العدد 973 صدر بتاريخ 20أبريل2026
فى عصر تتسارع فيه التحولات التعليمية وتزداد فيه التحديات، لم يعد تطوير المناهج محصورًا فى تحديث المعلومات، بل أصبح مرتبطًا بالبحث عن أساليب تعليمية مبتكرة تحفز التفكير وتنمى الإبداع، وتحوّل الطالب من متلقٍ سلبى إلى عنصر فاعل فى العملية التعليمية. وفى هذا السياق، يبرز المسرح المدرسى ومسرحة المناهج كأدوات تربوية حديثة تهدف إلى إعادة الحيوية للفصول الدراسية عبر دمج الفن بالتعليم، وخلق تجربة تعليمية قائمة على المشاركة والفهم العميق بدل الحفظ والتلقين.
فالمسرح المدرسى لم يعد نشاطًا هامشيًا أو ترفيهيًا، بل أصبح وسيلة لبناء شخصية الطالب معرفيًا ووجدانيًا وسلوكيًا، عبر تعلم مهارات التعبير والحوار والانضباط والعمل الجماعى، واكتساب الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الجمهور. كما يتيح المسرح اكتشاف المواهب المبكرة فى مجالات التمثيل والكتابة والإخراج والتنظيم الفنى. وفى الوقت نفسه، تمثل مسرحة المناهج نموذجًا تعليميًا متقدمًا، يحوّل الدروس إلى مواقف تمثيلية مشوقة، تجعل المعرفة حية فى ذهن الطالب، وترسخ القيم التربوية والإنسانية عبر الممارسة العملية، لا الاكتفاء بالمعلومة النظرية.
من خلال هذا التوجه، يتحول الفصل إلى مساحة للتجريب والحوار، ويصبح الطالب مشاركًا فى صناعة المعرفة، بينما يتحول المعلم إلى ميسر ومرشد للعملية الإبداعية، بما يتوافق مع فلسفات التعليم الحديثة القائمة على التعلم النشط والمشاركة.
وبين طموحات التربويين، وتجارب الكُتّاب والمخرجين، ورؤى المعلمين والموجهين والمتخصصين الذين آمنوا بدور المسرح كوسيلة تعليمية مؤثرة، يفتح هذا التحقيق ملف المسرح المدرسى ومسرحة المناهج، فى محاولة لرصد أهميتهما التربوية والتعليمية، واستعراض نماذج وتجارب واقعية، والتعرف على أبرز التحديات التى تعوق انتشارهما، سواء على مستوى الإمكانات أو الوعى أو التخطيط، إلى جانب البحث فى مدى إمكانية أن يصبح المسرح المدرسى جزءًا أصيلًا من المنظومة التعليمية، لا مجرد نشاطٍ هامشى.
كما يسعى التحقيق إلى الإجابة عن تساؤلات مهمة، من بينها: هل يمكن لمسرحة المناهج أن تعيد للطالب شغفه بالتعلم؟ وهل يستطيع المسرح المدرسى أن يسهم فى بناء جيل أكثر وعيًا وثقافة وقدرة على التعبير؟ وما المطلوب لتفعيل هذه التجارب بشكل مؤسسى ومستدام داخل المدارس؟
أسئلة نحاول الاقتراب من إجاباتها من خلال شهادات وآراء عدد من الكُتّاب والتربويين وصناع مسرح الطفل والمسرح التعليمى، الذين يقدمون رؤى مختلفة حول واقع المسرح المدرسى اليوم، ومستقبله، ودوره فى استعادة روح التعليم القائم على الإبداع، لا الحفظ فقط، وعلى الفهم، لا التلقين، وعلى المشاركة، لا العزلة.
محمد ناصف: المسرح منصة للتعلم النشط، الذى يتجاوز حدود الفصول التقليدية
يرى الكاتب المسرحى محمد عبد الحافظ ناصف أن المسرح المدرسى فى مصر يعيش واقعًا تسابقيًا بالدرجة الأولى، إذ يقتصر دوره على المسابقات فى فروع مثل الإلقاء والمونودراما ومسرح المناهج، حيث يتدرب الطلاب طوال العام على فرع معين ثم يشاركون على مستويات الإدارة والمديرية والجمهورية، وينتهى العرض مباشرة بعد الفوز. ويؤكد ناصف أن هذا النموذج يحتاج إلى إعادة نظر، فالمسرح يجب أن ينتقل من مجرد اكتشاف المواهب إلى تقديم عروض حقيقية ومستمرة تُعرض للطلاب والجمهور، بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة فى مختلف الأقاليم، لتصبح التجربة التعليمية والفنية أداة لاكتشاف المواهب ونشر رسائل توعوية وتربوية مهمة.
ويصف ناصف المسرح بأنه نشاط شبه متكامل يجمع بين الأدب والفن، من نص مكتوب وغناء وتمثيل وإخراج وسينوغرافية واستعراضات، مؤكدًا أن المسرح ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل منصة للتعلم النشط، الذى يتجاوز حدود الفصول التقليدية، ويعزز القيم الإيجابية، ويكتشف المواهب، ويحقق العدالة الثقافية والفنية.
ويشير ناصف إلى أنه لديه تجربة واسعة فى هذا المجال، فقد عمل مدرسًا للغة الإنجليزية، واستخدم أسلوب الـRole Play لتوصيل الأفكار، كما كتب نصوصًا للزملاء باللغة العربية والإنجليزية، من بينها: السبورة الغاضبة، النهر، علقة تفوت، مش حابة أسمى. وقدمت بعض هذه النصوص لاحقًا على مسارح الهيئة العامة لقصور الثقافة، محققة مستوى قريبًا من العروض الرسمية رغم قلة الإمكانيات، بالإضافة إلى نصوص تعليمية مثل: يد فى يد وشمس الشموس وبرنيطة للأرض، التى دمجت بين التعليم والمسرح، بما يضع الكاتب أمام تحدى كتابة النص وربطه بالمناهج فى الوقت نفسه.
كما يشير ناصف إلى أن الإخصائى المسرحى، خريج كلية التربية النوعية، أصبح نادر التعيين فى المدارس، ويطالب وزارة التربية والتعليم بتنظيم مسابقات لمعلمى الأنشطة وخريجى كليات التربية النوعية، مع التأكيد على أن المشرف المسرحى يجب أن يكون قادرًا على إدارة جميع الفروع المسرحية وتحقيق التوازن بين الهدف التربوى وجماليات العرض لجذب الأطفال.
ويؤكد ناصف أهمية دور الكتاب والمبدعين: «أدعوهم للعمل ككتاب ومخرجين مع المدارس، وتيسير الإمكانيات لإنتاج عروض أسبوعية لتلاميذ المدارس بالتعاون مع قصور الثقافة، ودعوة أولياء الأمور لمشاهدتها، بدلًا من اقتصارها على المسابقات فقط».
ويختم ناصف رؤيته لمستقبل المسرح المدرسى فى مصر بقوله: «المسرح المدرسى عجينة لينة يمكن تطويرها لتصبح اللبنة الأساسية لبناء مسرح قوى. إذا دعمنا المسرح المدرسى كتابًا وفنانين ومسؤولين وتربويين، يمكن خلق حالة دعم حقيقية. على سبيل المثال، لو ساهم كل تلميذ من بين 18 إلى 20 مليون تلميذ بجنيه واحد فقط، لتم توفير عشرات الملايين لدعم أنشطة المسرح، فتختلف الصورة تمامًا».
د. محمد عبد المنعم: المسرح المدرسى ومسرحة المناهج.. ركيزة لاكتشاف المواهب وبناء الوعى الجمالى
يرى الأستاذ الدكتور محمد عبدالمنعم - المخرج المسرحى وأستاذ التمثيل والإخراج بجامعة الإسكندرية، عضو نقابة الممثلين وعضو اتحاد كتاب مصر ورئيس فرع المنظمة العالمية للشعر فى أفريقيا - أن واقع المسرح المدرسى فى مصر يتسم بالتباين وعدم الاستقرار؛ حيث تتجاور تجارب ناجحة استطاعت أن تحقق حضورًا لافتًا، مع أخرى تعانى من الجمود وضعف الإمكانات. ويرجع ذلك - فى تقديره - إلى جملة من التحديات، من بينها غياب المسارح المجهزة داخل كثير من المدارس، ونقص الكوادر المتخصصة فى مجالات الإخراج والتدريب المسرحى، إلى جانب غياب التخطيط المؤسسى المستدام، إذ يرتبط النشاط المسرحى فى أحيان كثيرة بجهود فردية أكثر من ارتباطه برؤية تعليمية متكاملة.
ورغم هذه التحديات، يؤكد أن مسابقات المسرح المدرسى تكشف من حين إلى آخر عن نماذج واعدة وطاقات فنية متميزة، بما يعكس الإمكانات الكبيرة الكامنة فى هذا المجال، والتى تحتاج فقط إلى تفعيل منهجى ورعاية مؤسسية جادة.
ويشدد على أن المسرح المدرسى يمثل البوابة الأولى لاكتشاف المواهب وصقلها، كما يسهم فى إعداد جيل جديد من الفنانين والمبدعين، شريطة توافر بيئة تعليمية وثقافية داعمة. فالمسرح، بحسب رؤيته، ينمى لدى الطلاب مهارات متعددة، مثل القدرة على التعبير، وتعزيز الثقة بالنفس، والعمل الجماعى، وتنمية الخيال، فضلًا عن كونه قاعدة تمهيدية للالتحاق بالدراسة الأكاديمية المتخصصة فى أقسام المسرح بالجامعات، أو بأكاديمية الفنون، أو بكليات التربية النوعية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرهونًا بتوفير برامج تدريبية مستمرة، وإشراف متخصصين، وربط النشاط المدرسى بمسارات احترافية واضحة.
ويؤكد أن الاكتشاف المبكر للمواهب المسرحية يمثل استثمارًا بعيد المدى، تتجلى أهميته على مستويات عدة؛ فعلى المستوى التربوى يسهم فى بناء شخصية متوازنة قادرة على التعبير عن ذاتها، وعلى المستوى الفنى يتيح التدريب المبكر فرصًا أكبر لتكوين أدوات أدائية راسخة، بينما يسهم اجتماعيًا فى الحد من العزلة وتعزيز روح التعاون. ويضيف أن هذا المسار يضمن استمرارية الحركة المسرحية عبر إعداد أجيال متعاقبة، موضحًا أن الاكتشاف المبكر لا يعنى التعجيل بالاحتراف بقدر ما يعنى تأسيس ذائقة فنية واعية.
وفى ما يتعلق بآليات الربط بين المسرح المدرسى والحركة المسرحية الاحترافية، يشير إلى أهمية بناء جسور مؤسسية بين المدارس والجامعات وأكاديمية الفنون والمعاهد المتخصصة، إلى جانب استضافة مخرجين محترفين للإشراف على العروض المدرسية، وتنظيم مهرجانات مشتركة تجمع الفرق المدرسية بالمحترفة، وإتاحة الفرصة للطلاب لمشاهدة العروض الاحترافية وتحليلها. كما يلفت إلى ضرورة تبنى برامج لرعاية الموهوبين تتيح انتقالهم التدريجى من الهواية إلى الاحتراف، بما يحول المسرح المدرسى من مجرد نشاط ترفيهى إلى مسار تكوينى حقيقى.
ويستعرض الدكتور محمد عبد المنعم عددًا من التجارب الدولية التى يمكن الاستفادة منها فى هذا المجال، مثل التجربة البريطانية التى اعتمدت على دمج المسرح فى العملية التعليمية، والتجربة الأمريكية التى وفرت مسارات واضحة للانتقال من المدرسة إلى الجامعة، فضلًا عن التجربة الفنلندية التى توظف المسرح فى تنمية التفكير النقدى، والتجربة اليابانية التى تركز على قيم الانضباط والعمل الجماعى، وهو ما ينعكس إيجابيًا على جودة العروض.
كما يلفت إلى أن «مسرحة المناهج» تمثل إحدى الأدوات الفاعلة فى تطوير العملية التعليمية، إذ تسهم فى تحويل المعرفة النظرية إلى خبرة تطبيقية حية، وتنشط الذاكرة من خلال التمثيل والحركة، وتشجع المشاركة الفاعلة بدلًا من التلقى السلبى، فضلًا عن دورها فى تنمية مهارات التفكير النقدى والإبداعى، وتبسيط المفاهيم المعقدة، وربط المواد الدراسية بواقع الحياة. لكنه يشدد فى الوقت نفسه على أن نجاح هذا التوجه يتطلب إعدادًا جيدًا للمعلمين، وتوفير نصوص مناسبة، وتجنب تحويله إلى مجرد نشاط شكلى بلا مضمون تربوى.
ويختتم بالتأكيد على أن دعم المسرح المدرسى مسئولية مشتركة يمكن أن تضطلع بها المؤسسات الثقافية والجامعات من خلال تنظيم ورش تدريبية للطلاب والمعلمين، وإطلاق برامج دبلومات متخصصة، وتقديم الدعم المالى للعروض المتميزة، وتوفير مسارح مجهزة، إلى جانب تشجيع البحوث الأكاديمية وربط نتائجها بالتطبيق العملى داخل المدارس، وتفعيل بروتوكولات التعاون بين وزارات التعليم والمؤسسات الثقافية والجامعات.
ويؤكد فى ختام رؤيته أن تطوير المسرح المدرسى يتطلب تبنى رؤية استراتيجية شاملة قائمة على التكامل المؤسسى، باعتباره استثمارًا حقيقيًا فى بناء الإنسان، سواء كان طالبًا أو معلمًا، وفى تشكيل وعى جمالى وثقافى قادر على صناعة المستقبل.
عبده الزراع: مسرحة المناهج تعيد الاعتبار للمسرح المدرسى وتبنى وعيًا جماليًا لدى الطفل
يرى الشاعر وكاتب أدب الأطفال عبده الزراع - رئيس شعبة أدب الأطفال بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر- أن تراجع دور المسرح المدرسى خلال السنوات الأخيرة يرتبط بتراجع الاهتمام بالأنشطة الفنية داخل المدارس، مثل الموسيقى والرسم والقراءة الحرة والمكتبات والأنشطة الرياضية، وهى المجالات التى كانت تمثل الحاضنة الأولى لاكتشاف المواهب وصقل الحس الإبداعى لدى الطلاب. ويؤكد أن المسرح، باعتباره «أبو الفنون»، يحتاج إلى رؤية مؤسسية حقيقية تبدأ من دعم الإدارات التعليمية، وتخصيص ميزانيات مناسبة لإنتاج عروض مدرسية مبسطة تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة، إلى جانب تدريب مشرفى النشاط المسرحى على عناصر العمل المسرحى المختلفة، من إخراج وديكور وتمثيل وإدارة إنتاج.
ويؤكد الزراع أن النهوض بالمسرح المدرسى لا يمكن أن يتحقق دون وجود كوادر مؤمنة بدور المسرح التربوى والثقافى، وقادرة على التعامل معه بوصفه وسيلة راقية لتشكيل وجدان الطلاب، والارتقاء بمشاعرهم، وإعدادهم فكريًا وثقافيًا ليكونوا عناصر فاعلة فى بناء المستقبل.
وفيما يتعلق بمسرحة المناهج، يوضح أنها يمكن أن تمثل نقلة نوعية حقيقية فى العملية التعليمية إذا قُدمت فى إطار فنى جذاب يحترم قواعد الإبداع، مشيرًا إلى أن العرض المسرحى يمتلك قدرة خاصة على ترسيخ المعلومات فى وجدان الطفل، من خلال تكامل عناصره مثل الأغنية، وحركة الممثلين، والديكور، والإضاءة، وغيرها من أدوات التعبير الجمالى، وهو ما يجعل تأثيره أعمق وأطول بقاءً من أساليب التلقين التقليدية داخل الفصل الدراسى.
ويشير إلى تجربته الشخصية فى هذا المجال، حيث حاول تقديم نص مسرحى تعليمى فى إحدى المدارس الخاصة، إلا أن التجربة لم تكتمل بسبب تفضيل الإدارة لنصوص تعليمية مباشرة تفتقر إلى البعد الفنى، وهو ما دفعه إلى عدم تكرار التجربة فى هذا الإطار، رغم أن العديد من نصوصه المسرحية للأطفال قُدمت بالفعل على خشبة المسرح المدرسى، وكذلك فى كليات الطفولة المبكرة ومعهد فنون الطفل بأكاديمية الفنون.
ويفرق الزراع بين النص التعليمى التقليدى الذى يتسم غالبًا بالمباشرة والجمود، وبين النص المسرحى القائم على الخيال والمتعة، مؤكدًا أن تحويل المادة التعليمية إلى عرض مسرحى يجعلها أكثر جذبًا للطلاب وأكثر قابلية للفهم والاستيعاب، خاصة عندما يكون الطالب نفسه مشاركًا فى الأداء، وهو ما يعزز من قدرته على الفهم والتذكر ويجعل التجربة التعليمية أكثر تأثيرًا فى وعيه.
كما يشدد على أن المسرح المدرسى يمثل مساحة حقيقية لاكتشاف الطاقات الإبداعية لدى الأطفال، سواء فى الكتابة من خلال ورش التأليف، أو فى تصميم الديكور، أو فى التمثيل، حيث يتعلم الطالب من خلال هذه التجارب مهارات التعبير عن الذات، ومواجهة الجمهور، واكتساب الثقة بالنفس، إلى جانب تنمية حسه الجمالى وقدرته على التعامل مع المواقف المختلفة.
ويؤكد الزراع الحاجة إلى مشروع ثقافى وتعليمى متكامل لإعادة إحياء المسرح المدرسى، يقوم على إدراج مبادئ الفن المسرحى ضمن مناهج مبسطة، وتأسيس فرق مسرحية داخل كل مدرسة، مع تنظيم برامج تدريبية منتظمة للطلاب والمشرفين على حد سواء، إلى جانب توفير دعم مادى كافٍ لإنتاج عروض مسرحية على مدار العام، خاصة فى المناسبات الوطنية والاجتماعية، بما يعزز ارتباط الطلاب بالمسرح بوصفه وسيلة تعليمية وفنية مؤثرة.
وفى سياق متصل، يرى أن المسرح المدرسى يلعب دورًا مهمًا فى حماية وعى الطفل من السطحية الثقافية، من خلال تنمية ذائقته الفنية وتعميق قدرته على الفهم والتأويل، خاصة إذا تم توظيف التكنولوجيا الحديثة داخل العروض المسرحية بشكل واعٍ، بما يتناسب مع اهتمامات الأجيال الجديدة، ويجعل من المسرح وسيلة قادرة على الجمع بين المتعة والمعرفة، وتعليم الطفل قراءة الرموز والمعانى بعيدًا عن المباشرة والتسطيح التى تضر بجوهر الفن.
أشرف أبوجليل: المسرح المدرسى فى مصر بين جمود اللوائح وجهود المخلصين يحتاج إلى رؤية تعيد اكتشاف المواهب وتصنع المستقبل
يرى الشاعر أشرف أبوجليل، موجه عام المسرح السابق، أن المسرح المدرسى فى مصر يعيش ركودًا مستمرًا منذ أكثر من أربعين عامًا، نتيجة تولى قيادات لا علاقة لها بالمسرح المدرسى أو بالإبداع المسرحى. ويشير إلى أن الإدارة العامة للأنشطة الثقافية والفنية، التى تتبعها إدارة المسرح، لم يشغلها منذ أكثر من ثلاثين عامًا أى مبدع حقيقى، بل موظفون يقتصر دورهم على إرسال النشرات السنوية التى لم تتغير منذ عام 1992. أما النشرات المالية، فتعود إلى القرار الوزارى رقم 167 لسنة 1992، الذى يحدد أجر مخرج العرض بـ 20 جنيهًا لكل بروفة، وبحد أقصى 8 بروفات شهريًا، أى أن عميد المعهد العالى للفنون المسرحية يحصل على 160 جنيهًا شهريًا فقط إذا أراد إخراج مسرحية مدرسية.
ويؤكد أبوجليل أن هؤلاء القادة، حتى من تخرجوا من المعهد العالى للفنون المسرحية أو تولوا الإدارة، لم يسعوا إلى أى تعديل فى لوائح الإدارة العامة لأنشطة المسرح بالوزارة. ويضيف أن مقارنة الوضع الحالى بما كان عليه عام 1968 تكشف الفارق الكبير؛ حين كان يصدر قرارات بإنشاء التفتيش المسرحى، الذى تكفل تأليف المناهج المسرحية للمرحلة الدراسية المختلفة، بحيث يدرس الطالب المسرح كمادة تعليمية متكاملة، مع نشاط عملى، وليس مجرد تقديم عروض سطحية. ولم تكتفِ الوزارة بذلك، بل استعانت بمترجمين مثل الشارونى وعبد التواب يوسف لترجمة مؤلفات مثل «الحذاء الأحمر»، مزودة بتوجيهات دقيقة للمعلمين حول إخراج المسرحية للطلاب، بما يشمل الرسوم والديكور والعناصر الفنية الأخرى.
يشير أبوجليل إلى أن المسرح المدرسى منذ منتصف السبعينيات والثمانينيات ظل فى الحضيض وتدهور عامًا بعد عام، وأن المحاولات الحالية لإحيائه لا تعدو ترقيعًا للثغرات، دون تقديم رؤية شاملة على المستوى الرسمى. ومع ذلك، يلفت النظر إلى أن هناك جهودًا فردية فى المحافظات يقوم بها مبدعون يصنعون المستحيل، ويخرجون مسرحيات تصل إلى الجمهور وسط ظروف صعبة، وهم يشكلون الدرع الحامى للمسرح المدرسى فى كل محافظة.
ويرى أبوجليل أن المسرح المدرسى قادر على صناعة كوادر فنية إذا وجد من يتبنى المواهب وينميها. ويضيف أن معظم فنانى مصر والوطن العربى مروا بتجربة المسرح المدرسى، الذى يمنحهم الجرأة على مخاطبة الجمهور وصقل مهارات النطق والأداء. لكنه يظل مرحلة أولية تؤهل الطلاب للالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، ثم الانتقال إلى الأعمال التلفزيونية والمسرحية، ومن بينهم نجوم مثل محمد مهران، نفرتارى كمال، ونغم صالح سعد.
ويؤكد أبوجليل أن خلق فنانين كبار من المسرح المدرسى ممكن إذا توفرت له الرعاية والاهتمام من الأسرة والمدرسة والوزارة والحقل الفنى، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الموهوبين تعيقهم ظروفهم عن مواصلة العمل. كما يرى أن للمسرح الاحترافى دورًا محوريًا فى دعم المسرح المدرسى، من خلال مسابقات لاكتشاف أفضل الموهوبين بواقع طالب وطالبة من كل محافظة، ما يمنح أكثر من 100 موهوب سنويًا يمكن دمجهم فى أعمال فنية مدعومة ماديًا، وتوفير فرص تعليمية فى المسرح القومى للطفل، إضافة إلى نوادى مسرح الطفل التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، التى تقدم تجارب نوعية لطلاب الثانوية.
ويشير أبوجليل إلى أن المسرح المدرسى قادر على خدمة العملية التعليمية بشكل فعّال، خصوصًا ضمن استراتيجيات التعلم النشط، التى تشمل التعلم باللعب، التعلم بالمسرح، والتعلم بالأنشطة العملية. ويضيف أن المعلم يستطيع، من خلال المسرح، تقديم الدروس بطريقة ممتعة، بحيث يكتسب الطالب الفكرة العامة للدرس ويستوعبها تربويًا وتعليميًا، دون الاكتفاء بالحشو والتلقين. ويؤكد أن المدارس العالمية تقدم المعلومات بشكل متكامل، وأن المسرح المدرسى قادر على نقل هذه الأفكار وتطبيقها عمليًا، لأنه فعل وتجربة عملية وليست مجرد كلام.
ويختتم أبوجليل مبرزًا أن مسرحة المناهج تتيح تقديم الأفكار النظرية وفوائدها مع التطبيق العملى الفعلى، بما يمنح الطلاب فهمًا ممتعًا وفعّالًا للمفاهيم، ويحوّل المسرح المدرسى من مجرد أداة للعرض إلى وسيلة تعليمية لبناء شخصية الطالب تربويًا وثقافيًا.
مجدى مرعى: المسرح المدرسى ركيزة تربوية لا تزال تبحث عن مكانها الحقيقى داخل المنظومة التعليمية
يرى مجدى مرعى - المؤلف والمخرج المسرحى للطفل والموجه العام السابق للتربية المسرحية - أن المسرح المدرسى لم يحظَ حتى الآن بالمكانة التى يستحقها داخل المنظومة التعليمية، إذ لا يزال يُنظر إليه فى كثير من الأحيان كنشاط هامشى يرتبط بمدى اقتناع إدارات المدارس بأهميته. ويشير إلى أن البعض يختزل هذا النشاط فى مجرد حفلات نهاية العام التى تقتصر على لوحات استعراضية تفتقر إلى المقومات الدرامية الحقيقية، وهو ما يقلل من دوره التربوى والفنى.
ويؤكد مرعى أن المسرح المدرسى يمثل ساحة حقيقية لاكتشاف المواهب، باعتباره بوتقة تنصهر فيها مختلف الفنون، من التمثيل والغناء والموسيقى والاستعراض، إلى كتابة الشعر والأغانى والتأليف المسرحى والإخراج. كما ينعكس انخراط الطلاب فى هذا النشاط بشكل إيجابى على شخصياتهم، حيث يعزز لديهم قيم التعاون والالتزام والانضباط، ويمنحهم الثقة بالنفس والشعور بالتميز، خاصة عندما يقفون على خشبة المسرح ويحظون بتقدير زملائهم، الأمر الذى ينعكس بدوره على تحصيلهم الدراسى ودافعيتهم للتفوق.
ويشدد على ضرورة تذليل العقبات التى تعترض تفعيل هذا النشاط، من خلال توفير الكوادر الفنية المتخصصة فى مجالات الإخراج والديكور والملابس والموسيقى والاستعراضات، إلى جانب اكتشاف الطلاب الموهوبين وتشجيعهم على المشاركة، فضلًا عن توفير الإمكانات المادية والأماكن المناسبة للتدريبات والعروض. كما يلفت إلى أهمية الإيمان بدور المسرح المدرسى باعتباره منبرًا ثقافيًا يقدّم أعمالًا تعليمية ودينية ووطنية وتاريخية واجتماعية تسهم فى بناء وعى الطلاب.
ويضيف أن المسرح المدرسى يمكن أن يسهم فى الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية، من خلال ما يعرف بـ«مسرحة المناهج»، التى تقدم المعلومات بصورة تفاعلية غير مباشرة تجمع بين المشاهدة والاستماع والتفكير، بما يخرج العملية التعليمية من نمطها التقليدى القائم على التلقين، إلى تجربة تعليمية أكثر تشويقًا وفاعلية، تساعد على ترسيخ المعلومات فى أذهان الطلاب. ويشير إلى أن تنفيذ هذه التجربة لا يتطلب إمكانات معقدة، بل يعتمد فى الأساس على إعداد درامى جيد للدرس، مع توظيف أدوات بسيطة يشارك الطلاب فى توفيرها.
كما يدعو مرعى إلى تعزيز التعاون بين وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الثقافية والفنية، من خلال إتاحة الفرصة لعروض المسرح المدرسى المتميزة لتقديم أعمالها على مسارح الدولة، والمشاركة فى المهرجانات المسرحية، أسوة بعروض مسرح الطفل التابعة لوزارة الثقافة، إلى جانب تنظيم ورش تدريبية متخصصة للطلاب وأخصائيى التربية المسرحية فى مجالات التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية ومسرح العرائس والديكور.
ويختتم بالتأكيد على أن تطوير المسرح المدرسى يتطلب قرارات مؤسسية واضحة، من بينها توفير أخصائى مسرحى أكاديمى مؤهل تربويًا وفنيًا بكل مدرسة، وأن تكون وظائف التوجيه المسرحى مقتصرة على المتخصصين، مع تجهيز مسارح مدرسية ملائمة تقنيًا، وتوفير الدعم المادى اللازم لإنتاج عروض تليق بالرسالة التربوية للمسرح. كما يقترح إنشاء معهد متخصص لإعداد أخصائى التربية المسرحية، إلى جانب الاستفادة من خريجى كليات التربية النوعية ومعاهد الفنون المسرحية، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على الارتقاء بهذا النشاط الحيوى.
د. رضا بكرى: المسرح المدرسى منهج تربوى موازٍ يصنع شخصية الطالب ويحوّل التعلم إلى تجربة حية
ترى د. رضا بكرى، موجه أول التربية المسرحية وخبير المناهج التعليمية، أن المسرح المدرسى لا ينبغى النظر إليه باعتباره مجرد نشاط ترفيهى، بل هو فى جوهره منهج تربوى موازٍ يهدف إلى بناء شخصية الطالب وصقل وعيه، من خلال تحقيق التكامل بين الجوانب المعرفية والوجدانية. وتؤكد أن التربية المسرحية تسهم فى تحقيق التوازن النفسى للطلاب، وتنمية ما يُعرف بالذكاءات المتعددة، مثل الذكاء اللغوى من خلال إتقان الحوار، والذكاء الحركى عبر الأداء الجسدى، إلى جانب الذكاء الاجتماعى الذى يتشكل من خلال العمل الجماعى والتفاعل مع الآخرين. كما يمنح المسرح الطلاب مرونة نفسية وقدرة على مواجهة الجمهور بثقة، باعتباره تدريبًا حقيقيًا على مواقف الحياة، يغرس فيهم قيم الالتزام والانضباط وروح الفريق.
وتوضح أن المسرح المدرسى يمثل مختبرًا اجتماعيًا حقيقيًا يساعد الطلاب على اكتساب مهارات التواصل الفعال، والتغلب على الخجل، وإتقان لغة الجسد وفنون الإلقاء، فضلًا عن كونه بيئة خصبة لاكتشاف مختلف المواهب، التى لا تقتصر على التمثيل فقط، بل تمتد إلى مجالات التأليف والكتابة المسرحية، والإخراج، وتصميم الديكور، والإضاءة، والموسيقى، بما يسهم فى إعداد كوادر فنية وثقافية قادرة على تشكيل وعى المجتمع مستقبلًا.
وعن التحديات التى تواجه المسرح المدرسى، تشير إلى أن أبرزها يتمثل فى الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للمسارح المدرسية بما يتواكب مع التقنيات الحديثة، إلى جانب ضيق الوقت نتيجة كثافة المناهج الدراسية، فضلًا عن ضرورة تغيير بعض النظرات المجتمعية التى تقلل من أهمية الأنشطة الفنية، رغم كونها استثمارًا حقيقيًا فى بناء شخصية الطالب وداعمًا لتحصيله الدراسى.
وتؤكد أن تقييم نجاح النشاط المسرحى يتم وفق معايير علمية تشمل جانبين؛ الأول فنى وتنافسى، من خلال تقديم عروض مسرحية متكاملة والمشاركة فى المسابقات الرسمية وتحقيق مراكز متقدمة، كما حدث فى مسابقات أعياد الطفولة ومسرحة المناهج والمونودراما. أما الجانب الثانى، وهو الأهم، فيتمثل فى الأثر التربوى والسلوكى، من خلال رصد التغيرات الإيجابية فى شخصية الطالب، وزيادة ثقته بنفسه، وتحسن مستواه الدراسى، وقدرته على تقبل الآخر، معتبرة أن النجاح الحقيقى يتجسد فى تحويل الطالب الخجول إلى شخصية قيادية قادرة على التعبير عن نفسها داخل المسرح وخارجه.
وتلفت إلى أن العلاقة بين المسرح المدرسى والمناهج الدراسية علاقة عضوية، حيث يسهم المسرح فى إضفاء الحيوية على المناهج الجامدة من خلال تطبيق آلية «مسرحة المناهج»، التى تعتمد على تحويل المفاهيم المجردة، خاصة فى مواد اللغة العربية والتاريخ، إلى مواقف درامية وشخصيات نابضة بالحياة، بما يحول الدرس من مادة للحفظ إلى تجربة مشاهدة وتفاعل. كما تعتمد هذه التجربة على التعلم القائم على الاستقصاء، من خلال مناقشة الطلاب بعد العروض المسرحية، بما يعزز ترسيخ المعلومات ويجعلها أكثر بقاءً وتأثيرًا.
وفيما يتعلق بتحفيز الطلاب على المشاركة، تشير إلى أن إشعار الطالب بقيمته ومنحه مساحة للتعبير يعدان من أهم عوامل الجذب، لافتة إلى تجربة إدخال المسرح التفاعلى ضمن المسابقات، حيث يتم كسر الجدار الرابع، ليصبح الطالب مشاركًا فى الحدث المسرحى وليس مجرد متلقٍ، بما يعزز لديه روح المسؤولية والمواطنة الإيجابية، إلى جانب تطبيق أنظمة الحوافز المعنوية وتكريم الموهوبين.
وتختتم د. رضا بكرى بالتأكيد على أهمية توفير مزيد من الدعم المادى والتقنى لتطوير المسرح المدرسى، مع ضرورة استمرار برامج تدريب المعلمين لمواكبة أساليب المسرح الحديث، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المؤسسات الثقافية، بما يربط الطلاب بالتجارب الاحترافية. كما تشدد على أهمية دعم طلاب التربية الخاصة ودمجهم من خلال الفن، انطلاقًا من إيمانها بأن المسرح أداة إنسانية قادرة على تحقيق الدمج المجتمعى وبناء جسور التواصل مع ذوى الهمم.
محمد الشرقاوى: المسرح المدرسى بوابة بناء الوعى وتنمية شخصية الطالب
يرى محمد عبدالحميد الشرقاوى، موجه عام التربية المسرحية بمديرية التربية والتعليم بالدقهلية، أن المسرح المدرسى يمثل أحد أهم الأدوات التربوية القادرة على بناء وعى الطلاب وتنمية شخصياتهم، انطلاقًا من المقولة التى تؤكد: «أعطنى مسرحًا أعطك شعبًا واعيًا»، بما يعكس الدور الحيوى للفن فى خدمة المجتمع جنبًا إلى جنب مع دور المؤسسات التربوية والدينية فى ترسيخ القيم وبناء الإنسان.
ويؤكد أن من أبرز الأهداف التربوية للنشاط المسرحى داخل المدارس تحويل الدروس النظرية إلى مشاهد تمثيلية تفاعلية، بما يسهم فى تبسيط المعلومات وترسيخها فى أذهان الطلاب بصورة أكثر جاذبية وتأثيرًا. كما يسهم المسرح فى كسر حاجز الخوف والخجل لدى الطالب، ويعزز روح العمل الجماعى من خلال اعتماده على التعاون بين فريق العمل، فضلًا عن دوره فى تحسين المهارات اللغوية من خلال التدريب على الإلقاء الجيد وفنون الخطابة والتعبير.
ويضيف أن المسرح المدرسى يمثل بيئة خصبة لاكتشاف العديد من المواهب لدى الطلاب، سواء فى مجالات التأليف والكتابة المسرحية، أو الإخراج، أو التمثيل، إلى جانب تنمية المهارات التقنية مثل التعامل مع أجهزة الصوت والإضاءة. كما يسهم فى صقل شخصية الطالب وتحويلها إلى شخصية قيادية قادرة على تحمل المسؤولية والعمل ضمن فريق.
وعن أبرز التحديات التى تواجه تفعيل النشاط المسرحى داخل المدارس، يشير إلى عدد من الصعوبات، من بينها عدم توافر أماكن مجهزة لممارسة النشاط، ونقص أخصائيى المسرح المدرسى، إلى جانب ضعف وعى بعض أولياء الأمور بأهمية هذا النشاط، ما يدفعهم أحيانًا إلى منع أبنائهم من المشاركة.
وفيما يتعلق بآليات تقييم نجاح المسرح المدرسى، يوضح أن ذلك يعتمد على التخطيط الجيد الذى يراعى المرحلة العمرية للطلاب، وحسن توزيع الأدوار، والاستمرار فى التدريب، مع إشراك الطلاب فى مختلف عناصر العرض، بما فى ذلك إعداد الديكور والملابس، بما يعزز لديهم روح الانتماء للعمل.
كما يؤكد على الارتباط الوثيق بين المسرح المدرسى والمناهج الدراسية، موضحًا أن مسرحة المناهج تعد من الركائز الأساسية لعمل أخصائى المسرح، حيث يتم التعاون مع معلمى المواد الدراسية، خاصة المواد التى يواجه الطلاب صعوبة فى استيعابها، لتحويل محتواها إلى مشاهد تمثيلية تساعد على الفهم والاستيعاب.
وفيما يخص سبل تطوير المسرح المدرسى، يشدد على أهمية توفير الدعم اللازم، سواء من خلال وجود أخصائيين متخصصين، أو توفير أماكن مخصصة لممارسة النشاط، أو تنظيم ورش تدريبية مستمرة، إضافة إلى توفير نصوص مسرحية مناسبة، ودعم مالى لتأمين الأدوات والتجهيزات اللازمة، بما يضمن استمرارية هذا النشاط التربوى المهم وتعظيم أثره فى بناء وعى الأجيال الجديدة.
داليا دياب: مسرحة المناهج تعيد للتعليم متعته وتكشف مواهب التلاميذ
ترى الكاتبة والمخرجة داليا دياب أن إدخال النصوص المسرحية ضمن المناهج الدراسية يمثل خطوة بالغة الأهمية فى دعم دور المسرح المدرسى، لما يتيحه من تحويل العملية التعليمية من مجرد تلقين نظرى إلى تجربة تفاعلية ممتعة. وتؤكد أن توظيف المسرح فى شرح المواد الدراسية يسهم فى خلق بيئة تعليمية إيجابية، حيث يتفاعل التلاميذ مع بعضهم البعض بشكل صحى، بما يساعد على تفريغ الطاقات السلبية وتحويلها إلى طاقات إبداعية، فضلًا عن قدرته على تبسيط المفاهيم العلمية الصعبة من خلال المعالجة الدرامية التى تجعل الفهم أكثر سهولة ومتعة مقارنة بأساليب الشرح التقليدية.
وتوضح أن تجربتها فى كتابة نص مسرحى تعليمى موجه لتلاميذ الصف الخامس الابتدائى « المحاكمة » جاءت فى البداية فى إطار دراستها بالمعهد العالى لفنون الطفل بأكاديمية الفنون، حيث تضمنت الدراسة مقررات متخصصة فى مسرحة المناهج، وكان من ضمن متطلباتها كتابة نص مسرحى تعليمى. وتشير إلى أن هذه التجربة، التى بدأت كتمرين أكاديمى، تحولت إلى مشروع جاد بعد أن لاقت تشجيعًا ودعمًا - خاصة من زوجها الكاتب المسرحى سعيد حجاج - مع تلقيها ملاحظات فنية أسهمت فى تعميق رؤيتها لتقنيات الكتابة المسرحية، وهو ما شجعها على تطوير النص والدفع به إلى النشر كأول عمل مسرحى لها.
وعن المعايير التى راعتها عند تحويل المحتوى التعليمى إلى نص مسرحى يناسب هذه المرحلة العمرية، تؤكد أن دراستها الأكاديمية فى مجال إخراج مسرح الطفل كان لها أثر كبير فى تشكيل وعيها بخصائص هذه الفئة العمرية، خاصة فيما يتعلق بضرورة تبسيط اللغة والأفكار بما يتناسب مع قدرات الطفل الإدراكية. كما حرصت على أن يجمع النص بين القيمة التعليمية والتشويق الفنى، انطلاقًا من قناعتها بأن المسرح يجب أن يقدم المتعة أولًا، ثم يمرر رسالته التربوية بشكل غير مباشر، حتى لا يشعر الطفل بأنه أمام درس تقليدى فى قالب مختلف.
كما تشدد داليا دياب على أن المسرح المدرسى يعد من أهم الوسائل القادرة على اكتشاف وتنمية مواهب الطلاب الأدبية والفنية فى سن مبكرة، لما يوفره من مساحة للتعبير عن الذات وتنمية الثقة بالنفس والعمل الجماعى. وتضيف أن هذه التجربة تتيح للطفل اكتشاف قدراته، كما تساعد المشرفين على النشاط المسرحى فى رصد الميول الإبداعية المختلفة لدى التلاميذ والعمل على تنميتها.
وفيما يتعلق بمستقبل المسرح المدرسى، تعتقد أن مشروع مسرحة المناهج يمكن أن يعيد لهذا النشاط مكانته داخل المدرسة، بشرط أن يتم التعامل معه كجزء أصيل ومستمر من العملية التعليمية، وليس كنشاط هامشى أو موسمى مرتبط بالمسابقات فقط. وترى أن نجاح هذا المشروع يتطلب إدماجه بشكل حقيقى داخل الخطة الدراسية، مع توفير الدعم المؤسسى والتربوى له، بما يضمن استمراريته وتحقيق أهدافه التربوية والفنية.
كما تشير داليا دياب إلى أن نجاح تجربة مسرحة المناهج لا يتوقف فقط على جودة النصوص المقدمة، بل يمتد إلى ضرورة تأهيل المعلمين والمشرفين على النشاط المسرحى تربويًا وفنيًا، ليتمكنوا من توظيف المسرح كأداة تعليمية فعّالة، وليس مجرد نشاط ترفيهى. وتؤكد أن توفير ورش تدريبية للمعلمين فى مجالات الأداء المسرحى وطرق تحويل الدروس إلى مشاهد درامية يمكن أن يحدث نقلة نوعية فى مستوى المسرح المدرسى، ويجعله أكثر قدرة على تحقيق أهدافه التعليمية والتربوية.
وبذلك تؤكد داليا دياب أن مسرحة المناهج ليست مجرد تجربة فنية، بل مشروع تربوى متكامل يمكن أن يسهم فى بناء شخصية الطالب وتنمية وعيه الجمالى والمعرفى، إذا ما توافرت له الرؤية والتخطيط والدعم الكافى، وهو ما يجعلها أحد المسارات الواعدة لتطوير منظومة التعليم من خلال الفنون.
وتختتم حديثها بالتأكيد على رغبتها فى تكرار تجربة الكتابة للمسرح التعليمى خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أن دراستها فى مجال إخراج مسرح الطفل تمثل حافزًا دائمًا لها على الاستمرار فى هذا المسار، خاصة لما تتيحه من إمكانية المزج بين خبرتها فى الكتابة والإخراج، بما يساعدها على تقديم نصوص قابلة للتنفيذ المسرحى، وليست مجرد نصوص أدبية، وهو ما يمنح أعمالها قابلية أكبر للتحقق على خشبة المسرح.
جمال طاهر: المسرح المدرسى.. صناعة المواهب وبناء الشخصية من خلال مسرحة المناهج
فيما يشدد جمال طاهر، موجه عام التربية المسرحية بالقاهرة، على أن النشاط المسرحى فى المدارس يتجاوز كونه وسيلة للترفيه، ليصبح أداة تربوية متكاملة تهدف إلى تشكيل عقل ووجدان الطالب، والكشف عن مواهبه وتنميتها بشكل سليم، وبناء شخصية متكاملة قادرة على مواكبة متطلبات العصر. ويضيف أن التربية المسرحية من أهم الأنشطة التى تجعل التعليم محببًا للتلاميذ، خاصة فى مرحلة التعليم الأساسى، كما تعزز عادة العمل الجماعى وروح الفريق وتغرس قيم التعاون وفعل الخير.
ويؤكد طاهر أن المسرح المدرسى يطور مهارات الطلاب الشخصية والاجتماعية، فهو يمنحهم القدرة على المواجهة والتعبير السليم، ويقوى مهارات التأثير والإقناع، والاستيعاب، وحسن الإنصات، كما يساعد فى علاج بعض الحالات النفسية وتنمية القدرة على التكيف مع المجتمع. ومن خلال النشاط المسرحى يمكن اكتشاف العديد من المواهب، مثل الحس الفنى والإبداعى، والموسيقى، والرسم والأعمال اليدوية المتعلقة بالديكور والدعاية، إضافة إلى المهارات الرياضية والتناغم الحركى أثناء الاستعراضات.
وعن التحديات التى تواجه النشاط المسرحى داخل المدارس، يشير طاهر إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، قلة الأماكن المخصصة للعروض، نقص الأخصائيين المسرحيين، وعدم إدراك بعض المدرسين للدور الحيوى للأنشطة المسرحية فى العملية التربوية.
ويُقيّم طاهر نجاح المسرح المدرسى من خلال مسابقات الطلاب، وتقييم النصوص والعروض المسرحية عبر لجان تحكيم متخصصة على مستوى الإدارات التعليمية والمدارس. كما أن ارتباط المسرح بالمناهج الدراسية يظهر جليًا فى مسابقات مسرحة المناهج، التى تساعد على تبسيط المعلومات، تصحيح الأخطاء اللغوية، وتعويد الطلاب على النطق السليم وفهم مفردات اللغة العربية. وقد تم بالفعل تطبيق مسرحة المناهج داخل المدارس، كونها جزءًا أساسيًا من أهداف التربية المسرحية.
أما بالنسبة لتحفيز الطلاب على المشاركة الفاعلة، فيعتمد طاهر على منح شهادات تقدير وكؤوس، وعرض المسرحيات على مستوى الإدارات التعليمية، مؤكدًا أن الطلاب بطبيعتهم يستمتعون بتجسيد الشخصيات وتجربة التمثيل.
وأخيرًا، يشير طاهر إلى أن تطوير المسرح المدرسى يحتاج إلى موارد أكبر ودعم مستمر، خاصة فى إنشاء مسارح جديدة بالمدارس الحديثة، لكنه يؤكد أنهم يعملون دائمًا بما هو متاح رغم محدودية الموارد.