تعد مسرحية «مأتم السيد الوالد» للمخرج والمؤلف العراقي مهند الهادي، وبطولة نخبة من نجوم الفرقة الوطنية للتمثيل، واحدة من الأعمال التي تمثل «المختبر المسرحي العراقي». قدمت ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي (الدورة 16 - القاهرة 2026) على مسرح السلام.يمثل العنوان «مأتم السيد الوالد» عتبة نصية مهمة مشحونة بالدلالات المتناقضة؛ فهو يجمع بين طقس المأتم الذي يحيل إلى النهاية والفقد، وبين صفة «السيد الوالد» التي تشير إلى الهيبة، الأبوية، والسطوة الممتدة حتى بعد الوفاة. يثير العنوان في نفس المتلقي حالة من التوجس الأنطولوجي؛ فنحن لسنا أمام موت عابر، بل أمام «مؤسسة» تنهار. كلمة «السيد» تضفي قداسة ومكانة تتجاوز الرابطة الأسرية إلى السلطة، أي سلطة. هذا العنوان يضع القارئ للبوستر/المشاهد للمسرحية أمام تساؤل جوهري قبل أن يبدأ العرض: هل نحن بصدد رثاء لهذا الأب، أم نحن بصدد محاكمته؟ وهل المأتم هو لدفن الجسد أم لدفن حقبة كاملة من التسلط؟ إن العنوان هنا يعمل كفخ ذهني، يجر المتلقي من منطقة التعاطف الجنائزي إلى منطقة المساءلة التاريخية. كما يحمل العنوان صبغة تقريرية لكنها محملة بشحنات سيميائية مكثفة. المأتم طقس جنائزي لرحيل أحد أفراد الأسرة، ويتحول تدريجيا إلى هو فضاء للمساءلة. تتحول خشبة المسرح من فضاء للحكي إلى منصة للتشريح السيكولوجي والسياسي. في هذه المسرحية، لا يكتفي العرض بتقديم حكاية عائلة تعيش حدادًا أو فقدًا للوالد، بل يقدم إبستمولوجيا القمع؛ كيف يُصنع المستبد، وكيف يظل حيًا في حيوات ضحاياه حتى بعد موته.إننا أمام رؤية إخراجية ترفض السرد الخطي، وتعتمد تفكيك البنية لإعادة تركيب وعي المتلقي. تتجلى في العرض ملامح مسرح القسوة الذي يواجه الجمهور بحقائقه المرة، مستخدماً قسوة في اللغة المسموعة وفي اللغة البصرية التي تختزل سنوات من الوجع، لتصيغه في قالب كوني يتحدث عن صراع الأجيال، وتكلس السلطة، وهشاشة الإنسان حين يجد نفسه فجأة أمام حرية لم يتدرب عليها، لأن السيد الوالد كان يفكر ويقرر ويحيا نيابة عنه.الوالد في المسرحية ميت جسدياً، غياب يعزز الحضور، صورته المعلقة تهيمن على الفضاء وفي المركز والعمق، مما يخلق صراعًا بين جيل يحاول التحرر وجذوره التي اكتشف أنها غير ثابتة في أصل الشجرة.اعتمد مهند الهادي على بنية درامية مكثفة، حكاية عائلة – وطن - يدور في فضاء المسرح، غرفة دوارة تظهر بنية تكرارية متعمدة. وفي كل يوم تنكشف طبقة جديدة من الزيف أو الحقيقة. هذا التكرار يوظف لتعميق الإحساس بالعبث والحصار الزماني والمكاني الذي يعيشه الإنسان تحت وطأة الأنظمة الأبوية. تظهر الشخصيات بوجوه مزدوجة؛ الوداعة والطاعة في حضرة «هيبة الأب»، والوحشية والانكسار في غيابه، مما يعكس شيزوفرينيا المجتمع الواقع تحت القمع. ينتقل الممثلون بين حالات الثبات والحركة السريعة، وكأن العرض يُمنتجج حيًا أمام الجمهور. وهو ممارسة للتغريب البريختي لكسر الإيهام، ويجعل المتلقي في حالة نقدية يقظة، يحلل مواقف الشخصيات، وفي لحظات معينة، تذوب الفوارق الفردية ويؤدي الجميع حركة واحدة أو صوتًا واحدًا، مما يوحي بأن المصير جماعي والخطأ مشترك.الفضاء الأسود والملابس السوداء والديكور المتحرك والإضاءة الخافتة والظلال وكل عناصر السينوغرافيا في «مأتم السيد الوالد» لم تكن مجرد خلفية، بل كانت بطلا بصريا، فاستخدام جدران تتحرك وتدور يكشف ما خلفها، كما اعتمد العرض على التضاد الحاد بين الظلام الدامس والبقع الضوئية المركزة، مما عزز أجواء العزلة والخواء النفسي. هذه الهيمنة للسواد في جعلت من المأتم حالة وجودية مستمرة لا مجرد حدث عابر.تتجلى ذروة المأساة في المسرحية حين تتحول لحظة المأتم من فرصة للوحدة والمؤازرة إلى سوق للمقايضة وشهوة محمومة للتقسيم. الشخصيات بدت عاجزة تمامًا عن صياغة مفهوم (نحن)، فغلب عليها (الأنا) الضيقة. هذا العجز عن التعاون يعكس أزمة شعوب بأكملها لم تتعلم كيف تدير حياتها بعيدًا عن سلطة المركز. وفي تلك اللحظة الفارقة، تنفجر ضحكة الأب الساخرة عبر الفيديو في نهاية العرض، معلنًا بصوت مدو أن الحكاية ستستمر إلى ما لا نهاية. هذه الضحكة هي صك ملكية الأب للمستقبل؛ فهو يدرك أن أبناءه لم يتحرروا منه، بل إنهم بإصرارهم على التقسيم والتشرذم، يطبقون حرفياً وصيته غير المكتوبة في (فرق تسد). ورغم أن كلمات الأب في الفيديو جاءت بلهجة عراقية موغلة في الصعوبة والغموض لغير العراقيين، إلا أن «نبرة» الصوت، وجهامة الصورة، وتوقيت الضحكة، أوصلت المعنى: أن الطغيان إرث ينتقل بالعدوى، وأن الحكاية لن تنتهي ما دام الضحايا يعيدون إنتاج قيودهم.في واحدة من أقسى لحظات العرض، يواجه الأبناء حقيقتهم العارية، إنهم بلا جذور. هذا الاكتشاف ليس مجرد فقدان للأصل العائلي، بل هو ضياع للهوية الوجودية. لقد اكتشفت الشخصيات أن الأب لم يزرع فيهم كياناً مستقلاً، بل جعلهم مجرد طفيليات تقتات على ظله. عندما غاب الظل، وجدوا أنفسهم معلقين في الفراغ، بلا أساس تاريخي أو قيمي يستندون إليه. إن حالة اللاجذور التي صورها العرض ببراعة، تعكسحالة التيه التي يعيشها الإنسان حين يكتشف أن كل ما كان يؤمن به من ثوابت لم يكن سوى أوهام صنعها «السيد الوالد» ليضمن ولاءهم. هذا الانكسار النفسي جعلهم في حالة تخبط، يبحثون عن مخرج فلا يجدون سوى الانغلاق على الذات ومحاولة الاستحواذ على ما تبقى من حطام المكان.لا يمكن إغفال التحدي الذي واجهه الجمهور غير العراقي في فهم الحوار الغارق في المحلية والألفاظ الشعبية العراقية شديدة الخصوصية. لقد طغت هذه المحلية في بعض المفاصل على فهم التفاصيل الدقيقة للمغزى من الحوار المنطوق، مما خلق نوعًا من المسافة اللغوية بين العرض والمتلقي. ومع ذلك، فإن هذه الصعوبة اللغوية تحولت إلى عنصر فني بطريقة غير مباشرة؛ فقد أجبرت المشاهد على تفعيل حواسه الأخرى، والتركيز على سيميائية الحركة وعمق الإيماءة. إن عدم وضوح كلمات الوالد في الخاتمة بسبب اللهجة، قد يفهم على أنه رمز لضبابية السلطة وعدم قدرة المحكومين على فهم منطق الحاكم، حتى وهو يضحك على مصيرهم. حيث تحولت الصرخة، والضحكة، والهمس، إلى لغة بديلة تتجاوز حدود المفردات لتصل إلى جوهر المأساة الإنسانية. لم يكتف المخرج بحضور الوالد كفكرة، بل جسده مادياً عبر مستويين بصريين غاية في التعقيد. عن طريق ماكيت خشبي (الأب الجامد) وبالحجم الطبيعي يتوسط الشخصيات على الكنبة يمثل ذروة التشييء للسلطة الأبوية. إنه جثة رمزية ثقيلة تجلس بين الأحياء، تضيق عليهم الخناق وتمنع تواصلهم الحميم. هذا الماكيت هو تجسيد للموروث الصلب الذي لا يتزحزح، والذي يراقب التفاصيل اليومية الصغيرة للعائلة، محولاً المنزل إلى زنزانة متحركة بوجود كيان خشبي لا يشعر ولكنه يفرض حضوره القسري. وفي الختام، تتحول صورة الوالد الثابتة في صدر المسرح إلى كائن غير مرئي من الشخصيات ويراقبهم، يتكلم ويضحك بسخرية. هذا التحول الفني يعلن أن المستبد لا يموت بوفاة جسده. الضحكة الساخرة والصوت المدوي هي إعلان عن الديمومة؛ ديمومة الفكرة والأثر والقمع. فالخاتمة تأتي من فيديو للسيد الوالد بصوته المدوي يغطي على صوت الشخصيات ويزعج آذان المشاهدين، وكأن الصوت موجه للمشاهدين فقط دون أن تسمعه الشخصيات. تتجلى عبقرية «مأتم السيد الوالد» في تلك اللحظة التي يختلط فيها الواقع بالوهم؛ حين تتحرك الوالد المتوفى في الصورة ويضحك بسخرية واستنكار. إنها صرخة فنية تعلن أن التحرر الحقيقي ليس في إقامة المآتم، بل في تفتيت ذلك الماكيت الخشبي القابع في عقولنا.لقد قدم المسرح العراقي في القاهرة عرضًا موفقًا من خلال تحويل المحلية الضيقة بلهجتها وتعقيداتها إلى فضاء كوني يمس كل إنسان يعاني من سطوة التاريخ أو جبروت السلطة. تتركنا المسرحية أمام سؤال مفتوح ومؤلم: هل رحل الأب فعلاً؟ أم أننا، عبر طقوس المأتم، قمنا بإعادة تدويره وتكريسه من جديد؟ إنها مسرحية لا تنتهي بانتهاء زمن العرض، بل تبدأ في لحظة خروجنا من القاعة، محملين بأسئلة الهوية والمصير، ومنشغلين بالواقع الذي نعيشه وربما لم نكن نراه بهذه الصورة القاتمة، وهو أسمى ما يمكن أن يحققه المسرح المعاصر.في ختام هذا العرض، نكتشف أن «مأتم السيد الوالد» أنه لا يجد خلاصًا (تطهيريًا) أرسطيًا سهلًا، بل يتركنا في مواجهة مع ذواتنا المشوهة وواقعنا المحكوم بإرث التبعية. لقد نجحت المسرحية في تحويل المأتم إلى مرآة، حيث كل واحد منا هو ذلك الابن الذي يحاول دفن السيد الوالد القابع في تلافيف عقله الباطن. إن القيمة الفنية والجمالية لهذه المسرحية تتجاوز براعة السينوغرافيا وحرفية الأداء، لتستقر في قدرتها على زعزعة اليقين وتحفيز التفكير النقدي لدى مشاهديها.