الكتابة ضد العدم.. كيف حاصر عرض كافاكا أوجاع الإنسان؟

الكتابة ضد العدم..   كيف حاصر عرض كافاكا أوجاع الإنسان؟

العدد 975 صدر بتاريخ 4مايو2026

يبدأ العرض المسرحى بطرح «كافكا» لبعض الأسئلة الوجودية على نفسه، محاولًا من خلالها البحث عن هويته، والتنقيب فى داخله عن أسباب عدم تخطيه للمعضلات التى واجهته، والتى أضحت كندوب نفسية حُفرت فى أعماق قلبه ونضجت بمرور الزمن. قُدم العرض المسرحى (كافاكا) على خشبة مسرح قصر ببا ثقافة بنى سويف، وهو من تأليف شريف شجاع وإخراج صموئيل أثناسيوس.
تتمحور أحداث العرض حول أبطال روايتى «التحول» و«فنان الجوع» للكاتب النمساوى فرانز كافكا؛ حيث تنهض الشخصيات من بين صفحات هذه الروايات وتبدأ فى محاسبته على جعلهم مُسوخًا وجياعًا بلا رحمة، بينما تظهر شخصية «الصديق» لكافكا تدفعه تارةً إلى الكتابة، وتارةً أخرى للسقوط فى هاوية أفكاره.

جريجور سامسا: سقوط الإنسان فى مجتمع المنفعة
يتصاعد البناء الدرامى للعرض مع ظهور «جريجور سامسا»، بطل رواية «التحول». يتحول سامسا إلى صرصور، كائن منبوذ حتى من أقرب المقربين إليه؛ إذ لا يفقد إنسانيته فحسب، بل يفقد دوره كعائل لأسرته، فيصبح منبوذًا منهم بعد أن كان عمادهم الاقتصادى.
يكشف العرض المسرحى (كافاكا) عن بنية المجتمع الرأسمالى الذى لا يعترف بالوجود الإنسانى إلا من خلال المنفعة الناتجة عن العمل؛ حيث يمكن وصف هذا المجتمع بأنه مجتمع براجماتى تغلب فيه المصلحة على المثالية، ويمتاز بمرونة فائقة فى تغيير مبادئه لتحقيق المنفعة أينما كانت. وقد تجسد هذا المبدأ فى زيارة صاحب العمل لبيت السيد «سامسا»، وشروعه فى ابتزاز الأب للضغط على «جريجور» للعودة إلى عمله، قائلًا: «جريجور هو الضامن الذى يعمل ليطعمكم».

فنان الجوع: استعراض الألم وتفاهة القيم
ينتقل سياق العرض إلى رواية «فنان الجوع» الذى يحاول تحدى الغريزة الإنسانية من خلال الامتناع عن الطعام. يظهر الفنان فى ساحة أشبه بالسيرك، محاطًا بالسياج، فى لحظة ما تحوّل الفعل الإنسانى إلى مجرد استعراض، أمام مجموعة من الناس تشاهد معاناة إنسان جائع وتستمتع بذلك. فى هذا المشهد، تتجلى تفاهة القيم التى تحكم هذا العالم، ويختلط على العقل البشرى الحد الفاصل بين ما هو إنسانى وما هو غير إنسانى.

مارجوت: بين الواقع والتخييل
يحاول (كافكا) الهروب من قلقه الوجودى عبر خوض بعض التجارب، فيقرر الذهاب إلى أحد بيوت البغايا، لا بحثًا عن المتعة الجنسية، بل فى محاولة يائسة للهروب من ثقل ما يشعر به. يلتقى خلال هذه الزيارة بشخصية «مارجوت»، تلك المرأة التى يجد فى حديثها المعرفة القوية؛ حيث تتحدث بأسماء الفلاسفة وتعرف قصصهم بدقة عالية، مما يجعل الجمهور يتساءل لوهلة: هل «مارجوت» شخصية حقيقية أم أنها مجرد طيف متخيل من عقل كافكا الذى كان يود مقابلتها؟

الكتابة كفعل مقاومة فى مواجهة العبث
يستمر العرض المسرحى (كافاكا) فى رسم ملامح شخصية بطلها «فرانز كافكا»، حيث تتصاعد أزماته المتعددة بسبب مؤلفاته؛ فيحاول التشبث بالكتابة كفعل مقاومة يبحث من خلاله عن معنى لحياته، لكنه يظل عالقًا، عاجزًا عن الفرار من قلقه الوجودى، وحبيسًا بين أصواته الداخلية. ينتهى العرض بباب مفتوح على التأويلات حول قضايا الوجود والهوية، عبر صورة إنسان محطم لا يفعل شيئًا سوى البحث عن المعنى.
يغدو الجمهور مشاركًا فى العرض المسرحى بفضل اعتماد المخرج على تقنية «الهجوم على الحدث»؛ إذ يبدأ العرض مباشرة دون تمهيد، مما يجعل المتلقى شريكًا فى التجربة منذ اللحظة الأولى.
يدور العرض على خطوط درامية متشظية، تبرز فيها التقطعات الزمنية وتتداخل مستويات السرد عبر لوحات متفرقة لشخصية كافكا. وينطلق العرض من رصد تأثير السلطة الأبوية على حياته؛ حيث يتحول إلى كائن مُحاصر من الخارج بفعل «الأب» فى الطفولة، وفى شبابه بفعل المجتمع الرأسمالى. وبسبب هذه المؤثرات الخارجية، ينحصر الإنسان فى داخله، ويضحى فى صراع مستمر مع ذاته.
الواقعية والتعبيرية: جدلية الخارج والداخل
يمزج العرض المسرحى «كافاكا» بين الواقعية والتعبيرية؛ حيث يتجسد البعد الواقعى فى مشاهد الأسرة، خاصة فى حضور الأب، والحوار اليومى مع المدير الذى يقيس قيمة الإنسان بإنتاجيته، محولًا الموظف إلى مجرد أرقام يسعى لتحقيقها، وصولًا إلى الشارع والمنزل اللذين استخدمهما المخرج والمؤلف لفضح القهر الاجتماعى الواقع على الطبقة البروليتارية.
بينما يعتمد البعد التعبيرى على تجسيد القلق الوجودى الذى يعتصر كافكا؛ ويظهر ذلك جليًا فى استخدام «البرجين» لدلالات متعددة، وفى الأصوات المنبعثة من أعماقه، فضلًا عن الشخصيات الخارجة من نصوصه، مثل «جريجور سامسا» و»فنان الجوع». ومن ثم، فإن هذا المزج بين الواقعية والتعبيرية يُبرز القهر من جهة، ويكشف أثره النفسى العميق على كافكا من جهة أخرى.
ويندرج العرض ضمن مسرح ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الحبكة؛ إذ لا يسير الفعل الدرامى على وتيرة واحدة، بل تتشظى الأحداث عبر ظهور أبطال رواياته، أو حضور شخصية «مارجوت»، أو تجلى «الأب» بوصفه أحد العوامل التى صاغت معاناة كافكا، سواء فى سياق العرض أو فى حياته الواقعية.

بين العبث وكامو: اقتراب دون انتماء
لا ينتمى عرض (كافاكا) كليًا إلى مسرح العبث، لكنه يستعير بعض أفكاره، مثل شعور كافكا باللاجدوى، حتى فى ظل وجود حبيبته ميلينا التى تسعى لإحياء المشاعر فى داخله. يقترب العرض فى ملامحه العامة من روح العبث، مع تأثر واضح بأفكار ألبير كامو، خاصة فى طرحه لإشكالية اللامعنى والوجود المأزوم، دون أن يذوب فى هذا القالب بشكل كامل.

الميتافكشن: حين يحاكم الخيال مُبدعه
ينهض العرض المسرحى (كافاكا) على بنية «الميتافكشن» ()؛ حيث لا يكتفى أبطال روايات كافكا - مثل جريجور سامسا وفنان الجوع - بكونهم مجرد شخصيات مؤلفة، بل ينهضون لمحاسبة كافكا على صياغة مصائرهم بهذا التشوه. ومن خلال سياق العرض، يحاول النص إيجاد مبررات لكافكا وكشف الأسباب التى دفعته للكتابة بهذا الأسلوب السوداوى، بل إن الشخصيات تدفعه نحو مصيرها ذاته؛ وبذلك أضحى الخيال يمتلك قوة مضادة وقدرة على محاكمة المبدع.

كسر الإيهام المسرحي: تداخل العوالم
تسبب دخول الشخصيات المتخيلة داخل فضاء مسرحى واحد فى حدوث «كسر للإيهام المسرحي»؛ فعلى سبيل الذكر، نجد جريجور - الذى كان حاضرًا فى معظم العرض - يراقب من خلف باب غرفته تطور الأحداث وقسوة أسرته عليه، مما أدى إلى تداخل الحقيقة بالخيال أمام عين المشاهد.

الأداء التمثيلى: تجسيد القلق عبر الجسد
اعتمد الفنان أبانوب مينا، الذى قام بدور كافكا، على ملامح الوجه لإظهار الحالة النفسية المعقدة التى يمر بها؛ حيث شكلت تعبيراته مساحة درامية دقيقة عكست التحولات الداخلية بين القلق والارتباك. كما اهتم بالأداء الجسدى لتحقيق التنوع الحركى الذى تطلبه الرؤية الإخراجية.
أما الفنان محمد هشام، فقد أجاد فى تجسيد دورين متناقضين؛ ففى دور «الحشرة» اعتمد على انكماش الجسد والالتواءات التى عكست صدمة التحول من إنسان إلى كيان منبوذ، بينما ظهر فى دور «الصديق» كصوت للضمير أو محفز داخلى يحث كافكا على الكتابة ومواجهة ذاته.
وقدم الفنان مينا جيمى دور صاحب العمل بأداء متذبذب بين الكوميديا والتراجيديا؛ حيث استخدم الكوميديا لكسر حدة القسوة الواقعية التى صاغها المؤلف شريف شجاع لتمثيل توحش الرأسمالية واستعبادها للطبقة العاملة.

السينوغرافيا: دلالات التكثيف
اعتمد المخرج فى السينوغرافيا على برجين فى منتصف المسرح، استُخدما بذكاء للتعبير عن أماكن متعددة: الغرفة، المكتب، الشارع، السيرك، وآلة التعذيب. ورغم بساطة هذه العناصر، إلا أنها كانت غنية بالرموز وقابلة للتطويع الدرامى، حيث تركزت معظم المشاهد فى عمق المسرح لتعزيز حالة الحصار النفسى.

انهيار الذات واستمرار السؤال
ينتهى العرض بمشهد يصور الانهيار النفسى والجسدى لكافكا تحت وطأة مخاوفه وقلقه؛ حيث يجلس فى وضعية استسلام، بينما يقف خلفه «المسخ» الذى خرج من روايته ليعيد مساءلته وجوديًا داخل فضاء مشحون بالتوتر والاغتراب، تاركًا التساؤل مفتوحًا فى ذهن الجمهور.


جهاد طه