في مشهد فني يتجاوز حدود المسارح التقليدية، يواصل فن الرقص المعاصر ترسيخ حضوره كأحد أبرز أشكال التعبير الإبداعي التي تعكس نبض الشارع وتفاصيل الحياة اليومية، ومع تزايد الاهتمام بهذا الفن، تتسع مساحاته المفتوحة، حيث يلتقي الجمهور بالعروض بشكل مباشر وتفاعلي، في تجربة تمزج بين الحركة والمدينة، وتعيد تعريف العلاقة بين الفنان والمتلقي.يبرز فن الرقص المعاصر كأحد أهم أشكال التعبير الفني القادرة على التقاط نبض المجتمع وترجمة تفاصيله اليومية إلى لغة حركية نابضة بالحياة، ولم يعد هذا الفن لغة حركية نابضة بالحياة. ولم يعد هذا الفن حبيس المسارح المغلقة أو القاعات التقليدية، بل تجاوز تلك الحدود لينفتح على الشارع والمساحات العامة، حيث تتقاطع الفنون مع إيقاف المدينة، ويصبح الجمهور جزءاً من التجربة لا مجرد متلقِ لها.وفي هذا السياق، تأتي فعاليات مهرجانات الرقص المعاصر لتؤكد على هذا الحضور المتنامي، من خلال إتاحة الفرصة أمام تجارب فنية متنوعة تجمع بين المحلي والدولي، وتفتح آفاقاً جديدة للتجريب والابتكار، كما تسهم هذه الفعاليات في خلق حالة من الحراك الثقافي، عبر الوصول إلى جمهور أوسع في أماكن مختلفة، وتعزيز فكرة أن الفن يمكن أن يكون جزءاً من الحياة اليومية وقادرا على التفاعل مع قضايا المجتمع وهمومه بلغة تتجاوز الكلمات.شهد المسرح القومي انطلاق فعاليات مهرجان الرقص المعاصر يوم الأربعاء الموافق 29 أبريل 2026، في تمام الساعة الثامنة مساء،وذلك بحضور الفنان أيمن الشيوي رئيس قطاع المسرح، المخرج عادل حسان رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إزابيلا بوماريتو ممثلة عن الاتحاد الأوربي، المخرج محمد الشافعي المنسق العام لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وفي أجواء فنية مميزة عكست ثراء وتنوع هذا الفن التعبيري، بحضور نخبة من الفنانين والمبدعين والمهتمين بالحركة المعاصرة. ويأتي المهرجان ليؤكد على أهمية الرقص كوسيلة للتعبير الإبداعي، وفضاء يجمع بين الثقافات والرؤى الفنية المختلفة، في إطار دعم المشهد الفني وإتاحة منصات جديدة للتجريب والابتكار.في البداية أكدت منى سليمان،المدير التنفيذي ومقدمة مهرجان الرقص المعاصر، أن النسخة التاسعة من” ليلة الرقص المعاصر” تمثل استمراراً لمسار فني مهم استطاع أن يرسخ حضور الرقص المعاصر كأحد أشكال التعبير الإبداعي المؤثرة في المشهد الثقافي، مشيرة إلى أن المهرجان لم يعد مجرد فعالية فنية ـ بل أصبح منصة دولية تجمع بين تجارب متعددة من مصر وخارجها في ليلة واحدة تحمل طابعاً احتفاليا تفاعلياً خاصاً.جاء ذلك خلال كلمتها في افتتاح فعاليات المهرجان، التي اقيمت على خشبة المسرح القومي، حيث أوضحت أن نسخة هذا العام تأتي امتداد لنجاحات سابقة،وتمتد فعالياتها إلى عدد من المحافظات، من بينها القاهرة والإسكندرية والمنيا، في محاولة لتوسيع دائرة الوصول إلى الجمهور، وإتاحة عروض الرقص المعاصر في مساحات متنوعة خارج الإطار التقليدي للمسرح المعلق.واضافت منى، أن “ليلة الرقص المعاصر 2026، تأتي في لحظة خاصة تتزامن مع اليوم العالمي للرقص، ما يمنحها بعداً رمزياً يعكس ارتباط هذا الفن بالقضايا الإنسانية المشتركة، مؤكدة أن المهرجان هذا العام يضم 10 عروض محلية ودولية يقدمها 7 مخرجين وفنانين من مدارس ورؤى مختلفة، بما يعكس تنوع التجارب وتعدد أساليب التعبير الحركي.وأشارت منى سليمان، تقام هذه الدورة تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، وبشراكة استراتيجية من المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية،ضمن مشروع الأرشيف الوطني لقاعدة بيانات ودعم الفرق والمهرجانات المستقلة، وذلك بدعم من اتحاد المعاهد الثقافية الأوربية (EUNIC)، وبتمويل من الاتحاد الأوربي وبالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الدولية المستقلة، من بينها المركز الثقافي البريطاني، المركز الثقافي الفرنسي، معهد جوتة، مكتبة الإسكندرية، مكتبة القاهرة الكبرى،السفارة الأسبانية، إلى جانب عدد من القطاعات الفنية والمبادارت المستقلة، مؤكدة أن هذا التعاون يعكس أهمية العمل المشترك في دعم الفنون المعاصرة وتوسيع نطاق انتشارها.قدمت منى سليمان، خالص الشكر إلى جميع الشركاء والداعمين مشيدة بدورهم في استمرار هذا الحدث الفني وتطويره عاماً بعد عام، بما يتيح فرصاً أكبر للفنانين الشباب والمستقلين، ويمنح مساحة حقيقية للتجريب الفني والتفاعل مع الجمهور.أعربت إيزابيل برمياريتو، ممثلة الاتحاد الأوربي “يونيك” عن تقديرها للمشاركة في دعم “ليلة الرقص المعاصر” مؤكدة أن الرقص يعد لغة إنسانية عالمية تتجاوز حدود الكلام، وتفتح مساحات واسعة للتواصل الثقافي بين الشعوب،داعية الجمهور إلى خوض تجربة العروض بانفتاح وفضول فني، والاستمتاع بتنوع الرؤى والأساليب المقدمة.واضافت برمياريتور، أن دعم هذه الدورة يأتي في إطار التزام الاتحاد بتعزيز التبادل الثقافي ودعم الفنون المعاصرة والمستقلة مؤكدة أن مهرجان”ليلة رقص معاصر” يمثل مرحلة مهمة للحوار الفني بين الثقافات المختلفة، وأن هذه الشراكة مع وزارة الثقافة والمؤسسات المحلية تسهم في تمكين الفنانين وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي، بما يعزز حضور الفنون الأدائية المعاصرة في مصر والمنطقة.كما القى عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، كلمة خلال الحفل نقل فيها تحيات وزيرة الثقافة، مشيراً إلى دعم الوزارة الكامل لهذا الحدث الفني المهم ومؤكداً أن المهرجان أصبح جزءاً من خريطة الفاعليات الثقافية في مصر، التي تحتفي بالفنون المعاصرة وتدعم تطورها.وأضاف حسان، أن الفترة الأخيرة شهدت جهوداً مكثفة لتطوير الأرشيف الوطني وقواعد البيانات الخاصة بالحركة المسرحية والرقص في مصر، بما يساهم في توثيق هذا الإرث الفني وإتاحته للأجيال القادمة، مؤكداً أن دعم المهرجانات المستقلة أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية العمل الثقافي.كما شهد الحفل تكريم أربعة من رموز الرقص المعاصر، تقديراً لإسهاماتهم الفنية الممتدة ودورهم في إثراء هذا المجال وتطوير لغته البصرية والحركية وهم: المخرج والمنتج أحمد العطار(مصر) الفنان (وليد عوني) لبنان، الفنانة (كريمة منصور)مصر، المديرة الثقافية ورئيس قسم الفنون بالمعهد البريطاني الثقافي “كاثي كوستين”(المملكة المتحدة) وذلك تقديراً لإسهاماتهم الممتدة محلياً ودولياً.كما تضمن البرنامج العرض العالمي الأول لعمل “كتاب الموتى” – الاسم المفقود” من فكرة وإخراج عزت إسماعيل، وبمشاركة شيرين حجازي في تصميم الرقصات.قال عزت إسماعيل مخرج العرض، قدم العرض معالجة معاصرة مستلهمة من رحلة المصري القديم عبر العالم الآخر، مستنداً إلى رمزية”كتاب الموتى” وما يحمله من دلالات فلسفية وروحية عميقة وجاءت الرؤية الإخراجية في صياغة حركية وبصرية وثرية.وتابع إسماعيل، اعتمدت على توظيف الجسد والضوء والموسيقى لخلق حالة مسرحية متكاملة، تعيد قراءة الموروث الثقافي برؤية جديدة تنفتح على أسئلة الإنسان الوجودية. كما سعى العرض إلى المزج بين الأصالة والحداثة، من خلال تقديم عناصر التراث في قالب فني معاصر، يتيح مساحات متعددة للـتأويل، ويمنح المتلقي تجربة بصرية وشعورية تتجاوز حدود السرد التقليدي لتلامس أبعاداً إنسانية أعمق.تأتي هذه الشراكة في إطار مبادرة المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لدعم وبناء جسور التعاون بين القطاع الفني المستقل والمؤسسات الثقافية الرسمية، ليصبح مهرجان “ليلة رقص معاصر” أو مشروع يتم احتضانه ضمن هذا التوجه، بما يعكس المعاصر والفنون المستقلة في المشهد الثقافي المصري.تمتد فعاليات الدورة التاسعة في الفترة من 29 أبريل حتى 9 مايو 2026، بمشاركة فنانين من عدة دول منها فرنسا، المملكة المتحدة، النمسا، إسيانيا،أوكرانيا، سويسرا،هولندا.اختتمت فعاليات الافتتاح داخل المسرح القومي وسط حضور فني جماهيري لافت، حيث أكد المشاركون أن الرقص المعاصر بات يشكل مساحة فنية حيوية قادرة على التعبير عن الإنسان وقضاياه، عبر لغة تتجاوز الكلمات إلى الجسد والحركة، وتفتح آفاقاً جديدة للتجريب والتواصل الفني.