استدعاء التراث فى المسرح المصرى المعاصر.. كيف يتحول الموروث إلى طاقة عرض؟

استدعاء التراث فى المسرح المصرى المعاصر.. كيف يتحول الموروث إلى طاقة عرض؟

العدد 969 صدر بتاريخ 23مارس2026

يكشف حضور التراث على الخشبة عن اللحظة التى يبدأ فيها المسرح فى مساءلة نفسه؛ كيف يخاطب جمهوره، ومن أين يستمد شرعية شكله، وبأى أدوات يوقظ ذاكرة جمعية من دون أن يكتفى باستعادتها. لذلك يتخذ التراث فى المسرح المصرى المعاصر مكانة تتجاوز قيمته المرجعية إلى وظيفة بنائية تمس جوهر العرض، وتعيد تشكيل الصلة بين الأداء والذاكرة، وبين الحركة والمعنى، وبين تقاليد المشاهدة والرؤية الجمالية الحديثة. ومن داخل هذا التحول تغدو عناصر مثل الحكى، والأراجوز، والسيرة الشعبية مكونات حية فى نسيج العرض، تنتج إيقاعه، وتوجه تلقيه، وتمنح الخشبة قدرة أكبر على استعادة عمقها الثقافى فى أفق معاصر.
 هذه الملاحظة تقتضى منذ البدء تمييزًا ضروريًا بين مستويين فى التعامل مع التراث، أولهما مستوى الاستدعاء الزخرفى، وثانيهما مستوى التوظيف البنيوى. فى المستوى الأول، يعامل التراث بوصفه خزانًا للصور والملامح الخارجية؛ فتظهر على الخشبة بعض الإشارات السهلة إلى الأراجوز، أو الحكاء، أو المداح، أو السيرة الشعبية، من غير أن يترتب على ذلك تحول حقيقى فى بنية العرض أو فى منطقه الجمالى. أما فى المستوى الثانى، وهو الأكثر أهمية والأقل شيوعًا، فإن التراث يستحضر بوصفه موضوعًا وشكلًا فى آن واحد؛ أى بوصفه طريقة مخصوصة فى تنظيم الزمن المسرحى، وفى بناء العلاقة بين الممثل والجمهور، وفى توزيع الصوت والحركة والإيقاع والسرد.
ومن هنا تتجلى القيمة الحقيقية لعودة التراث فى قدرة العرض على استثمار المفردات الشعبية استثمارًا ينعش المسرح، ويحرره من بعض ما فرضته الحداثة عليه من جمود. وإعادته إلى أصوله الحية بوصفه لقاء بشريًا مباشرًا، لا مجرد نص يلقى داخل علبة مغلقة. فحين يدخل التراث إلى الخشبة بوعى، فإنه لا يضيف ألوانًا محلية فقط، وإنما يعيد مساءلة الفعل المسرحى ذاته؛ فمن يتكلم؟ ولمن؟ وكيف؟ وبأى سلطة جمالية أو رمزية؟
لقد أفضى انتشار بعض الصيغ المسرحية الحديثة، فى فترات عديدة، إلى اتساع المسافة بين العرض وذاكرة جمهوره، نتيجة تقديمها أحيانًا فى صورة قوالب جاهزة لا تراعى اختلاف السياقات الثقافية ولا خصوصية التلقى. وفى هذا السياق، يتخذ استدعاء التراث فى بعض التجارب المعاصرة معنى يتصل باستعادة وسائط اتصال تراجع حضورها فى المسرح، من الحكى المباشر والإيقاع المتكرر إلى النكتة الشعبية والنداء الجماعى والحضور الموسيقى، وصولًا إلى الاعتداد بالجسد بوصفه حاملًا للمعنى وشريكًا فى إنتاجه.
غير أن هذا الاستدعاء لا يكون مشروعًا لمجرد أنه محلى، كما لا يصير ناجحًا لمجرد أنه يقترب من المأثور الشعبى. فالتراث ليس قيمة تلقائية، ولا ضمانة فنية جاهزة، فهو مادة أولية قابلة للإنهاك كما هى قابلة للتجدد. والخطر الأكبر هنا أن يتحول إلى شارة هوية ترفع على الخشبة طلبًا للخصوصية، من غير أن ينتج ذلك ضرورة فنية حقيقية. عندئذ يتجمد التراث فى صورة متحفية، ويغادر موقعه بوصفه طاقة مولدة للمعنى إلى مجرد علامة معلقة على سطح العرض.
ويتجه السؤال النقدى الجاد إلى فحص الكيفية التى تدخل بها العناصر التراثية فى نسيج العرض، ونوع الإضافة التى تحققها فى منطقه الجمالى، والأثر الذى تصنعه فى تشكيل التلقى. ومن هذا المنظور تظهر الفروق الحاسمة بين عرض يحتفظ بالتراث عند حدود المظهر، وعرض يستثمره بوصفه طاقة فاعلة فى إنتاج المعنى. فالأراجوز يتجاوز حضوره بوصفه علامة احتفالية إلى كونه بنية للسخرية والاختزال الدرامى والاتصال الحر بالجمهور، والحكاء ينهض بوظيفة تتصل بإنتاج الإيقاع وتوزيع الانفعال وبناء المسافة الواعية بين الواقعة وصورتها المسرحية، فيما يمنح المنشد الشعبى العرض إمكانات للتلقى الجمعى تجعل الكلمة حدثًا مسموعًا ومشتركًا داخل الفضاء المسرحى.
ومن هذه الزاوية، تغدو عودة التراث إلى المسرح المعاصر استجابة مركبة لأزمتين متداخلتين، هما أزمة الشكل، وأزمة الجمهور. فالمسرح واجه، فى مراحل كثيرة، ضيقًا فى الأشكال التى أنتجتها المركزيات الحديثة الصارمة، وعايش فى الوقت نفسه اتساعًا فى المسافة بينه وبين متفرج صار أسرع إيقاعًا، أشد تشتتًا، وأقل استعدادًا للتفاعل مع الأبنية الخطية المغلقة. ومن هنا تتصل العودة إلى الأشكال الفرجوية الشعبية بمحاولة ابتكار وسيط جديد عبر مادة ثقافية قديمة، يفتح أمام العرض إمكانًا معاصرًا للمخاطبة، ويعيد تنشيط صلة العرض بجمهوره.
وتنبع المعاصرة هنا من الكيفية التى يعاد بها صوغ التراث داخل رؤية واعية بتاريخيته وحدوده، رؤية تستوعب التراث بوصفه نسيجًا متراكبًا من التراكم والتأويل والتحول، ومادة قابلة لإعادة التشكيل داخل أسئلة الحاضر. وعند هذه النقطة تغدو العودة إليه فعل اختيار وقراءة وإعادة تشكيل، وتغدو مهمة الفنان مرتبطة بإعادة تركيب عناصره، واختبار قدرتها على الحياة داخل أسئلة الحاضر. ومن هذا المنظور تكتسب التجارب الأكثر نضجًا قيمتها، لأنها تنفذ إلى مبدأ الاشتغال الكامن فى صيغ الفرجة القديمة، ثم تدفعه إلى إنتاج شكل جديد.
ويتركز الرهان الحقيقى فى استدعاء التراث حول طاقته على إنتاج معرفة جمالية مختلفة بالواقع، معرفة تستكشف تناقضاته، وتفكك أنساقه الرمزية، وتعيد وصل المسرح بأسئلته الثقافية الأعمق. ومن هذا الموقع يتخذ التراث قيمته بوصفه أداة نقد ووسيطًا لقراءة الحاضر، فيما ينهض الفن الشعبى بما يختزنه من سخرية ومقاومة رمزية وقدرة على تفكيك السلطة وإعادة توزيع الصوت داخل المجال العام. وهنا تتحدد قيمة استحضاره فوق الخشبة بقدر ما يتحول إلى عنصر فاعل فى إنتاج المعنى، ويغادر حدود الحضور الزخرفى إلى بنية حية تشارك فى تشكيل الرؤية.
بناء على ذلك، ترتبط العلاقة المستقبلية بين المسرح المصرى وتراثه بنوعية الاستدعاء وطاقته على الفعل داخل بنية العرض. فالاستدعاء الذى يمر بالموروث من غير أن يحرك الرؤية أو يوقظ أسئلة الشكل، يظل حنينًا ثقافيًا أكثر منه فعلًا خلاقًا. أما حين يتحول التراث إلى منبع لإعادة التفكير فى الجسد، والسرد، والإيقاع، والمخاطبة، والفضاء، فإننا نكون أمام لحظة فنية أكثر عمقًا، تستعيد فيها الخشبة مادتها التراثية بوصفها قوة مولدة للمعنى، وعنصرًا حيًا فى إنتاج مسرح أكثر قدرة على التجدد والحياة.
وبهذا تتركز القيمة الأعمق لعودة التراث إلى الخشبة فى قدرته على فتح أفق جديد للمسرح، واستكشاف ما يمكن أن يصير إليه الشكل حين يدخل الماضى فى صميم الفعل الخلاق. وعند هذه النقطة تتحدد المسافة بين عرض يكتفى باستعارة ذاكرته، وعرض يحولها إلى قوة تصنع مستقبله


منال الشرقاوي