصطحب معه إلى شقته المتواضعة على سبيل المفاجأة ممثل شاب سمعة يتحدث فى هاتفه المحمول بما يفيد أنه ممثل ولأنه يعرف أن زوجته تعشق الممثلين من كثرة جلوسها أمام التلفاز ويعرف أنها تعرف كثير من الممثل باسمائهم وأدوارهم التى قاموا بها ولأنها على وشك أن تجرى عملية جراحية فى القلب فى الصباح اليوم التالى ولأن ذلك يتزامن مع عيد ميلادها التمس هذا الزوج من الممثل الشاب أن يرافقه إلى بيته لكى يلتقى بزوجته المريضة ويسلم عليها كى يرفع من معنوياتها فى هذه الساعات العصيبة التى تسبق إجراء الجراحة، ولأن ذلك الممثل الشاب هو إنسان نبيل ولأن الأمر لن يكلفه شيء يذكر يأتى بالفعل مع الزوج إلى ردهة منزله التى تحتضن الأحداث ولكن الزوج ما أن يفتح باب شقته حتى يبدو عليه حالة من التوتر والارتباك الذى يوحى بالكثير من التوقعات التى يرتفع أفقها ويزداد القلق بشأنها كلما تأخر ظهور الزوجة وعندما أجابت عن نداءات زوجها من غرفة النوم بصوت خشن أقرب إلى الرجال منه إلى صوت النساء مما ذهب بأفق التوقعات إلى مواقع أخرى عديدة غير تلك التى سيذهب إليها النص أو العرض الذى يتضح فيه أن الزوج لم يزيف الواقع أو يدبر لشىء ما جعلنا نفكر فيه إذ تظهر الزوجة بعد طول انتظار برداء منزلى ذكورى هى قد تؤدى البيجامة الكستور التى كانت حتى وقت قريب قاصرة على التقليدين من الرجال وهو أمر آخر قابل للتأويل لأنه لا شىء بلا معنى فى العرض المسرحى سواء كان قمصان أو جلاليب أو بدل قديمة الطراز كتلك التى يرتديها الزوج الذى يمارس دور الأب، بينما تقوم زوجته بدور الزوج فى إطار المزاح والمرح الذى لا يبتعد عن موضوعنا الذى سرعان ما يتضح أنه ينتهج منهجًا كوميديًا فى الطرح لكنها كوميديا سوداء بمذاق أمر من البكاء إذ تحيلنا إلى الضحك بدلًا من البكاء فالزوج الذى يعمل طوال النهار والليل لا يملك من النقود ما يستطيع به أن يشترى هدية لزوجته المريضة فى عيد ميلادها لأن كل ما يملكه ذهب على حد تعبيره فى التجهيز للعملية ولذلك جذب هذا الممثل الناشئ واصطحبه إلى بيته كهدية لزوجته ولكن الممثل البسيط سرعان ما يمل من صحبة الزوجين المتباينين ويقرر الذهاب ولكنه لا يستطيع لأن الزوج المهزوز أغلق باب الشقة واحتفظ بالمفتاح ورغم أن الممثل أنهى مهمته بنجاح إلا أنه لا يريد أن يتركه يذهب إلى عمله خصوصا بعد أن يجذبه فضولها إذ تسأله كمشاهدة معجبة به وبأعماله عن طبيعة دوره الجديد فى العمل القادم فيجيبها والحزن والخجل يملأ صدره لأنه دور تافه مقارنة بالدور الذى كان يترقبه والذى وعدوه به بعد رحلة شقاء مع التمثيل ولما تضيق عليه السيدة فى السؤال عن الحوار الخاص بهذه الشخصية يجيبها بقوله (يمين فى أول شمال) وهو اسم المسرحية الذى من الواضح أنه لن يقف عند هذا الحد وأنه سيتخذ سبيلًا للتندر والتفكه والسخرية من ذلك الفنان الذى يكافح مثل غيره من الشباب لكى يجعل لنفسه موقعًا على خارطة الممثلين وكلما حاول لا يستطيع ومن هنا ننطلق إلى أهم مشهد فى هذا العرض الذى انطلق ثلاثتهم فى إبداعه أو لنقل فى ارتجاله بلا نص إذ ينقلوننا نقلًا من المسرح والمسرحية إلى العروض القصيرة الدرامية التى تطالعها على شاشات المحمول فيرتجلون مشاهد من أشهر كلاسيكيات الدراما المصرية عندما كانت تتصدر الدراما العربية مشاهد من تلك التى تحولت إلى موروث درامى يعرفه الجميع يأخذون فى تشخيصها ثلاثتهم فى إطار التنمر والسخرية من ذلك الممثل المغمور وفى إطار أن الزوجة من عشاق الدراما الكلاسيكية ولكن الزوج لم يكتفى بالمشاهدة وإنما شارك فى كل المشاهد من دون أن يقال أن له علاقة بالدراما أو أن حياته فيها منفذ لهذه الألعاب الدرامية اللهم إلا قوله فى أول العرض أنه أيضًا نجم شباك كصاحبه والذى يتبين فى منتصف العرض أنه نجم شباك المترو إذ يعمل بوظيفة بائع تذاكر وأن أعماله الأخرى لها علاقة بهذه الشبابيك، وبعد هذا الفاصل الواقع فى فضاء الدراما يستأذن الممثل كعادته ويحاول الذهاب إلا أنهم يرجونه أن يبقى كى يحتفل معهم بعيد ميلاد الزوجة التى توشك على إجراء عملية خطيرة وبالفعل يتصل الزوج بمحل الحلوى ليطلب كعكة عيد ميلاد زوجته بها ما تحبه من شيكولاتات إلا أن تعبيرات وجهه تؤكد أنه أتصل من دون أن يطلب رقم وهو يعترف بعد ذلك للممثل الشاب بأنه لا يمتلك المال فيحاول الممثل الشهم أن يقتسم معه ما لديه من مال لكنه يرفض بشدة مقررًا أنه سيتدبر الأمر وبالرغم من تأكدنا أنه لا كعك فى الأفق إلا أن موصل الطلبات يطرق باب شقتهم مؤكدًا أنه يحمل كعكة عيد الميلاد بالمواصفات المطلوبة لهذا العنوان ورغم عدم تصديق الزوج إلا أنه يضطر إلى فتح باب الشقه أمام إلحاح الضيف والزوجة ويتسلم الزوج الكعكة من الدليفرى المرح الذى يضفى على المشهد مزيدًا من البهجة والسعادة ويحسن من إيقاع المسرحية قرب نهايتها كما يشعل مفارقة درامية جديدة محورها من الذى طلب الكعكة ما دام الزوج لم يطلبها، وهو الأمر الذى يتضح قبل نهاية العرض مع وصول كعكة أخرى إذ نتبين أن الممثل طلب كعكة لكى يسعد هؤلاء الحزانى والزوجة طلبت أخرى لكى تستر فقر زوجها أمام الضيف.
تباين التمثيل فى هذه المسرحية ما بين مدرسة الصوت العالى والصياح التى التزامها (طارق راغب) الذى قام بدور الدلفرى (موصل الطلبات) فى أدائه الذى رغم ذلك اتصف بخفة ظل وحضور مبهج، بينما انتهج الآخرين مدرسة أخرى جديدة فى التمثيل تعتمد على الأداء من الداخل والركون إلى الهدوء الداخلى والطاقة الداخلية أكثر من المهارات الصوتية التى التزمها ثلاثى أضواء العرض الذى نجح بالفعل بسبب استحسان الجمهور الآنى لتلك المهارات التمثيلية وبسبب ما يملكون من كاريزما وما بينهم من توافق وتجانس ولأنهم ممثلون شاملون يملكون مهارات التعبير الحركى والرقص المسرحى ويتمتعون بمواهب فى الغناء وقدرة عالية على الأداء الصادق والتمثيل الهادئ المنضبط وذلك الممثل الشاب عبدالله صابر هو نفسه مخرج المسرحية الذى استطاع بمهارة وبفعل موهبته الكبيرة فى التمثيل أن يلغى كونه مخرج العرض والمسئول عن جميع عناصره إذ كان تركيزه الكامل أثناء العرض فى أداء دوره بالعرض وإبداء رغبته فى الهروب من هذا البيت العجيب الذى شهد فيه أوقات عصيبة أول الأمر ولكنه سرعان ما استشعر السعادة خصوصًا بعدما طلب تلك الكعكة التى أعطتت ليلتهم مزيدًا من البهجة، وفى نهاية الأمر لم يعد مهتم بالذهاب إلى مكان التصوير لأداء ذلك الدور التافه (يمين فى أول شمال) ورغم ذلك اتصل به مساعد المخرج ليخبره أنهم ما زالوا بانتظاره كأنهم لم يجدوا غيره لأداء هذا الدور البسيط أو كأن هذا الدور لا يقوم به أحد غيره وقد ترقبت أن يكون غيابه وعدم تهافته على الذهاب سببًا لأن يدركوا قيمته ويقدرون موهبته فيعطونه دور أكبر أو يكبرون دوره رغم أنه لا يوجد دور كبير ودور صغير وإنما ممثل كبير وممثل صغير كما ظل الزوج يردد طوال العرض الذى كتبه للمسرح (محمود جمال حدينى) الذى شاهدت له نصوصًا أقوى من هذا بكثير لكننا اليوم أمام زوجان مر على زواجهما خمس سنوات ولم يحدث إنجاب ولم تكن هناك شكوى من الإنجاب وأهم مشكلة بينهما أن الزوج رغم حبه الكبير لزوجته إلا أنه قليل الكلام ونادرًا ما يتبادل معها الحوار بل أنه يهرب من المنزل ويلقى نفسه فى أحضان العمل ليل نهار كى يهرب من مواجهة الزوجة التى أفرغت طاقتها فى ملاحقة الدراما وأصبحت تشاهد كل شيء وأى شيء حتى أنها من مفارقات هذا العرض الممتع أنها عرفت ذلك الممثل المغمور وعرفت كل أدواره فى واحدة من مفارقات هذا النص المدهش الذى تميز ديكوره التقليدى الذى صممه (باسم وديع) بأداء دوره على النحو المطلوب بلا فلسفة أو عمق وإنما بحضور كالغياب كى تشعر أنك فى شقة كلاسيكية أجواء الستينات فى بيوتنا القديمة بيوت أهالينا ذات الثلاجة القديمة والسجادة القديمة والأثاثات المتهالكة وكأن أحدهم الزوج أو الزوجة ورث تلك الشقة عن والده أو والدته وتزوج فيها هذا الزواج العجيب الذى لم يؤدى إلى الإنجاب من دون حيثيات درامية وكذلك كانت باقى عناصر العرض كالموسيقى الذى أبدعها (مروان خاطر) أما باقى العناصر المسرحية كالأكسسوار والملابس التى قامت بتنفيذها (أميرة صابر) فكانت جميعها حاضرة من غير مبالغة أو تزيد بالإضافة إلى الاستعراضات البسيطة التى صممها للعرض (على جيمى) كانت رحلة من الدراما الحية فى الواقع الدرامى بعيدًا عن فضاء المحمول وخيال الانترنت ممثلين حقيقيين خفيفى الظل من صناع البهجة يصنعون جوًا من المرح المسرحى فى ظل عدد محدود من الجمهور بضع عشرات يقبلون يوميًا على متابعة هذا العرض الذى سوف يحصد هذا النجاح، وسوف يحمل شعلة المسرح فى مواجهة الجماهير الهاربة من ملل المحمول الذى أظنه لن يصمد طويلًا أمام مثل هذه التجارب المسرحية الدرامية القوية التى نأمل أن تنتشر بقدر ما يمكنها الانتشار لإثراء الواقع الفنى والثقافى المعاصر.


محمود كحيلة