بناء الوعى المسرحى لدى الناشئة.. قراءة نقدية فى كتاب د. محمد أبوالخير

بناء الوعى المسرحى لدى الناشئة..  قراءة نقدية فى كتاب د. محمد أبوالخير

العدد 969 صدر بتاريخ 23مارس2026

تفتتح مقدمة الكتاب بكلمة الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، وهى كلمة لا تقف عند حدود الترحيب التقليدى، بل تضع يدها على سؤال مهم، وهو: كيف نبنى وعيًا مسرحيًا حقيقيًا لدى جيل لا يكتفى بالتلقى بل يبحث عن ذاته؟ إن اختيار الفئة العمرية ما بين (12 و18 عامًا) لم يكن محض صدفة، بل هو إدراك نقدى عميق بأن هذه المرحلة هى مرحلة التكوين؛ حيث تتشكل الهوية وتُصقل الشخصية، ما يجعل من المسرح هنا ليس مجرد مادة تعليمية، بل وسيطًا تربويًا قادرًا على إعادة صياغة نظرة الشاب لنفسه وللعالم من حوله.
المؤلف هنا لا يريد من القارئ أن يحفظ عناصر المسرح، بل يريد منه أن يعيشها؛ لذا جاء الأسلوب بعيدًا عن التعقيد الأكاديمى، ليخاطب وجدان الشاب بذكاء، وكأنه يهمس فى أذنه بأن الفن هو ممارستك اليومية للحرية، وقدرتك على التفكير النقدى، وتذوقك للجمال فى أدق تفاصيل الحياة.
يبدأ الكتاب بكسر الصورة النمطية للمسرح؛ فهو ليس مجرد خروجة لمكان مكيف، بل هو رحلة سحرية تبدأ بمجرد انطفاء الأنوار. الذكاء هنا يكمن فى إقناع الشاب بأن كل ما يراه على الخشبة -من ملابس ملك أو زقزقة عصفور أو حتى شكل البحر- هو لغة سرية بينه وبين الممثلين. الكتاب هنا لا يكتفى بالشرح، بل يزرع فى عقل القارئ فكرة أن المسرح أبوالفنون لأنه يجمع كل ما يحبه الشباب: التكنولوجيا، الموسيقى، السينما، والقصص الإنسانية المؤثرة، مما يحول الفن من مجرد مادة للمشاهدة إلى تجربة حياة كاملة.
?وعندما وضح المؤلف محمد أبوالخير أن الإنسان البدائى كانت حياته بها أفعال تشبه أفلام المغامرة. لا يحكى أبوالخير تاريخًا ميتًا، بل يفسر لنا لماذا نحب التمثيل حتى اليوم، و قصة “صيد الأسد” هى أروع مثال يقدمه ؛ فهى تعلمنا أن المسرح فى أصله هو اتفاق ذكى؛ نحن نعرف أن الممثل ليس أسدًا، لكننا نختار أن نصدق ونخاف ونستمتع. هذا التحليل يمنح الشاب مفتاحًا لفهم الخيال، ويخبره بأن المسرح ولد فى الكهف قبل أن يصل إلى الشاشات، كأداة للانتصار على الخوف ومشاركة لحظات الفخر مع الآخرين.
?ثم يوضح الرحلة عبر الحضارات ليبين كيف كان المسرح دائمًا مرآة للمجتمع. ففى مصر القديمة، كان المسرح احتفالًا بانتصار الخير على الشر، وفى بلاد اليونان كان بمثابة ساحة عامة يلتقى فيها آلاف الشباب لمناقشة أفكارهم الكبرى. الجميل فى هذا السرد هو التركيز على عمارة المسرح؛ فالمدرجات المكشوفة والجمهور الضخم الذى وصل لـ 30 ألفًا، يعطى القارئ الصغير إحساسًا بعظمة الفن وتأثيره الجماهيرى. المسرح لم يكن يومًا مكانًا للنخبة فقط، بل كان مشاعًا للجميع، من الحكام حتى عامة الناس، تمامًا كما هى وسائل التواصل الاجتماعى اليوم التى تجمع الكل فى مساحة واحدة.
?ويختتم هذا الجزء برؤية مستقبلية، فالكتاب لا يقف عند الماضى، بل يقفز بالقارئ إلى “المسرح الافتراضي”، حيث يصبح الشاب هو المؤلف والمخرج ومهندس الديكور بضغطة زر على الإنترنت. هذه الرؤية تحول المسرح من “تاريخ” إلى “مستقبل”؛ فهى تخبر جيل الإنترنت بأن المسرح لم يعد حبيس الجدران الإيطالية القديمة، بل أصبح عالمًا لا محدودًا ينتظر إبداعهم الخاص. المسرح هنا ليس فنًا قديمًا ندرسه، بل هو أداة جديدة يمكنهم من خلالها إعادة اختراع العالم.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مناقشة سؤال مهم طالما أثار الجدل، وهو: هل عرف العرب المسرح؟
يعرض أولًا الرأى الذى يقول إن العرب لم يعرفوا المسرح بالشكل التقليدى المعروف فى اليونان القديمة. ويستند هذا الرأى إلى أن المسرح اليونانى كان مرتبطًا بالأساطير والصراع مع الآلهة، وهى موضوعات تختلف عن طبيعة الحضارة العربية القائمة على التوحيد. لذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن البيئة الفكرية والدينية لم تكن تسمح بظهور مسرح مماثل للمسرح اليونانى.
لكن المؤلف لا يقدّم هذا الرأى باعتباره حقيقة نهائية، بل يناقشه، فهو يوضح أن الحضارة العربية لم تكن منغلقة، بل استفادت من الفلسفة اليونانية وترجمتها وطوّرتها. وهذا يعنى أن غياب المسرح بالشكل الكلاسيكى لا يمكن تفسيره بالدين فقط، بل يعود أيضًا إلى طبيعة المجتمع وأشكال التعبير الفنى التى كانت سائدة فى ذلك الوقت.
وفى المقابل، يؤكد د.أبو الخير أن العرب عرفوا نوعًا من الحالة المسرحية، حتى لو لم يعرفوا المسرح المعمارى القائم على خشبة مغلقة. ويستشهد بأشكال شعبية مثل السامر، وخيال الظل، والحكواتى، وصندوق الدنيا. فهذه الأشكال كانت تحتوى على عناصر درامية واضحة مثل الشخصيات، والصراع، والحوار، وفكرة تدور حولها الأحداث. كما كان هناك تفاعل مباشر مع الجمهور، حيث يكسر المؤدى الحاجز بينه وبين المتفرجين بطريقة طبيعية.
ومن هنا يوضح المؤلف أن خصوصية التجربة العربية لا تعنى غياب المسرح، بل تعنى أنه ظهر فى صورة مختلفة. فقد نشأ فى الساحات والمقاهى والأماكن المفتوحة، وكان قريبًا من الناس وحياتهم اليومية. لذلك يمكن اعتباره مسرح الفضاء الاجتماعى، لا مسرح الخشبة المغلقة.
ومن ثم يتجه د. أبوالخير إلى الفنون المسرحية والموسيقية بوصفها مرآة لثقافة الشعوب، حيث تتجاوز التسلية لتعيد تشكيل الوجود الإنسانى فى صيغ فنية متعددة. فالأوبرا تمثل قمة الانضباط الفنى عبر تماهى النص مع الموسيقى، بينما يظهر الأوبريت كجنس مستقل أكثر خفة واشتباكًا مع القضايا الاجتماعية، وقد نجح رواد مثل سيد درويش والأخوان رحبانى فى تأصيل هذا الفن عربيًا ومنحه هوية تجمع بين التراث والحداثة.
كما يستعرض الفنون الشعبية كخيال الظل والسامر والحكواتى بوصفها أشكالًا تفاعلية كسرت الحاجز الرابع مبكرًا، معتمدة على الارتجال والتواصل المباشر مع الجمهور. ويؤكد التمثيل الصامت أن الجسد لغة تعبير أولى قادرة على تجسيد الرموز والانفعالات دون كلام.
ويختتم الكاتب هذه الجزئية بمسرح الطفل والعرائس بوصفهما وسيلة تربوية وجمالية تجمع بين المتعة والوعى، وتؤكد قدرة المسرح فى مختلف أشكاله على تشكيل الوعى الجمعى ومقاومة القبح عبر الفن.
إن الكاتب يقدّم عملية إنتاج العرض المسرحى بوصفها تجربة إبداعية متكاملة، لا مجرد تنفيذ حرفى لنص مكتوب، فيحاول أن يوضح للقارئ الناشئ أن المسرح يبدأ من لحظة اختيار النص، لأن هذا الاختيار لا يحدد موضوع العرض فقط، بل يوجّه رؤيته الفكرية والجمالية. فالنص المسرحى، كما يلمّح التحليل، ليس كلمات محفوظة، بل عالم درامى يكشف صراعات إنسانية واجتماعية ويعرض تحولات الشخصيات النفسية، الأمر الذى يجعل منه مادة مفتوحة للتفسير والإبداع، لا قالبًا مغلقًا للتطبيق.
ومن هذا المنطلق ينتقل الكاتب منطقيًا إلى دور المخرج، فيقدّمه باعتباره صانع الرؤية الذى يعيد قراءة النص بعين ناقدة، ثم يحوّله إلى صور وحركات على خشبة المسرح. وهنا يبسّط الفكرة للقارئ الصغير بأن المسرح ليس مكانًا ثابتًا، بل فضاء يمكن تغييره وتشكيله وفق طبيعة الجمهور والمكان، مما يجعل الإخراج عملية تفكير وتحليل قبل أن يكون تنفيذًا. وبهذا الربط يدرك القارئ أن المخرج لا يضيف شكلًا جماليًا فقط، بل يكشف معانى النص ويقرّبها إلى المتلقى من خلال لغة بصرية واضحة.
وبعد تثبيت دور المخرج، يوضح الكاتب أن النص يظل ناقصًا حتى يتحول إلى أداء حى، وهو انتقال مهم يبيّن للناشئ قيمة الممثل بوصفه عنصرًا يبعث الحياة فى الكلمات. فالحوار لا يقدَّم هنا كجمل منطوقة فحسب، بل كوسيلة لإظهار الصراعات النفسية والاجتماعية للشخصيات، ولذلك تأتى تدريبات القراءة لتساعد الممثل على فهم تاريخ الشخصية ودوافعها وطبقتها الاجتماعية، فيتحول الأداء إلى تجربة شعورية يشعر بها الجمهور لا مجرد حفظٍ للنص.
ومن هنا يتم توضيح أهمية الحركة والتوزيع المكانى على خشبة المسرح، فيربط الكاتب بين موقع الممثل ومعنى الشخصية، موضحًا بشكل مبسّط أن الوقوف فى المنتصف قد يدل على القوة، بينما التراجع للخلف قد يوحى بالضعف أو العزلة. وبهذا الأسلوب يعلّم القارئ الناشئ أن تفاصيل الحركة ليست عشوائية، بل تحمل دلالات تساعده على فهم الصراع الدرامى والعلاقات بين الشخصيات.
ويواصل الكاتب هذا الترابط حين ينتقل إلى السينوغرافيا، فيؤكد أن الإضاءة والديكور ليسا مجرد عناصر للزينة، بل وسائل تعبير تشكّل الجو النفسى للمشهد وتوجّه انتباه المتفرج. فالإضاءة قد تجعل المشهد هادئًا أو متوترًا، والموسيقا تضيف إحساسًا يسبق الحدث أو يعلّق عليه، بينما يوضح المكياج والأقنعة طبيعة الشخصية وعمرها وحالتها النفسية. ومن خلال هذا التسلسل يرسّخ الكاتب فكرة أن كل عنصر تقنى فى المسرح يشارك فى بناء المعنى، وليس مجرد إضافة شكلية.
وتصل الفقرات فى ترابطها إلى نتيجة أساسية، وهى أن العرض المسرحى لا يكتمل إلا عندما تنسجم جميع هذه العناصر فى البروفات النهائية، ليظهر العمل كوحدة فنية متماسكة. فالمسرح، كيان عضوى لا يمكن فصل أجزائه دون أن يختل معناه، وهو ما يعلّم القارئ الشاب أن الفن يقوم على التعاون والانسجام بين الممثلين والمخرج والتقنيين.
وفى النهاية يوجّه الكاتب رسالة واضحة للناشئ مفادها أن المسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل فضاء للتفكير والنقد وفهم المجتمع. فكل حركة أو إضاءة أو موسيقى تحمل فكرة، وكل عرض يمكن أن يدفع المتفرج للتأمل فى القضايا الاجتماعية والإنسانية من حوله.


نورهان ياسر