فى سياق حضارى مأزوم تتداعى فيه البُنى السياسية وتنهار منظومات القيم وتتصدع فيه العلاقات الانسانية تظل مسرحية «الملك لير» لشكسبير نصًا تأسيسيًا فى فهم البنية المأساوية للوجود الإنسانى، النص، الذى ظهر فى طبعته الأولى المستقلة عام 1608، وأعيد طباعته عام 1619 قبل إدراجه فى المجموعة الكاملة لمسرحيات شكسبير عام 1623، لا يُقرأ كتجربة أدبية ماضية، بل كنموذج متجدد قادر على اختراق طبقات الوعى الجمعى فى كل عصر، فى صميمه، يُجسّد «لير» انهيار المنظومة القيمية تحت ضغط الصراع على السلطة، وتحول الروابط الأولية - الأبوة والبنوة - إلى ساحات نزاع مدفوعة بالاستراتيجيات النرجسية والبراغماتية الخالية من الأخلاق، إن لير يمثل مرآة تعكس شرخًا عميقًا فى الحضارة الإنسانية التى مازلنا نحياها.وفى محاولة لإنتاج المعنى من خلال ربط انكسار «لير» بانهيار القدرة على التمييز بين الجوهر والمظهر، وهى الإشكالية المركزية فى النظرية السيميائية للخطاب، حيث تتغلب الدوال المضللة على المدلولات الحقيقية. فعملية توزيع لير لملكه بناءً على بلاغة التملق تمثل مثالًا نموذجيًا على استبدال الحقيقة العاطفية بالخطاب الأدائى، ويُحوَّل رأس المال الرمزى للسلطة إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب العاطفى.هذا الارتباط الوجودى بين مأساة لير والأساطير القديمة، منذ الصراع الأخوى بدءًا من قابيل وهابيل إلى رومولوس وريموس وصولًا إلى أساطير الأخوين أتريوس وثيستيس، وصولًا إلى ذروة الهمجية حين يُقدَّم لحم الأبناء على مائدة العشاء، فى مشهد يُجسد كيف تتحول السلطة إلى وحش يفترس حتى الروابط الدموية وهو ما يشبه مشهد العشاء الأخير فى لير عندما قامت الاخت الكبرى جونريل بتسميم اختها ريجان، ليؤكد هذا فرضية «التكرار» فى الحكايات البشرية: الصراع على الموارد - سواء كانت سلطة أو أرضًا أو اعترافًا رمزيًا - ينتهى إلى إلغاء الآخر جسديًا، هذا الربط ليس زخرفًا بل إحالة على «البنية العميقة» للمأساة، حيث تتكرر الأنماط السلوكية عبر الأزمان بصرف النظر عن التحولات السطحية.وعلى خشبة المسرح القومى بالقاهرة، قدم المخرج شادى سرور رؤية إخراجية معاصرة لرائعة شكسبير، فى محاولة لتحويل النص المكتوب إلى تجربة مسرحية مكثفة، تجلت فيها ثنائية العلاقات بين الفعل والقول، لتتحد النهايات فى مصيرٍ تراجيديٍّ واحد، فقد كان أداء الفنان القدير يحيى الفخرانى فى دور «لير» هو القلب النابض للعرض، فلم يكتفِ الفخرانى بتمثيل الشيخوخة الجسدية (الواقعية)، بل نقل لنا انهيارًا نفسيًا شاملًا، من الغضب العارم إلى اليأس المطبق، إلى لحظات الهذيان التى تخلط بين الواقع والخيال، ليجسد بذلك أزمة الملك التى وصفها فرويد بأزمة الشيخوخة وتخلى «سلطة العقل» لصالح «سلطة القلب».وعلى الصعيد الإخراجى، نلحظ تطبيقًا لرؤية سرور التى تميل إلى تكثيف «التضاد الدرامى» بين الشخصيات المتقابلة: لير مقابل جلوستر (طارق الدسوقى)، حيث يُعطى الأول بصره الطبيعى ويفتقد البصيرة الإدراكية، بينما يفقد الثانى حاسة الإبصار ليكتسب بصيرة ميتافيزيقية، هذا التضاد يعكس التوازن بين التجربة الحسية والتجربة الروحية.كذلك فى ثنائيات الشخصيات الأخرى - الابنتان جونريل (أمل عبدالله) وريجان (إيمان رجائى) فتمثلان وجهين لعملة الخداع والنفاق، وفى ثنائية أخرى يبرز الصراع بين الأخوين إدموند (أحمد عثمان) وإدجار (تامر الكاشف) ابنى جلوستر، فإدموند الابن غير الشرعى الذى ظل أبوه يذكره بوصمة العار على الملأ، بينما يكنّ حبًا صامتًا لإدجار الوريث الشرعى فتشتعل نار الحقد فى صدر إدموند ليحيك المؤامرات ضد أخيه فيفر إدجار مطاردًا لكنه يظل وفيًا فى النهاية، وينكشف زيف إدموند ويسقط قتيلًا على يد أخيه فى دلالةٍ صارخةٍ على أن الشر لا بد أن ينال جزاءه، وتكتمل الثنائيات بإدجار وكورديليا (لقاء على حسن) الضحيتان البريئتان، فكلاهما يحمل عبء ظلم الأب، سواء كان لير أو جلوستر، وكلاهما طُردا من قلوب آبائهما وممالكهما لكنهما ظلا يحملان الحب الأصيل الخالى من التملق والطمع ليجسدا بذلك نقاء الروح الإنسانية فى مواجهة قسوة العالم، وبين الخطاب المعلن والدوافع اللاواعية، لشخصية إدموند، فى ضوء تحليل ألفريد أدلر، تمثل «عقدة الدونية/النقص» التى تتحول إلى طاقة عدوانية عبر آليات التعويض المفرط حيث يدفعه نسبه غير الشرعى إلى إعادة صياغة مكانته عبر المؤامرة والإقصاء، بينما كورديليا بالمقابل والتى تجسد «الأنا المثالية» فى بنيتها الفرويدية، لكنها تسقط فى مأزق «التصلب الأخلاق» الذى يجعلها عاجزة عن التكيف مع الشروط البراغماتية للبقاء فى نظام فاسد.ويمكن ملاحظة ثنائية أخرى بين (دوق كورنوول) محمد العزايزى زوج ريجان و(دوق ألباني) زوج جونريل طارق شرف، وتطلع الأول للملك، وسكوت الثانى عن خطايا زوجته إلى أن كان المحرض الأخير لانقلابه على زوجته هو خيانتها له مع إدموند والتحريض على الخلاص منه وقتله، أما ثنائية (إدجار) فى مقابل (البهلول) عادل خلف، حيث انهيار النظام الاجتماعى، يصور سرور فى العرض مدى الهشاشة الكامنة فى نظام السلطة، فشخصية البهلول تمثل صوت الطبقات الدنيا التى تنتقد السلطة بسخرية، مما يشكك فى شرعية التسلسلات الهرمية الاجتماعية، تلك الثنائيات التى نسجها شكسبير، وذهب إليها سرور فى رؤيته، ما بين البصر والبصيرة، بين الشرعية والنبذ، بين الحب والسلطة، تذكرنا بأن صراع الملك لير ليس حدثًا تاريخيًا، بل هو جرح مفتوح فى جسد الحضارة الإنسانية، فما نشاهده على خشبة المسرح ليس مجرد دراما، بل مرآة نرى فيها انعكاسنا نحن: بشرٌ عرضة للضعف والخيانة، لكننا أيضًا قادرون على التمرد على هذا المصير لو امتلكنا الشجاعة لرؤية الحقيقة.ومن ناحية القراءة الاجتماعية للعرض/النص، تضع شخصية البهلول فى موضع «الناقد المقموع» الذى يفضح انحراف السلطة عبر آليات السخرية، فالحقيقة المعرفية قد تتجسد فى القاع الاجتماعى لا فى قمته، ما يشكك فى شرعية التسلسل الهرمى ذاته، هذا البُعد يعكس ما يسميه بيير بورديو بـ«إعادة إنتاج العنف الرمزى»، حيث تتقاطع السلطة السياسية مع الأطر الاجتماعية لتكريس الفساد.ويتعزز هذا التشكيك من خلال شخصية إدجار عندما يتنكر فى شكل «توم الشحاذ»، ليؤكد أن الحقيقة غالبًا ما توجد فى أسفل السلم الاجتماعى. فالمجتمع فى المسرحية يعكس انفصامًا عميقًا بين الخطاب الرسمى المليء بالطقوس الفارغة والحقائق المرة التى تطفو على السطح، وهو ما يجسد أزمة الحضارة الإنسانية حين تفقد القدرة على التمييز بين المظهر والجوهر، فالسلطة فى عالم لير ليست مسؤولية بل غنيمة عمياء تتحول إلى لعنة على حامليها قبل ضحاياها.وفى سياق التحليل النفسى، يعتبر فقدان جلوستر لبصره استعارة نفسية عن انتقال مركز الإدراك من «المستوى الحسي» إلى «البصيرة الإدراكية»، وهو ما يتوازى مع تحول ألبانى من حالة «الخمول الأخلاقي» إلى ممارسة الفعل القيادى بعد اختراق حجب الإنكار المعرفى، فى المقابل، يموت البهلول فى لحظة دالة على «انهيار الخطاب الهزلي» أمام واقعية المأساة العارية، ما يبرهن على أن الوظيفة النقدية للكوميديا السوداء غير قادرة على إحداث توازن حين يهيمن «الهو» الفرويدى على بنية الفعل الدرامى.ولم يقتصر العرض على النص والأداء، بل اهتم بالعناصر الفنية الأخرى، وكان للمكياج الذى أبدعه إسلام عباس دور حاسم فى إبراز فرادة كل شخصية، إذ لم يقتصر على رسم ملامحها الخارجية فحسب، بل امتد إلى تجسيد أعماقها النفسية، فوجه كورديليا بدا ناعمًا مشرقًا يشع بالبراءة فى مقابل ملامح أختيها المشدودة القاسية، وملامح إدموند حملت حدة الطموح والغدر على النقيض من وجه أخيه إدجار الذى اتسم بالهدوء والنبل، أما الفقراء فقد تجسدت على وجوههم قسوة العوز وشظف العيش، بينما ظل البلاط الملكى يتزين بمكياج يشى بالفخامة والترف، وبلغ المكياج ذروته الفنية فى مشهد فقأ عينى جلوستر، حيث جاءت الحيلة الإخراجية مدهشة ومقنعة، لتصدم الجمهور بلحظة الفقد القاسية وتغمسهم فى قلب المأساة.هذا المزيج الفنى بدى واضحًا فى أن المخرج يسعى إلى تقديم عرض يعتمد على ثنائية المزج بين الجلال الكلاسيكى للنص وقوة الصورة المسرحية المعاصرة، حيث يوظف شادى سرور تصميم حمدى عطية للديكور والشاشات الخمس باعتبارها امتدادًا لـ»الوسيط الإدراكي» فى العصر الرقمى، حيث تتحول المأساة من تجربة نصية إلى حدث بصرى متزامن مع أنماط التلقى المعاصرة، هذه المقاربة تُخضع النص الشكسبيرى إلى آلية «المحاكاة الافتراضية» التى تجعل انهيار لير على الخشبة متطابقًا مع مشهد الانهيارات السياسية والاجتماعية التى يستهلكها المتلقى يوميًا عبر شاشاته، بحيث تقدم أحيانًا خلفيات مكانية وزمنية، وأحيانًا أخرى توازى أو تعكس ما يحدث على خشبة المسرح، فاختيار هذه التقنية يعكس رغبة فى خلق مستويات متعددة من التلقى، بحيث لا يقتصر المشاهد على متابعة أداء الممثلين، بل يدخل فى تجربة بصرية مركبة، فتصبح امتدادًا للعقل الجمعى المعاصر، حيث تتحول تراجيديا شكسبير إلى واقع افتراضى مسرحى، مع الديكور المسرحى المكمل، فى ربط بين العالم الرقمى المعاصر وزمن العرض، محافظًا على الطراز المسرحى الأصيل من خلال عمل ديكورات منحوتة بواسطة (مصطفى التهامي) لأعمدة القصور المتعددة وكذلك بعض الموتيفات فى مشهد الغابة مثل جزع الشجرة التى اتكأ عليها لير وجلوستر والكوخ الذى بدا وكأنه مصنوع من خشب، وهنا يؤكد مصمم الديكور على التأكيد على المزج بين الأصالة والمعاصرة فى رؤيته للتصميم.وتكتمل الصورة الجمالية بالأزياء التى صممتها علا على متناغمة مع روح النص، محافظة على الطابع الملكى الكلاسيكى بما يحمله من جلال وهيبة، ومع ذلك فقد انساب فيها قدر من التبسيط ليمنح الممثلين حرية الحركة ويسمح بانسياب الإيقاع بين تنقلات المشاهد، ومع لمسات تصميم الإكسسوارات اكتملت هوية بصرية للعرض، حيث حافظت على المهابة الملوكية وفى الوقت نفسه أزاحت الستار قليلًا عن الجانب الإنسانى الكامن خلف القشرة السلطوية، وهو ما انسجم مع رؤية شادى سرور فى إبراز الثنائيات المتعارضة، فبدت الصورة المسرحية قادرة على التعبير البصرى عن الفوارق الطبقية بين فخامة البلاط وملابس الخدم والحاشية، وبين بساطة هيئة الفقراء والمعدمين الذين التفّت أجسادهم بقماش خفيف حيادى اللون أقرب إلى لون التراب، فى إيحاء مباشر بارتباطهم بالأرض وضيق ذات اليد، بينما ارتدى الجنود أزياء يختلط فى صناعتها الجلد البنى بخشونته وصلابته، لتضيف إلى حضورهم ملمح القوة والانضباط.وتتكامل الصورة الفنية بإضاءة محمود الحسينى وتميزها بانسيابيتها مع التحولات الدرامية، فبدت فى لحظات الملك، وهو فى قمة سلطته مضاءة بألوان دافئة ومركزة، بينما انخفضت نحو البرودة والظلال فى مشاهد الانكسار والعاصفة، هذه العناية بالإضاءة تؤكد أن العرض أراد أن يضع المشاهد فى حالة وجدانية تتبدل مع تطور أحداث العرض، حيث رسم الحسينى لحظات فارقة بخطوط حادة تحمل دلالات عاطفية وبصرية عميقة، فمشاهد إدموند على سبيل المثال غمرها الأحمر كأن الدم يسيل فى خلفية الحدث، بينما أضاء المسرح بوعى متجنبًا الإفراط أو خلق حالات مصطنعة، رغم ما تتيحه خشبة المسرح القومى من تجهيزات تقنية متقدمة، فجاءت الرؤية الإخراجية بسيطة عن قصد، توظف الإمكانات بحس مدروس، مدركة أن للشاشات حضورًا ضوئيًا ذاتيًا يسهم فى إنارة المشاهد، مع توظيف مقصود للألوان بما يتماشى مع طبيعة الحدث وروح المشهد، وتنوعت الإضاءة بين حدّة الخطوط و مسحات الألوان التى انسجمت مع أزياء الشخصيات الزاهية، فوفرت للعين راحة بصرية، وفى الوقت نفسه منحت العمل ذلك البعد الدرامى الذى يعزز إحساس المتفرج ويضاعف أثر اللحظة المسرحية.أما أحمد الناصر، فقد جعل من موسيقاه شخصية مسرحية من لحم ودم حقيقى، حيث تتأرجح بين مقطوعات ذات طابع سيمفونى يليق بفخامة المشهد، وأخرى أكثر انسيابية تركز على الجانب العاطفى، حيث جاءت بعض الموسيقى كجنودًا تحيى الملك، وفى مشاهد أخرى كانت شخصية متآمرة تصاحب مكائد إدموند، فلقد استخدم الناصر الآلات الغربية بذكاء لتعزيز التوتر فى المشاهد، مثل لحظة التواطؤ ضد جلوستر وخلع عينيه، فكانت الآلة الموسيقية هى وتر الحب المبتور فى لحظات ندم لير على فقدان كورديليا، كذلك لحظات صدمته فى ابنتيه الأخرين، فلقد لعبت الموسيقى دورًا مكملًا للمشهدية، حيث أضفت على الحدث المسرحى عمقًا فى الصورة والإحساس ما جعلها أداة موازية فى التعبير عن الحالة الدرامية.لعطى (ضياء شفيق) كيروجراف العرض احساسًا متدفقًا للمعنى من خلال الحركة المتناغمة مع الشخصيات فى المشاهد الموسيقية، وفى مشاهد اخرى مثل المبارزة والحرب كان للدراما الحركية نصيبًا فى التأكيد على الحدث.فلقد جاء العرض فى مجمله منضبطًا، مع توزيع محسوب فى كل عناصره، مما جعل المتفرج يعيش مع الشخصيات تحولاتهم النفسية والسياسية.وفى الختام، لا تُختزل الملك لير فى كونها مجرد تراجيديا عن ملكٍ خَدَعَتهُ كلمات بناته، بل هى صرخة وجودية تلامس أعمق مخاوفنا، إنها تجسد الانهيار الكامل للإنسان عندما تنقلب موازين القيم رأسًا على عقب، فيحفر شكسبير فى أعماق النفس البشرية، كاشفًا عن التصدع الأخلاقى الذى ينشأ عندما تتحول السلطة إلى غنيمة، والحب إلى سلعة، والعلاقات الإنسانية إلى ساحة خداع وانتقام، لكن القوة الحقيقية لهذا العمل تجلت فى العرض المسرحى الذى قدمه المخرج شادى سرور فى تقديم قراءة إخراجية معاصرة للنص، لا تكتفى بنقله من الورق إلى الخشبة، بل تربطه بواقعنا الذى يغمره العنف والزيف، لتكمن قوة «الملك لير» فى أنها تظل، بعد مرور أربعة قرون، نصًا يحفر فى أعماقنا ويسأل ضمائرنا، ويجبرنا على مواجهة ذلك السؤال الأبدي: ماذا يتبقى من الإنسان حين تتهاوى كل أقنعته؟ وأعتقد أن هذا هو سر بقاء لير ليومنا هذا.