العدد 967 صدر بتاريخ 9مارس2026
يعد كتاب «المسرح السودانى فى زمن العنف ودراسات أخرى» للباحث والناقد أبوطالب محمد إضافة هامة إلى المكتبة النقدية التى تختص بالمسرح العربى، يبحث الكتاب فى قضايا المسرح السودانى المعاصر فهو يناقشها فى ضوء المشهد السياسى والاجتماعى الذى يمر به السودان اليوم ؛ يتضمن الكتاب مجموعة من الدراسات النقدية حول جوانب متعددة فى المسرح السودانى، إضافة إلى دراسات أخرى حول المسرح العربى. وقد صدر الكتاب عن (المهرجان المسرحى الدولى لشباب الجنوب) فى مائة وأربع صفحات من الحجم المتوسط بالألوان. حيث تقيم هذا المهرجان سنويا «مؤسسة س للثقافة والإبداع»، بجنوب مصر، برئاسة الصحفى والناقد المسرحي/ هيثم الهوارى.
يتكون الكتاب من عدة دراسات يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
• المسرح السودانى فى سنوات الاضطراب (2018-2022): يتناول تاريخ الحركة المسرحية السودانية من 2018 إلى 2022، فترة كان فيها السودان يعاقب به التحولات السياسية والثورية، وكيف كان المسرح السودانى يتفاعل مع هذه التحولات، وكيف استعاد خطابه الثورى المناهض للاستعمار والرافض للاستقواء بالأنظمة الدكتاتورية الجديدة.
- تجارب المسرح السوسيوسياسى: هذه الدراسة تتناول التجارب المسرحية لرائدين من رواد المسرح السودانى : عادل سعد وعبداللطيف الرشيد وكيفية مناقشتهما للمفهوم الاجتماعى والسياسى للسودان، واللغة الوحشية التى خرجت من الواقع الجديد فى السودان .
- المسرح والسرد: تستكشف هذه الدراسة العلاقة المتناهية بين المسرح والسرد وكيف أن السرد هو دعامة أساسية فى المسرح من حيث الحكاية فى النص المسرحى وصولاً إلى العرض المسرحى المعاصر، إذ يقدم الكاتب مثالاً من المسرحيات السودانية التى استخدمت السرد بشكل واضح .
- دراستان عن المسرح العربي: تتناول الدراستان الأخريان فى الكتاب المسرح العربى، حيث تستخدم الدراسة الأولى منهجية باختين لتحليل حوارية الخطاب فى المسرح، بينما تتناول الدراسة الثانية قضية الأسلوبية النمطية فى المسرح العربى، ودعوة المسرح للتجديد والتحرر من القيود.
أهمية الكتاب
يكتسب كتاب «المسرح السودانى فى زمن العنف ودراسات أخرى» أهمية كبيرة لعدة أسباب:
• توثيق مرحلة حرجة: يوثق الكتاب لمرحلة حرجة فى تاريخ المسرح السودانى، وهى الفترة التى تزامنت مع الثورة السودانية والتحولات السياسية والاجتماعية التى أعقبتها. يسجل الكتاب كيف تفاعل المسرح مع هذه الأحداث، وكيف أصبح أداة للتعبير عن آمال الشعب وتطلعاته.
• تحليل دور المسرح فى التغيير: يقدم الكتاب تحليلًا عميقًا لدور المسرح فى التغيير الاجتماعى والسياسى، وكيف يمكن أن يكون المسرح منصة لنقد السلطة ومقاومة الظلم. يبرز الكتاب دور المسرحيين السودانيين فى استخدام فنهم للتعبير عن رفضهم للعنف والاستبداد، ودعوتهم إلى الوحدة الوطنية والديمقراطية.
• إبراز التجارب المسرحية الرائدة: يسلط الكتاب الضوء على تجارب مسرحية رائدة فى السودان، ويحلل أعمال بعض رواد المسرح السودانى، مثل عادل سعد وعبد اللطيف الرشيد. يساهم ذلك فى فهم التطورات التى شهدها المسرح السودانى، والاتجاهات الفنية والفكرية التى يسلكها.
• إضافة للمكتبة النقدية: يمثل الكتاب إضافة قيمة للمكتبة النقدية المسرحية العربية، حيث يقدم رؤى جديدة حول المسرح السودانى والمسرح العربى. يساهم الكتاب فى إثراء النقاش حول قضايا المسرح المعاصر، ويقدم أدوات تحليلية جديدة لفهم الأعمال المسرحية.
• الدعوة إلى التجديد: يدعو الكتاب إلى التجديد فى المسرح العربى، والتحرر من الأساليب النمطية والقيود التى تعيق تطوره. يشجع الكتاب المسرحيين على التجريب والابتكار، واستخدام المسرح كأداة للتعبير عن القضايا المعاصرة.
القراءة النقدية
• المنهجية النقدية: يتبع الكتاب مناهج نقدية متنوعة، ما يثرى التحليل ويقدم رؤى مختلفة حول الأعمال المسرحية. استخدام منهجية باختين فى تحليل حوارية الخطاب يعتبر إضافة قيمة للدراسات المسرحية العربية.
• التركيز على القضايا الاجتماعية والسياسية: يركز الكتاب بشكل كبير على دور المسرح فى تناول القضايا الاجتماعية والسياسية، وهو ما يعكس أهمية المسرح كأداة للتغيير والتوعية فى المجتمعات التى تمر بمراحل انتقالية. حيث إن الكتاب يولى اهتمامًا خاصًا لكيفية استخدام المسرح كمنصة لمناقشة وتحليل القضايا المهمة فى المجتمع. هذه القضايا قد تشمل مواضيع مثل العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، الفقر، التمييز، الصراع، وغيرها من التحديات التى تواجه المجتمعات.
• المسرح كأداة للتغيير والتوعية: يوضح الكتاب أن المسرح لا يقتصر دوره على الترفيه، بل يمكن أن يكون له دور فعال فى إحداث التغيير الاجتماعى وزيادة الوعى بالقضايا الهامة. من خلال تقديم قصص وشخصيات تعكس الواقع الاجتماعى والسياسى، يمكن للمسرح أن يثير التفكير النقدى ويشجع المشاهدين على التساؤل والتحرك.
• المجتمعات التى تمر بمراحل انتقالية: يركز الكتاب بشكل خاص على دور المسرح فى المجتمعات التى تشهد تحولات كبيرة، مثل الثورات، الانتقال السياسى، أو التغيرات الاجتماعية العميقة. فى هذه المراحل، غالبًا ما يكون هناك صراع على السلطة، وتغير فى القيم والمعتقدات، وحاجة إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية. يمكن للمسرح أن يلعب دورًا حيويًا فى هذه العمليات من خلال توفير مساحة للتعبير عن الآراء المختلفة، وتحدى الوضع القائم، وتقديم رؤى بديلة للمستقبل.
• تحليل التجارب المسرحية الرائدة: يقدم الكتاب تحليلًا معمقًا لتجارب مسرحية رائدة فى السودان، مما يساعد على فهم التطورات التى شهدها المسرح السودانى، والاتجاهات التى يسلكها. فالكتاب لا يكتفى بتقديم وصف سطحى للأعمال المسرحية، بل يتجاوز ذلك إلى تحليلها بشكل عميق وشامل. يتضمن هذا التحليل دراسة العناصر المختلفة فى العمل المسرحى، مثل النص، الإخراج، التمثيل، السينوغرافيا (تصميم المناظر)، والموسيقى. كما يتناول التحليل السياق التاريخى والاجتماعى الذى أنتج فيه العمل المسرحى، ورؤية الفنانين ورسالتهم.
• تجارب مسرحية رائدة: يعنى ذلك أن الكتاب يركز على الأعمال المسرحية التى تعتبر مهمة ومؤثرة فى تاريخ المسرح السودانى. قد تكون هذه الأعمال رائدة من حيث الابتكار الفنى، أو تأثيرها الاجتماعى، أو قدرتها على التعبير عن قضايا هامة.
• فهم التطورات التى شهدها المسرح السوداني: من خلال تحليل هذه التجارب الرائدة، يساعد الكتاب القارئ على فهم كيف تطور المسرح السودانى عبر الزمن. يمكن أن يشمل هذا التطور التغيرات فى الأساليب الفنية، والموضوعات التى تتناولها المسرحيات، ودور المسرح فى المجتمع.
• الاتجاهات التى يسلكها: بالإضافة إلى فهم الماضى، يساعد الكتاب أيضًا على تحديد الاتجاهات الحالية والمستقبلية للمسرح السودانى. يمكن أن يشمل ذلك الاتجاهات الفنية الجديدة، مثل استخدام التقنيات الحديثة فى العروض المسرحية، أو الاتجاهات الفكرية، مثل التركيز على قضايا معينة مثل الهوية، أو حقوق الإنسان، أو الديمقراطية.
• الدعوة إلى التجديد: يدعو الكتاب إلى التجديد فى المسرح العربى، والتحرر من الأساليب النمطية، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للممارسة المسرحية العربية. حيث يشير الكتاب إلى أن المسرح العربى بحاجة إلى التطور والتغيير. هذا التجديد لا يعنى التخلى عن التراث، بل يعنى إعادة النظر فى كيفية تقديم هذا التراث، واستكشاف أشكال ومضامين جديدة تتناسب مع العصر.
• التحرر من الأساليب النمطية: ينتقد الكتاب «الأسلبة النمطية» فى المسرح العربى، وهى الأساليب التقليدية والجامدة التى تقيد الإبداع وتحد من قدرة المسرح على التعبير عن القضايا المعاصرة بشكل فعال. يدعو الكتاب إلى التحرر من هذه القيود، سواء كانت فى الكتابة أو الإخراج أو التمثيل أو غيرها من عناصر العرض المسرحى.
• فتح آفاق جديدة للممارسة المسرحية العربية: يرى الكتاب أن التجديد والتحرر من الأساليب النمطية سيؤديان إلى إثراء المسرح العربى وتوسيع آفاقه. سيسمح ذلك للمسرحيين العرب باستكشاف أشكال تعبيرية جديدة، وتناول موضوعات أكثر جرأة وعمقًا، والتواصل مع الجمهور بطرق أكثر فعالية.
نقاط القوة والضعف
أولًا: نقاط القوة:
• تنوع الموضوعات التى يغطيها الكتاب.
• المنهجية النقدية المتنوعة.
• التركيز على دور المسرح فى التغيير الاجتماعى والسياسى.
• تحليل معمق لتجارب مسرحية رائدة.
• أهمية الكتاب فى توثيق مرحلة حرجة وتقديم رؤى نقدية قيمة.
• تميز الكتاب باحتوائه على صور فوتوغرافية لبعض العروض المسرحية السودانية، مما يثرى الوجهة المرئية التوثيقية لأهداف الكتاب كما يغذى الصورة البصرية للقارئ مما يساعده على تطبيق النماذج المسرحية فى الكتاب.
ثانيا: نقاط الضعف:
• قد يرى البعض أن الكتاب يركز بشكل كبير على المسرح السودانى، على حساب المسرح العربى فى الدراسات الأخيرة.
• قد يحتاج الكتاب إلى المزيد من التحليل المقارن بين التجارب المسرحية السودانية والعربية.
فى النهاية يمكن القول إنه يعد كتاب «المسرح السودانى فى زمن العنف ودراسات أخرى» إضافة قيمة للمكتبة النقدية المسرحية، حيث يقدم تحليلًا معمقًا للمسرح السودانى المعاصر، ويسلط الضوء على دوره فى التعبير عن قضايا المجتمع والسياسة، ويساهم فى توثيق وتحليل دور المسرح فى المجتمعات التى تمر بمراحل انتقالية، ويقدم رؤى نقدية مهمة حول المسرح السودانى والعربى. كما يتميز الكتاب بتنوع موضوعاته ومنهجيته النقدية، ويدعو إلى التجديد فى المسرح العربى. رغم وجود بعض النقاط التى يمكن تطويرها، فإن الكتاب يظل مرجعًا هامًا للباحثين والمهتمين بالمسرح السودانى والعربى.