سجن اختيارى: دراما نفسية تضع الإنسان أمام اختبار الحرية والطمع

سجن اختيارى:     دراما نفسية تضع الإنسان أمام اختبار الحرية والطمع

العدد 973 صدر بتاريخ 20أبريل2026

يواصل عرض «سجن اختيارى» حضوره بمسرح الطليعة بقاعة صلاح عبدالصبور بوصفه تجربة درامية تتناول صراع الإنسان مع رغباته ومخاوفه، وتكشف كيف يمكن أن تتحول اختياراته إلى قيود تحاصره من الداخل. ومن خلال حكاية مجموعة من الأصدقاء يقررون البقاء داخل «سجن» اختاروه بأنفسهم من أجل المال، يطرح العمل تساؤلات حادة حول معنى الحرية وحدود الطمع والثمن الذى قد يدفعه الإنسان عندما يضع المادة فوق كل شىء.
وفى هذا السياق، أجرينا مجموعة من اللقاءات مع أبطال العرض للوقوف على رؤيتهم للشخصيات التى يقدمونها، وكواليس العمل، وقراءاتهم الخاصة لفكرة «السجن الاختياري» وما تعكسه من واقع يعيشه الإنسان فى حياته اليومية.
العرض بطولة إيهاب محفوظ، يوسف المنصورى، أمل عبدالمنعم، بولا ماهر، نجاة الإمام، عماد صابر، محمود البيطار، سيف مرعى، حسين عشماوى، أحمد رضا، وتصميم الديكور محمد طلعت، وتصميم الملابس مى كمال، وتصميم الإضاءة عز حلمى، وتأليف الموسيقى زياد الهجرسى، والمكياج وفاء مدبولى، وتصميم الدعاية والسوشيال ميديا محمد فاضل، ومساعد الإخراج محمد جمال وادى -اندرو ايميل ، والمخرج المنفذ صافيناز محمد عبد الله، وهو من تأليف محمود جمال الحدينى، وإخراج باسم كرم والعرض إنتاج مسرح الطليعة بقيادة الفنان سامح بسيونى.

«سجن اختيارى».. حين يصبح الإنسان شريكًا فى قيوده لا ضحية لها
يقول المخرج باسم كرم إن عرض «سجن اختيارى» ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن الإنسان قد يتحول من ضحية للظروف إلى شريك فيها، حين يختار البقاء داخل قيود يصنعها بنفسه، بدافع الطموح أو الخوف أو وهم الأمان. ويؤكد أن العمل لا يتناول سجنًا مفروضًا بالقوة، بل يسلط الضوء على السجون الخفية التى نقبلها ونبررها حتى نظن أنها شكل من أشكال الحرية.
ويضيف أن مفهوم «السجن» فى العرض لا يُقدَّم بوصفه مكانًا ماديًا، بل حالة متعددة المستويات؛ نفسية تتجلى فى الخوف والغيرة والطمع والحاجة إلى الاعتراف، واجتماعية تظهر فى ضغط نظرة الآخرين والمقارنة المستمرة والرغبة فى الانتصار بأى ثمن، وفكرية تتمثل فى القناعات الجامدة التى تعيق الإنسان عن رؤية خياراته الحقيقية. والغاية، بحسب كرم، أن يشعر المتفرج بأن السجن ليس على خشبة المسرح فقط، بل قد يكون كامناً بداخله.
ويشير إلى أن التحدى الإخراجى الأكبر تمثل فى تجسيد فكرة «الاختيار» دون خطاب مباشر، فاعتمد على الحركة الجماعية للممثلين بوصفها نظامًا ضاغطًا على الفرد، وعلى الإيقاع الزمنى ليصبح الوقت نفسه عنصر ضغط، إلى جانب توظيف المساحات الفارغة على الخشبة كإشارة دائمة إلى أن باب الخروج موجود، لكن القرار يظل بيد الإنسان.
وإختتم كرم حديثه بالتأكيد على أن تفاعل الجمهور مع العرض كشف أن فكرة «السجن الاختياري» ليست مجرد طرح مسرحى، بل انعكاس لواقع يومى يعيشه الإنسان فى علاقاته وعمله وخوفه من التغيير، موضحًا أن العرض لا يسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، بل يطرح سؤالًا مفتوحًا:
هل نحن محبوسون حقًا… أم أننا فقط اخترنا ألا نغادر؟

«كلنا نعيش فى سجون اختيارية… والباب مفتوح لكننا نخشى الخروج»
أعرب المؤلف محمود جمال الحدينى عن حبه الكبير لمسرحية «سجن اختياري»، موضحًا أن فلسفة العرض تقوم على فكرة السجن الذى يختاره الإنسان بنفسه، مؤكدًا أن الجميع يعيشون داخل «سجون اختيارية» بأشكال مختلفة. وقال إن الوظيفة قد تتحول إلى سجن، والحياة الروتينية قد تصبح قيدًا، بل وحتى الحياة التى يسعى الإنسان للوصول إليها قد تتحول هى الأخرى إلى سجن، كما أن بعض العلاقات أو الأشخاص الذين لا يستطيع الفرد التخلص منهم لأسباب اجتماعية أو مادية يمثلون نوعًا من القيود المستمرة.
وأضاف الحدينى أن الفكرة الأساسية فى العمل تنطلق من أن الباب يظل مفتوحًا طوال الوقت، لكن كثيرين لا يختارون الخروج، لأنهم أسرى أفكارهم أو مخاوفهم أو احتياجاتهم المادية. وأشار إلى أن شخصيات العرض تبدو فى ظاهرها محبوسة بسبب المال، لكنها فى الحقيقة تحمل أسبابًا أعمق؛ فهناك من يخشى الخروج خوفًا من نظرة الآخرين إليه باعتباره فاشلًا، وهناك من تورط فى أعمال غير مشروعة ويتمنى التوقف عنها، لكنه يخاف من «السجن الآخر»، أى العواقب أو المجتمع.
وأكد أن لحظة الخروج من هذا السجن لا تكون مجرد حركة جسدية، بل لحظة وعى وتطهير داخلى، حين يدرك الإنسان ضرورة التحرر من القيود التى صنعها بنفسه، سواء كانت قيودًا نفسية أو اجتماعية أو مادية.
وأوضح الحدينى أنه قدم فكرة «سجن اختياري» فى البداية كعمل درامى مطول، أتاح مساحة أوسع لتشريح الشخصيات وتفاصيلها، قبل أن يقوم باختزال هذه الدراما وإعادة صياغتها فى شكل مسرحى أكثر تركيزًا وحيوية. ورغم الفروق بين الشكلين، شدد على أن حبه للمسرحية لم يتغير، خاصة أنها قُدمت بروح خفيفة وقريبة من الجمهور.
واختتم حديثه بالتعبير عن سعادته بانتشار العرض وتقديمه فى أكثر من موقع، لاسيما فى مسارح الثقافة الجماهيرية والجامعات وفرق الهواة، معتبرًا أن وصول المسرحية إلى جمهور متنوع فى محافظات مختلفة هو القيمة الحقيقية لأى عمل مسرحى يسعى إلى طرح أسئلة تمس حياة الناس اليومية.

شخصية «رفيق» من الأدوار المكثفة التى تكشف خباياها تدريجيًا وتبقى فى الذاكرة التصريح
قال الفنان يوسف المنصورى إنه يجسد فى العرض شخصية «رفيق»، وهى من الشخصيات التى تتميز بثراء داخلى وطبقات متعددة من المشاعر والتفاصيل، تظهر تدريجيًا أمام الجمهور. وأوضح أن ما يميز هذه الشخصية أنها مكتوبة بعناية شديدة، حيث تتكشف ملامحها عبر مراحل متدرجة من الأسئلة والاستفسارات التى تجد إجاباتها مع تطور الأحداث، وهو ما يمنحها عمقًا إنسانيًا ويجعل المتفرج يقترب منها شيئًا فشيئًا.
وأضاف المنصور أنه تعاطف مع شخصية «رفيق» منذ قراءته الأولى للنص، معتبرًا أنها من الأدوار القليلة التى يشعر فيها الممثل أن جمال الشخصية لا يكمن فى حجم حضورها على المسرح، بل فى كثافتها وتأثيرها. فرغم أن المساحة الزمنية للشخصية ليست كبيرة، فإنها تظل مكثفة ومشحونة بالتفاصيل، ما يجعلها تترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور.
وأكد أن «رفيق» شخصية إنسانية تحمل جوانب من الضعف والخلل، لكنها فى الوقت نفسه قادرة على إثارة التعاطف والتفهم، وهو ما جعلها بالنسبة له شخصية مميزة ومختلفة، وواحدة من التجارب التمثيلية التى يعتز بها لما تحمله من تحدٍ فنى وإنسانى.

“زياد” يجسد النسخة التى نخشى أن نصبحها… حين يتحول الطمع إلى سجن اختيارى
قال الفنان إيهاب محفوظ إن أكثر ما جذبه إلى نص عرض «سجن اختياري» هو فكرته الإنسانية العميقة، التى تطرح تساؤلًا مهمًا حول قدرة الإنسان على أن يسجن نفسه بإرادته، مدفوعًا بالطمع أو الرغبة فى المال، قبل أن يبدأ تدريجيًا فى اكتشاف ما هو الأهم حقًا فى حياته. وأوضح أن هذه الفكرة قريبة من الجميع، لأنها تعكس واقعًا يعيشه كثير من الناس بشكل أو بآخر.
وأضاف محفوظ أن شخصية «زياد» كانت مغرية فنيًا بالنسبة له، نظرًا لتعقيدها وتركيبها النفسى، فهى ليست شخصية شريرة بالمعنى التقليدى، بل إنسان سيطر عليه الطمع والرغبة فى النجاح إلى حد جعله مستعدًا للتضحية بكل شيء: علاقاته، وعمله، وحتى حياته. وأشار إلى أن الشخصية تحمل فى داخلها جرحًا قديمًا نتيجة تربية قاسية، ما ولّد لديها شعورًا بالغضب ورغبة فى الانتقام من العالم، وهو ما يجعلها تمثل الوجه المظلم الذى قد يسكن داخل أى إنسان إذا فقد توازنه.
وأكد أن التحدى الأكبر فى تقديم شخصية «زياد» تمثل فى محاولة فهم دوافعها وتبرير أفعالها دون إصدار أحكام مسبقة عليها، حتى تظهر بصدق على خشبة المسرح ويُترك الحكم النهائى للجمهور. كما أشار إلى أن من أصعب المشاهد التى واجهته كان مشهد إصابته بألم حاد فى الزائدة الدودية، لما يحمله من تناقضات بين الألم الجسدى الشديد ومحاولة الشخصية إخفاء معاناتها والاستمرار فى الضغط على الآخرين لتحقيق مكاسبها، وهو ما تطلب قدرًا كبيرًا من التركيز والتحكم فى الأداء.
وأوضح محفوظ أن من التحديات أيضًا تقديم شخصية قد تبدو مستفزة فى تصرفاتها، لكنها تظل قادرة على جذب اهتمام الجمهور ومتابعته، معتبرًا أن تحقيق هذا التوازن هو ما يمنح الدور قيمته الفنية.
واختتم الفنان تصريحه بتوجيه الشكر إلى فريق العمل، مشيدًا بروح التعاون بين الممثلين، كما أعرب عن امتنانه للمخرج باسم كرم على ثقته وتوجيهاته الفنية، وللأستاذ سامح بسيونى مدير مسرح الطليعة على دعمه واهتمامه بالعرض، مؤكدًا أن نجاح العمل هو نتاج جهد جماعى مشترك.

«سلمى» دفعت ثمن الطمع.. فخسرت كل شىء وهى تظن أن المال سيمنحها كل شىء
قالت الممثلة أمل عبدالمنعم إن أكثر ما جذبها فى عرض «سجن اختيارى» هو فكرته الإنسانية التى تطرح سؤالًا صادمًا: ماذا يمكن أن يفعل الإنسان إذا وُضع أمام اختبار المال؟ وكيف يمكن أن يختار بعض الأشخاص أن يسجنوا أنفسهم بإرادتهم طمعًا فى المكاسب؟ مؤكدة أن هذا الاختيار يكشف ما يخفيه كل فرد فى داخله، لأن السجن فى العرض لا يفضح الأفعال فقط، بل يكشف حقيقة الشخصيات ودوافعها الخفية.
وأضافت أنها تجسد شخصية «سلمى»، وهى صديقة قديمة لأبطال العمل، وكانت فى الماضى تحب «رفيق»، لكنها قررت الابتعاد عنه والزواج من شخص آخر ظنًا منها أن الاستقرار المادى سيمنحها حياة مريحة دون عناء. إلا أنها اكتشفت مع الوقت أنها تحولت إلى ربة منزل عادية، وأن طموحاتها وأحلامها لم تتحقق كما كانت تتمنى.
وأوضحت عبد المنعم أن نقطة التحول فى الشخصية جاءت عندما عادت «سلمى» إلى الفيلا والتقت بـ«رفيق» بعد أن أصبح ثريًا، وهو ما أيقظ بداخلها مشاعر الطمع والرغبة فى الحصول على المال، فقررت البقاء داخل هذا «السجن الاختياري» أملاً فى تحقيق ما فشلت فى الوصول إليه من قبل. ومع تصاعد الأحداث، تصل الشخصية إلى مرحلة قاسية من التنازل عن كل ما تملك، حتى أسرتها نفسها، اعتقادًا منها أن المال هو الطريق الوحيد لتحقيق السعادة والاستقرار.
وأكدت أن المميز فى شخصية «سلمى» هو تجسيدها لفكرة الطمع بوصفه سجنًا نفسيًا خطيرًا، لأن الإنسان قد يظن أن المال سيحقق له كل شيء، لكنه فى النهاية قد يخسر كل شيء وهو يسعى إليه. مشيرة إلى أن هذه المفارقة الإنسانية هى ما جعل الشخصية مؤثرة وصعبة فى الوقت نفسه. واختتمت الممثلة أمل عبد المنعم تصريحها بالتأكيد على أن رحلة «سلمى» داخل العرض تمثل تحذيرًا إنسانيًا من الانسياق وراء الطمع، لأن الثمن قد يكون فقدان الذات والأسرة والحياة معًا.

“شروق» تجسد صراع جيل يتحمل مسؤوليات تفوق عمره
قالت الفنانة نجاة الإمام إن شخصية «شروق» في عرض «سجن اختياري» تُعد من الشخصيات المركبة التي تعبر عن جيل جديد يواجه أعباء الحياة مبكرًا، ويجد نفسه مسؤولًا عن أسرة وبيت قبل أوانه.
وأضافت: «أحب الأدوار التي تلامس المجتمع، وشخصية شروق تطرح تساؤلات مهمة: كيف يواجه الإنسان الضغوط؟ وهل يظل نقيًا من الداخل أم يتغير تحت تأثير الظروف؟ وهل ينحاز للطريق الصحيح أم ينحرف عنه وفقًا لنظرة مجتمع قد يكون محبوسًا في أفكاره؟»
 


رنا رأفت