لعب ولعب.. الفرار من سطوة التكنولوجيا إلى رحابة الشارع المصرى

لعب ولعب.. الفرار من سطوة التكنولوجيا إلى رحابة الشارع المصرى

العدد 971 صدر بتاريخ 6أبريل2026

على خشبة مسرح عبدالمنعم مدبولى «متروبول”، تعرض مسرحية “لعب ولعب”، من تأليف وإخراج الدكتور حسام عطا.
يمثل هذا العرض نموذجًا ثريًا لمسرح الأطفال الذى يتجاوز حدود الترفيه إلى أفق فلسفى وجمالى أعمق، حيث تتجسد فيه إشكالية العزلة والاجتماع فى بنية درامية حية، تتداخل فيها الحكاية مع الفعل المسرحى، ويتحوّل فيها المتفرج من موقع التلقى إلى موقع المشاركة. فمنذ اللحظة الأولى، يطرح العرض سؤالًا معاصرًا: كيف يمكن للطفل أن يستعيد علاقته بالعالم فى زمنٍ تُحاصره فيه التكنولوجيا وتدفعه نحو عزلة ناعمة، صامتة، لكنها عميقة الأثر؟
ينبنى العرض ضمنيا على ثنائية مركزية: (1) فضاء مغلق تمثله التكنولوجيا، و(2) فضاء مفتوح يجسده الشارع. فى هذا السياق، لا يظهر الشارع مجرد مكان، بل بوصفه «حاضنة أولى للاجتماع»، حيث يتعلم الطفل عبر اللعب قوانين المشاركة، والتفاوض، والاختلاف، والاتحاد. إن اللعب فى الشارع هنا هو الفعل المؤسس لما يمكن أن نسميه – استلهامًا من إميل دوركايم – بالضمير الجمعى، حيث تتكوّن الروابط غير المرئية التى تمنح الجماعة تماسكها.
فى المقابل، تأتى شخصية «غريب» بوصفها تمثيلًا دراميًا للعزلة المتجذّرة. هذا الرجل، الذى نشأ محرومًا من اللعب، يعيد إنتاج جرحه النفسى عبر منع الأطفال من ممارسة هذا الحق الوجودى. إنه لا يسرق الألعاب فقط، بل يصادر إمكانية الاجتماع ذاتها. وهنا يمكن قراءة الشخصية فى ضوء التصورات الوجودية عند سورين كيركجور، حيث يتحول الألم الداخلى غير المعالج إلى اغتراب وسلوك مضاد للحياة.
يؤكد أرسطو أن الإنسان حيوان اجتماعى، وأن من يعيش خارج المجتمع إما إله أو وحش. فالمجتمع ليس مجرد إطار خارجى، بل هو شرط أساسى لتشكّل اللغة، والأخلاق، والهوية. ومن هذا المنطلق، يرى إميل دوركايم أن الانفصال عن الجماعة قد يؤدى إلى اختلال نفسى واجتماعى، كما يظهر فى دراسته عن الانتحار، حيث ترتبط العزلة المفرطة بفقدان المعنى والانتماء.
يشخص العرض الأزمة ويقدّم مسارًا للتحول. فحين ينقذ الأطفال «غريب» من الموت، فإنهم يمارسون فعلًا اجتماعيًا خالصًا قائمًا على التضامن لا الإقصاء. هذه اللحظة تمثل نقطة انعطاف، حيث يُعاد إدخال «غريب» إلى الجماعة عبر فعل أخلاقى يتجاوز منطق العقاب. ويمكن هنا استحضار تصور إيمانويل ليفيناس الذى يجعل العلاقة مع الآخر قائمة على المسئولية والاعتراف، لا على الصراع فقط.
لا تكمن الذروة الحقيقية فى قبول «غريب» باللعب فحسب، بل فى تحوّله إلى فاعل اجتماعى يؤسس فضاءً للألعاب. هذه النقلة من «الاندماج» إلى «الإسهام» تمنح العرض بعدًا بنيويًا، حيث يتم فقط استعادة الفرد من العزلة، وخلق شروط جديدة تمنع إعادة إنتاجها. هنا يلتقى العرض مع تصور جان جاك روسو عن إمكانية استعادة الطبيعة الإنسانية عبر إعادة بناء العلاقات على أسس أكثر عدلًا وحرية.
على المستوى الجمالى، يشتغل العرض على الأغانى والاستعراضات بوصفها أدوات لإحياء الذاكرة الجمعية. فالأغانى الطفولية المستعادة لا تؤدى وظيفة حنينية فقط، بل تعيد تفعيل إيقاعات اللعب الجماعى، وتربط الأطفال بسياق ثقافى مشترك.فالعرض يعمل على إحياء التراث الشعبى وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة فى قالب مسرحى. أما الألحان الجديدة، بما تحمله من تنوع وانتقالات جاذبة، فتؤسس لذاكرة مستقبلية، تجعل من العرض تجربة قابلة للاستمرار خارج زمن المشاهدة.
غير أن أكثر ما يمنح العرض فرادته هو كسره الجذرى للحد الفاصل بين الخشبة والصالة. فحين ينزل الممثلون إلى الجمهور، ويشاركون الأطفال اللعب والغناء، تتحول الصالة بأكملها مع خشبة المسرح إلى فضاء مسرحى واحد، يذوب فيه التمييز بين «الممثل» و»المتفرج». هذه اللحظة لا تمثل مجرد تقنية إخراجية، بل هى تحقيق فعلى لفلسفة الاجتماع التى يدعو إليها العرض. هنا لا يعود الطفل متلقيًا، بل يصبح شريكًا فى خلق الحدث، ويصبح العرض كيانًا حيًا ديناميًا يتغير كل ليلة تبعًا لتغير المشاركين.
هذا التوجه يجد جذوره فى نظريات وممارسات المسرح المعاصر، خصوصًا عند أوجستو بوال، الذى دعا إلى تحويل المتفرج إلى «مُمثِّل-متفرج» يشارك فى إنتاج المعنى. كما يمكن ربطه بمفهوم «السلوك المستعاد» عند ريتشارد شيكنر، حيث يُعاد إنتاج الأفعال الاجتماعية داخل الفضاء المسرحى فى صورة واعية ومكثفة، تسمح بإعادة اختبارها وتفكيكها. فاللعب هنا ليس عفويًا فقط، بل هو ممارسة ثقافية تُستعاد داخل المسرح لتُعيد تشكيل وعى المشاركين.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التداخل بين الخشبة والصالة بوصفه تحقيقًا لـ «المسرح بوصفه حدثًا جماعيًا»، حيث لا يكتمل العمل إلا بحضور الجمهور ومشاركته الفعلية. إن اختفاء الحدود بين اللاعب والمتفرج يخلق حالة من «الاجتماع الأدائي»، حيث يصبح الجميع داخل دائرة الفعل، لا خارجه. وتبعًا لاختلاف الأطفال المشاركين/ المتفرجين كل ليلة، يتغيّر العرض من ليلة إلى أخرى، فيؤكد هذه الفكرة بوضوح. فالعرض ليس نصًا مغلقًا، بل بنية مفتوحة تتشكل باستمرار. كل جمهور يعيد خلق العرض، كما أن كل جماعة بشرية تعيد تشكيل ذاتها. وهنا يتحقق التلاقى بين الفلسفة والممارسة: الاجتماع ليس حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية تُصنع فى كل مرة من جديد.
فى ضوء كل ذلك، يمكن القول إن العرض يقدّم أطروحة فنية وفلسفية متكاملة:
«العزلة ليست فقط غياب الآخرين، بل غياب الفضاء الذى يجمعهم، والاجتماع ليس مجرد وجود مشترك، بل ممارسة حية تُكتسب عبر اللعب، والحركة، والتفاعل».
ومن ثم، فإن دعوة العرض إلى العودة للشارع، وإلى اللعب الجماعى، ليست حنينًا إلى الماضى، بل فعل مقاومة لعصر يعيد تشكيل الإنسان ككائن منفصل. إنها محاولة لاستعادة الإنسان بوصفه كائنًا يلعب مع الآخرين، يخطئ معهم، يفرح معهم، ويعيد اكتشاف ذاته من خلالهم.
فى النهاية، يقدّم العرض حكاية عن أطفال ورجل شرير بوصفها نموذجًا مصغرًا للعالم كما يمكن أن يكون: عالمًا يُهزم فيه الشر لا بالإقصاء، بل بالاحتواء، وتُستعاد فيه الجماعة لا بالقوانين، بل باللعب.


محمد رفعت يونس