فى الفترة التى سبقت تكوين الفرقة القومية عام 1935، لا يجوز – تاريخيًا وفنيًا - أن يُدلى «يوسف وهبي» بأى رأى أو حوار، دون أن يقوم «زكى طليمات» بالأمر نفسه! وطالما نشرت مجلة «الصباح» حوارها مع يوسف وهبى وأدلى فيه بتصوره للفرقة القومية، فكان لا بد أن تنشر المجلة حوارًا مماثلًا لطليمات، وهذا جزء من هذا الحوار:س: ما رأيك فى تعيين الأستاذ خليل مطران مديرًا لإدارة الفرق؟ أجاب طليمات، قائلًا: أعتقد أن وزارة المعارف وفقت كل التوفيق فى اختيار الأستاذ خليل مطران مديرًا لإدارة الفرقة، وأقول هذا لأننى نعمت بالعمل إلى جانبه فى أكثر من لجنة وزارية لإنهاض فن التمثيل، كما تقاسمنا العمل فى معهد فن التمثيل. وأؤكد أنه الرجل الكفء لهذا المنصب الخطير الذى يحتم على صاحبه أن يجمع إلى صفات الثقافة العالية فى فنون الأدب والتمثيل صفات الرجل النزيه الحق، الواسع الصدر، المسامح النبيل الذى يعرف كيف ينزل الأشياء منازلها.س: هل من الأوفق أن يكون للفرقة مدير فنى واحد أم عدد من المخرجين مع المقارنة بين فرقتنا الجديدة والفرق الحكومية فى أوروبا وما هى الشروط التى يجب أن تتوفر فى المدير الفني؟ أجاب طليمات: يجب أن تمثل فى شخصية المدير الفنى صفات الرجل الفنان إلى أبعد مدى وأن تكون ثقافته تشمل ثقافات أخرى غير ثقافات فن التمثيل، كما يجب أن تكون له صفات الممثل المجيد وهناك فارق بين المدير الفنى والمخرج. ويجمل أن يكون بالفرقة مخرجون عديدون يشرف عليهم ذلك المدير الفنى الذى أتيت على بعض مؤهلاته وذلك لأن طبيعة العمل فى هذه الفرقة تستدعى وجود أكثر من مخرج واحد. كما أن أساليب الإخراج لفرقة كهذه حاملًا لطابع تفكير واحد مهما كان هذا الطابع عريقًا أصيلًا! ففى مسرح الأوديون مثلًا الذى كنت أعمل فيه فى أوروبا يوجد ثلاثة مخرجين عدا الأستاذ «جيميه» الذى يتولى الإشراف على الإدارة الفنية ويخرج من وقت لآخر روايات خاصة وفى مسرح الكوميدى فرانسيز يعهدون بإخراج الروايات إلى الممثلين النابهين الذى عرفت لهم مواهبهم فى فن الإخراج وكل هذا يقصد به التنوع فى أساليب الإخراج وفى تيسير العمل.س: هل تفضل أن تكون الروايات كلها باللغة العربية؟ قال طليمات: الأكثرية الغالبة منها يجب أن تكتب باللغة العربية الفصحى حتى تجد اللغة العربية فى روايات الفرقة مجالًا لأن تطرق آفاقًا جديدة فى التعبير فتغدو لها ليان الحوار وطراوته. وأرجو أن تكون روايات الفرقة مجال التحسن والتحسين فى اللسان العربى الحديث. كما أرجو أن تكون روايات الفرقة واسطة فعالة فى إذاعة اللغة العربية ومحاسنها. وأعتقد أن الوزارة لن تنحرف عن هذه الخطة ما دام غرضها الأول والأخير من تأليف هذه الفرقة نهضة المسرح واللغة، ولكن هذه النزعة لا تصرفنى بأى حال عن أن أقول إن اللغة العامية يجب أن يكون لها نصيب فى روايات الفرقة ولا سيما الروايات المضحكة المصرية التى تقدم صورًا واقعية من حياتنا اليومية.. نحن اليوم نجتاز مرحلة دقيقة فى اللغة التى يجب أن يكتبها ويتكلمها أبناء البلاد، ولغة الغد كما أعتقد ستكون لغة أجدادنا الأعراب ولغة الشارع والحارة واللغة العربية ككل كائن فى الوجود يتطور ويتغير وسيأتى يوم ما تصبح فيه لغة الكتابة لغة الكلام.س: هل تفضلون أن تكون الروايات مصرية أم مترجمة؟ قال طليمات: يجب أن تقدم هذه الفرقة المؤلفات المصرية أولًا.. كما أنه لا غنى لها عن روايات غربية بحكم أن فن التمثيل دخيل على آدابنا نأخذه عن الغرب وما برحنا فى دور المحاولات لجعله شعلة من أدبنا العربى الحديث ولم تستقم لنا إلى الآن طريقة أصيلة فى التأليف المسرحى، لأن عهدنا بالتمثيل بهذا الفن الجديد قريب غير أنه يفضل أن ينتقى للترجمة أنفس الروايات الغربية، وأن تنقل فى أسلوب رصين سهل يصح أن يتخذ أنموذجًا للترجمة ويجب أن نضع فارقًا بين الأسلوب الجاف المعقد، وبين الأسلوب السهل الممتنع وبهذا الأسلوب الأخير يجب أن تترجم الروايات الغربية. أما عن التأليف المصرى فيجب أن يلقى من هذه الفرقة كل عناية إذ يجب أن نستعجل اليوم الذى نستغل به مسرحًا مصريًا يحمل طابعًا صالحًا من الابتكار وأعتقد أن من بين ما أخرجه المؤلفون المصريون روايات جيدة، هذا النفر من المؤلفين قد يقدمون شيئًا ذا وزن إذا لاقوا من الفرقة إثابة ورعاية تبعثهما على العمل والتحسين وأقصد برعاية الفرقة أن تعمل بسائر وسائلها الفنية والمادية على إنجاح الرواية المصرية باعتبار أنها مظهر من مظاهر العزة القومية فيجب أن تفسح لها الفرقة المجال فى كل شىء وأن تتعاون مع مؤلفها تعاونًا صادقًا لا يعتريه ضغن أو حسد على إبرازها فى أحسن ثوب كما يحسن أن تكون الإثابة وافية تبعث المؤلف المصرى على إخراج أحسن ما يمكن لقريحته أن تقدمه.س: ما هى الطريقة التى تفضل اتباعها فى انتقاء الروايات؟ قال طليمات: «إن تؤلف لجنة نصفها من الممثلين الذين امتازوا بثقافة عالية، والنصف الآخر من رجال الأدب الذين عرف عنهم إصابة الحس وحسن التقدير، ويرأس اللجنة مدير الفرقة وعلى مثل هذا النظام يسير انتقاء الروايات فى الكوميدى فرانسيز والأوديون».س: ما الطريقة التى تفضلها فى اختيار الممثلين والممثلات؟ أجاب طليمات، قائلًا: سبق أن أدليت برأيى إلى سعادة حافظ عفيفى باشا فى هذا الموضوع، وهو رأى أرجو ألا أصارح الجمهور به يومًا ما، ولكن بطبيعة الحال ستؤلف الفرقة ممن عُرف عنهم الإجادة والسلوك الحسن، وهم معروفون. وأرجو أن تفسح الفرقة صدرها للهواة ولمن ستأتى بهم البعوث من الخارج ولمن يتخرجون من معهد التمثيل المزمع إنشاؤه - [ولا يقصد به (معهد فن التمثيل) الذى افتتحه عام 1930، وتم تحويله إلى (قاعة محاضرات نظرية)، بل يقصد (المعهد العالى لفن التمثيل العربى) الذى سيفتتح عام 1944] - من هؤلاء ستتكون الفرقة ويجب أن يكون أول ما تفكر فيه أن تقدم وجوهًا جديدة تحمل دمًا جديدًا. وكم أكون سعيدًا أنا شخصيًا لو وفقت إلى تقديم شعبة من هذا النفر لأننى أعتقد أن مسرحنا المصرى فى حاجة إلى دم شباب جديد.س: هل صحيح ما أشيع أنك ستظهر على المسرح ممثلًا؟ قال طليمات: نعم هذا هو عزمى لأننى كرهت أن أعمل وراء الستار ويجب أن لا تنسى أننى مثلت وواجهت الجمهور قبل أن أتعلم فن الإخراج. وثق أن لذتى فى التمثيل تتلاشى أمامها رغبتى فى الإخراج. وما حجزنى عن التمثيل إلى اليوم إلا عدم وجود الظروف الملائمة لذلك. لقد كبر مثلى الأعلى فى التمثيل ولو أتيحت لى أثناء قيام الفرق الفردية الوسائل التى أرى فيها ما يشبع مثلى الأعلى لما ترددت فى الظهور على المسرح منذ أن وطئت أقدامى أرض مصر بعد بعثتى فى أوروبا.. سأمثل أدوارًا مختلفة وأشبع هوايتى قبل كل شيء، ولكن هذا لن يصرفنى عن أن أهتم بالإخراج. وإن كل ما أرجوه هو أن توفق هذه الفرقة فى عملها وأن يكتسب الممثلون عطف الوزارة بسلوكهم وباهتمامهم وأعتقد أن وزارة المعارف ستوالى المزيد من الإعانة والعطف إذا أثبتوا أنهم أهل لذلك.بناءً على ما سبق من أقوال وآراء وحوارات، نشرت مجلة «الصباح» بيان خليل مطران رئيس الفرقة القومية فى منتصف سبتمبر 1935، جاء فيه الآتى: «إن الفرقة تتألف من نحو خمسين عضوًا عاملًا كلهم ممن يشتغلون بفن التمثيل أو ممن سبق لهم الاشتغال به. وقد قبل هؤلاء الأعضاء فى الفرقة بناء على طلبهم وأعطيت لهم فرصة إظهار مواهبهم فى خلال سنة سميت السنة التجريبية!» فمن ظهرت له موهبة فى ناحية من نواحى التمثيل بقى فى الفرقة. ومعلوم أن التمثيل المطلوب ترقيته هو التمثيل الأدبى، وسنسعى لتقريبه من ذوق الجمهور. أما التمثيل الهزلى فهو سائر فى طريقه ناجح إلى حد ما ولذلك لا حاجة له بمعونتنا. وتبدأ السنة التجريبية من ديسمبر المقبل وسيكون المحل الأساسى لحفلات الفرقة مسرح الأوبرا فى القاهرة. غير إننا رأينا لكى لا يحرم الجمهور المصرى فى مختلف أنحاء القطر من فرصة الانتفاع من هذا المجهود الحكومى دون كبير مشقة أن تقام حفلات متفرقة فى كل بندر من بنادر القطر به مسرح لائق. والصعوبة الآن فى اختيار الروايات، وقد عولنا أن لا نأخذ من الروايات القديمة غير بعض الروايات الممتازة بعد أن نحاول جهدنا أن ندخل عليها من التعديل ما يجذب ميل الجمهور. وسنكون بوجه عام مجددين بمعنى الكلمة وسيكون عرض المختار من الروايات القديمة فى فترات خلال العام وبين البرنامج. وسنتوخى فيما نضع من الروايات الجديدة مراعاة رغبات الجمهور وسيمنح الأعضاء إعانات مالية. وإننا بحمد الله إن وفقنا إلى إزالة فكرة التفرقة بين رئيس ومرؤس. فكلنا إخوان متعاونون نسأل الله دوام التوفيق.وبعد أيام قليلة، نشرت مجلة «الصباح» أسماء ممثلى وممثلات الفرقة القومية، قائلة: بعد مقابلات ومباحثات ومناقشات بين صاحب السعادة حافظ عفيفى باشا رئيس اللجنة الرسمية لترقية فن التمثيل، والأستاذ الجليل خليل مطران مدير الفرقة الحكومية، بدأت المفاوضات والمقابلات النهائية بين الممثلين والممثلات، وبين الأستاذ خليل مطران مدير الفرقة بدار الأوبرا الملكية لتحديد المرتبات لمن وقع عليهم الاختيار للعمل بالفرقة، وهذه أسماؤهم ننشرها فيما يلى، وبعضها قابل للتغيير والتبديل والمحو والإثبات لبعض ظروف خاصة! كما أننا رتبنا الأسماء حسب معلومات خاصة لدينا، لا داعى للتعجيل بنشرها، «الممثلات»: فاطمة رشدى، أمينة رزق، عزيزة أمير، زينب صدقى، دولت أبيض، أمينة شكيب، فكتوريا موسى، فردوس حسن، علوية جميل، زينب شكيب، نجمه إبراهيم، سرينا إبراهيم، لطيفة أمين. «الممثلون»: زکى طليمات، عزيز عيد، جورج أبيض، أحمد علام، حسين رياض، عمر وصفى، عبدالله عکاشة، عبد الرحمن رشدى، منسى فهمى، سراج منير، محمود رضا، عباس فارس، فؤاد سليم، إبراهيم الجزار، عبد المجيد شكرى، بشارة واكيم، فتوح نشاطى، عبد العزيز خليل، حسن البارودى، محمد يوسف، فؤاد شفيق، فؤاد فهيم، حسن فايق، فهمى أمان، محمود المليجى، محمد إبراهيم، إبراهيم يونس، أنور وجدى، على رشدى. هذا عدا الذين لم يتقرر قبولهم بعد من الممثلين والممثلات، وما زالت طلباتهم موضع النظر. أما إدارة المسرح فقد اختير لها الأفندية: على هلالى، محمد حجازى، محمد على حسن (فيلاديمير). وعهد إلى أحمد أفندى عسكر بالاشتراك فى أعمال الفرقة الإدارية. وقد رضى أكثر الممثلين والممثلات المقبولين بالفرقة - أو كلهم تقريبًا - المرتبات التى عُرضت عليهم ما عدا الأستاذ يوسف وهبى فقد أبلغه الأستاذ خليل مطران مدير الفرقة أن مرتبه سيكون 50 جنيهًا شهريًا ثم زيد إلى 60 جنيهًا فأعترض على هذا التقدير وقال إن كرامته ومركزه وتضحياته، كل هذا يجعل له حق الاعتذار عن العمل بهذا المرتب. فطلب إليه الأستاذ خليل مطران عرض الشروط التى يرضاها للعمل فقال إنه يرضى بعشرة جنيهات تدفع له عن كل حفلة يمثل بها مع الفرقة، فوعده الأستاذ خليل مطران بأنه سيبحث الأمر مع اللجنة. ثم اجتمع الأستاذ يوسف وهبى بعد ذلك بممثلى وممثلات فرقته - وكانوا مازالوا يمثلون معه بمسرح رمسيس مساء السبت الماضى - وأبلغهم أنه سيقابل صاحب السعادة وزير المعارف ويعتذر له عن الانضمام إلى الفرقة بسبب المرتب الضئيل الذى حدد له، ولكنه يترك لهم حرية الاتفاق مع الفرقة الحكومية أو عدم الاتفاق معها، وألا يكون لاعتذاره هو عن العمل بها أى تأثير على رغباتهم الخاصة لأنه يهمه أيضًا نجاح فرقة الحكومة حتى أنه سيترك القاهرة إلى أن يتم تشكيل فرقة الحكومة حتى لا يتهم بأنه يعرقل الاتفاقات معها، ثم يحضر هو إلى القاهرة ويبدأ فى تكوين فرقة خاصة به لاستئناف جهاده الفنى إذا لم يُنصف ويُحدد له المرتب المناسب لمركزه وفنه بصفته صاحب أكبر فرقة تمثيلية ظهرت فى الشرق، والممثل الأول بفرقة الحكومة وعندما سمع ممثلو الأستاذ وممثلات رمسيس هذه البيانات من الأستاذ يوسف وهبى عقدوا اجتماعًا خاصًا بهم، بحثوا فيه موقفهم بين الأستاذ يوسف وهبى وفرقة الحكومة، ثم قرروا مبدئيًا أن يتضامنوا فى عدم الانضمام إلى فرقة الحكومة ما لم ينضم إليها الأستاذ يوسف وهبى بالمرتب المناسب لمركزه. لكن هذا القرار على ما يظهر كان الباعث عليه حُب المجاملة لا حُب التضامن. فقد أمضى أكثر ممثلى وممثلات رمسيس بالموافقة على مرتباتهم وبقبول الانضمام إلى فرقة الحكومة قبل أن يبت فى مسألة الأستاذ يوسف وهبى، ما عدا الآنسة أمينة رزق فهى بالرغم من أن إدارة الفرقة الحكومية قدرت لها 30 جنيهًا مرتبًا شهريًا، وهو مرتب ممثلات الدرجة الأولى بالفرقة الحكومية رأت تأجيل قبول الانضمام للفرقة إلى أن تعرف ما يتم فى مسألة الأستاذ يوسف وهبى، فإذا انضم إلى الفرقة انضمت معه وإذا اعتذر اعتذرت.