هانى مهران: الكتابة ليست موهبة فحسب بل هى قواعد يجب تجربتها علميًا

هانى مهران: الكتابة ليست موهبة فحسب بل هى قواعد يجب تجربتها علميًا

العدد 966 صدر بتاريخ 2مارس2026

يعد الكاتب والمخرج المسرحى هانى مهران واحدًا من الأصوات التى تبلورت تجربتها عبر مسار طويل داخل فضاء المسرح، حيث جمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل، إلى جانب اشتغاله بالشعر، بالإضافة لدراسته الأكاديمية بقسم الدراما والنقد المسرحى، والتى عززت ممارسته الفنية وعمقت وعيه الجمالى، فمنذ بداياته الأولى فى المسرح المدرسى، مرورًا بتجارب متنوعة، وصولًا إلى تقديم نصوصه على خشبة المعهد العالى للفنون المسرحية وغيرها من المنصات الثقافية، راكم مهران خبرة معرفية وعملية انعكست بوضوح على مشروعه الإبداعى. وتميز مشروعه بأسلوب فلسفى خاص، وتنوع بين المونودراما، ومسرح الطفل، ومسرح الكبار، والمسرح الشعرى والغنائى. حصل مهران على عدد من الجوائز منها جائزة أفضل أشعار من مهرجان نقابة المهن التمثيلية، وأخيرًا حصل على المركز الثانى فى جائزة ساويرس الثقافية عن نصه المسرحى فلوماستر ماركة. وفى هذا الحوار، يفتح هانى مهران نافذة على تجربته ومسيرته الفنية، متوقفًا عند رؤيته للكتابة والمسرح، ومحطات الاعتراف والجوائز، بوصفها عناصر ضمن رحلة أوسع فى البحث عن نص مسرحى قادر على الاستمرار وإحداث الأثر، وغيرها من الموضوعات المهمة.


كيف ترى حصولك على المركز الثانى فى جائزة ساويرس للنص المسرحى كمحطة فى رحلتك مع الكتابة المسرحية، وإلى أى مدى ترى أن مثل هذه الجوائز تنصف النص المسرحى فعلًا أم تظل مجرد لحظة ضوء عابرة فى مسار الإبداع؟
بدأت رحلتى مع الكتابة منذ عام 2004، وطوال تلك السنوات كانت نصوصى تُقدم على خشبات المسرح المدرسى، ومسرح الهواة، والمسرح الكنسى، وصولًا إلى المعهد العالى للفنون المسرحية؛ حيث اعتمدها الطلاب والأساتذة فى مشاريع التخرج وفى مهرجانات كبرى مثل إبداع، وبحكم تخصصى فى كتابة الشعر الغنائى، اتجهت طبيعيًا نحو صياغة النصوص المسرحية الغنائية.
لفترة طويلة، كنت أتحفظ على فكرة المشاركة فى المسابقات، لكن نظرتى تغيرت حين أدركت أن الجوائز هى صك اعتراف يرفع من قيمة النص ويضع الكاتب فى مكانة مختلفة، فالحصول على جائزة بحجم ساويرس هو بمثابة ختم جودة أو شعار يؤكد أن هذا المؤلف معترفا به ويستحق التقدير، خاصة أنها اكتسبت ثقلًا كبيرًا فى الوسط الثقافى والمنافسة فيها ليست سهلة، لأنه يشارك فيها عدد كبير من المؤلفين، وتحقيق المركز الثانى فيها يعد محطة فارقة فى تاريخى؛ فهى لا تغير فقط من رؤية الوسط الفنى لى، بل تعزز ثقة المتلقى فى النص وأنه مهم، و تظل وسامًا يرافق النص والكاتب الفائز طوال رحلته، بغض النظر عما إذا قدم الكاتب أعمالًا أخرى لاحقًا أو أصدر كتبًا، يظل ذلك النص تحديدًا مرهونًا فى ذاكرة الجمهور والنقاد بلحظة تتويجه.
إن نظرة الناس تتغير للنص بمجرد معرفة أنه حائز على جائزة؛ حيث تمنحه هذه الصفة قيمة جمالية مسبقة، وعلى مدار السنوات، سيظل نص «فلوماستر ماركة»، يُعرف دائمًا بأنه النص الحاصل على جائزة ساويرس، وهذا ما يجعله يكتسب بريقًا استثنائيًا يفوق باقى كتاباتى فى عيون المتلقى، حتى وإن كنت أرى أنه قد لا يكون بالضرورة أفضل ما كتبت.

حدثنا عن نص فلوماستر ماركة الحاصل على الجائزة؟
تدور فى عالم خيالى موازٍ لعالم البشر، هو عالم الألوان، حيث تنقسم الألوان إلى زاهية «فاتحة» تحكم المدينة وتتمتع بالحقوق، وألوان قاتمة ومخططة تُقصى وتُنفى إلى جزيرة “المقلمة المنسية” وتُحرم من التعليم والعمل والزواج، ويولد اللون «أسود» داخل مدينة الألوان الزاهية من أبوين فاتحين، فيعد وجوده خرقًا للنظام، وتحاول الأم تعليمه سرًا، بينما يخضع الأب للتقاليد، لينتهى الأمر بنفيه. يهرب أسود، يتخذ اسمًا مستعارًا، ويبدأ وعيه السياسى عبر الكتابة وتوزيع منشورات تدعو إلى المساواة وحرية الاختيار بين الألوان، وتتقاطع رحلته مع شخصية «روز»، لينشأ حب محرم يوازى صراعًا مع سلطة الأمن الممثلة فى «المحقق البطيخى».
تتصاعد الأحداث نحو الدعوة إلى «يوم اتحاد الألوان»، فتسعى السلطة لإفشاله بالتهديد والتلفيق والضغط على الداعمين. فى النهاية ينقلب المخطط على المحقق نفسه، ويُكشف تزويره وفساده، لتُعلن خطوبة أسود وروز بوصفها رمزًا لانتصار المساواة وتغيير القوانين، وتُبنى الحبكة بإطار مسرحى رمزى يبدأ بـ«يوم حساب الألوان» وتقنية الفلاش باك، حيث تقدم الشخصيات كأقلام ألوان، فى استعارة واضحة عن التمييز، الإقصاء، والحق فى الاختلاف.

حصولك على الجائزة.. هل يضعك أمام رهانات جديدة فى الكتابة، أم أنك تفضل الاستمرار فى المسار نفسه؟
تضع الجائزة على عاتقى مسئولية مضاعفة، لقد بدأت أنظر حتى إلى نصوصى القديمة بمنظور مختلف؛ تلك النصوص التى رسمتها لعدد من الأشخاص أو بمستوى تمثيلى محدد، صرت أخشى عليها من الظلم حين تُقرأ الآن، ويُقال إن كاتبها هو الفائز بساويرس.
الجائزة تفرض ضغطًا حتميًا، فالجميع بات ينظر إلىّ وإلى أعمالى بعيون فاحصة، فهناك من سيطلب النص الفائز تحديدًا ليرى معايير التفوق فيه، ومنهم من سيقارنه بنصه الخاص فى سياق المنافسة، بينما ربما سيلجأ إليه الكتاب الجدد كنموذج استرشادى للمشاركة فى مسابقة فقراءة نص فائز أفضل عند البعض من قراءة نص عادى إذا كان يريد تعلم الكتابة ليعرف مميزاته، فسوف يكون هناك قارئ مختلف ربما يتحدى ويحاول البحث عن أفكار وطرق استرشاد مما يفرض علىّ أن يكون كل نص أكتبه بعد الآن قادرًا على مواجهة تلك النظرة الفاحصة والمنافسة.

حدثنا عن بداياتك مع المسرح والإبداع بشكل عام؟
بدأت علاقتى بالمسرح فى المرحلة الإعدادية من خلال المسرح المدرسى كممثل، ثم توقفت لفترة، قبل أن أكتشف فضاءً مسرحيا آخر عبر مراكز الشباب وبيوت الثقافة التى كانت تضم فرق تمثيل نشطة، ومن هنا بدأت رحلتى فى مسرح الهواة، حيث انطلقت بكتابة أغانى المسرحيات، ثم اتجهت إلى التمثيل، وبعدها عملت كمساعد مخرج، وتعلمت الإضاءة من حيث الفهم والتصميم والتنفيذ، ثم اشتغلت بالديكور، وصولًا إلى الكتابة المسرحية والشعر الغنائى للمسرح.
مع الوقت بدأت نصوصى تُطلب من قبل المخرجين، وتقدم فى مهرجانات مختلفة وتحصد جوائز، ما فتح الباب لطلب نصوص أخرى، ولاحقا، توجه اهتمامى إلى المونودراما بوصفها أحد أكثر الأشكال المسرحية ظلمًا وافتقارًا للاهتمام فى الوسط المسرحى، وأصدرت فى هذا الإطار كتابين هما «المنطقة 23»، ويضم 14 نصًا مسرحيًا بالعامية، و«الناقذة»، ويحتوى على ستة نصوص مونودرامية بالفصحى، إلى جانب كتابتى لنصوص أخرى، ويصل عدد نصوصى المطبوعة فى المونودراما إلى نحو عشرين نصا، فضلا عن أعمال غير مطبوعة قدمت على خشبة المسرح ونالت جوائز فى محافل متعددة، سواء فى المعهد، أو مسرح الغرفة، أو مهرجان شرم الشيخ أو مهرجان إبداع بالأكاديمية. كما كتبت نصوصًا شعرية لمنتخب الأكاديمية أكثر من مرة، وقدمت عروضًا غنائية فى جهات مختلفة، إضافة إلى نصوص دُرست وكانت مشروعات تخرج فى المعهد أو الجامعة الأمريكية، مثل «فلوماستر ماركة» الذى سيدرس هذا العام، وقد أصدرت كتابًا يحمل نفس الاسم يضم أربعة نصوص بالعامية، وكتاب «مانويلا» ويحتوى على أربعة نصوص بالفصحى، إلى جانب نصوص أخرى تحت الطبع، فضلًا عن مشروع مسرح غنائى تحت الطبع.
أما فى الإخراج فقد أخرجت نحو خمسة وعشرين عرضًا مسرحيًا، تنوعت بين نصوص من كتابتى قدمتها مع فرقتى الخاصة التى أسستها عام 2002 تحت اسم «فلسفة»، وأعمال لكتاب كبار مثل لينين الرملى، ويوسف إدريس، ويسرى الجندى، وألفونس ساستر، وغيرهم من الأسماء التى أراها إضافة حقيقية للمسرح المصرى والعالمى، وقدمت نصوصهم كمخرج من خلال الإعداد أو الدراماتورج.

حصلت على جائزة الشعر من مهرجان نقابة المهن التمثيلية.. حدثنا عنها وما الذى تمثله لك هذه الجائزة؟
حصلت على جائزة أفضل أشعار من خلال مهرجان نقابة المهن التمثيلية، وكان ذلك بالطبع أمرا ممتعا وسعيدا بالنسبة لي؛ فأى جائزة تسعدنى، لكن ما يميز هذه الجوائز تحديدا هو أنها نابعة من رحم مهرجان مسرحى، فأنا أؤمن بهذا النوع من الجوائز؛ لأنك لا تشارك بأشعار فى مسابقة منفصلة، بل تكون جزءا من كيان متكامل: نص، عرض، ممثلون، وإخراج، هذا هو السياق الذى أحب أن تأتى منه الجائزة، أن تكون مرتبطة بفعالية مسرحية حقيقية، والجائزة كانت عن عرض «قلت لك خلى بالك»، وهو الجزء الثانى من عرض «خلى بالك» الذى سبق أن كتبته، وتوليت أيضًا كتابة أشعاره المسرحية، وقد حصلنا قبل ذلك على المركز الأول ضمن المهرجان العربى بمعهد الفنون المسرحية.
أحب كتابة الأشعار المسرحية بشكل خاص، وسبق أن حصلت على جائزة فى المهرجان العربى، ثم جائزة مهرجان النقابة، كما رُشحت لجائزة الأشعار فى المهرجان القومى عن عرض «نيوزيس»، وإذا تحدثنا عن الشعر، فلا بد من الإشارة إلى المسرح الغنائى، وهو مجال أشارك من خلاله أيضًا فى مهرجان إبداع؛ إذ أعمل فى أغلب الأحيان مع منتخب أكاديمية الفنون على كتابة أشعار المسرح الغنائى، أو كتابة النص المسرحى كاملًا فى صيغة شعرية أى مسرحى شعرى.

كونك باحثًا ودارسًا للنقد.. كيف أفادتك أدواتك الأكاديمية فى ممارسة إبداعك سواء على المستوى النقدى أو الإخراجى أو الكتابى؟
- الدراسة الأكاديمية تجعلك تنظر إلى التفاصيل بشكل مختلف؛ فهى تمنحك مخزونا معرفيا وفكريا وثقافيا، وتجعلك أكثر وعيًا بتبرير اختياراتك الإبداعية، سواء على مستوى الإخراج أو الكتابة، ومن خلالها تبدأ فى كشف مواطن القوة ونقاط الضعف، لأنك تتعامل باستمرار مع تحليل النصوص، ودراسة تجارب الكتاب ونصوصهم، سواء الأوروبيون أو المصريون، إلى جانب نصوص من مختلف دول العالم، وهذا الاحتكاك المعرفى يعرفك على خصائص النصوص ومميزاتها، ويمنحك فهما أعمق لعناصر البناء الدرامى، مثل الحبكة، وبناء الشخصية، وأهمية الحوار ووظيفته، وكيفية صياغته، وبمرور الوقت تصبح نظرتك للأشياء أكثر وعيًا واتساعًا؛ فقد ينجز المبدع عمله اعتمادًا على الفطرة أو الخبرة، لكن الدراسة الأكاديمية تضيف إلى ذلك إطارًا من الفهم والتحليل الواعى، وهنا تأتى فكرة الوعى؛ فبعد الدراسة يصبح لديك إدراك بموقعك داخل المشهد الإبداعى، وتستطيع تقييم كتابتك أو عرضك المسرحى فى سياق العروض الأخرى، لأنك معتاد على تحليل العروض، وتدرك بدقة عناصر القوة والضعف فى الإضاءة، والميزانسين، والملابس، وبقية مفردات العرض. كما أن دراسة السيميولوجيا تمنحك القدرة على النظر إلى العمل من الخارج، بوصفه منظومة علامات ودلالات، وهو ما ينعكس تلقائيا على التطبيق العملى؛ فعلى الأقل لا تقع فى أخطاء الهاوى، لأن ما تنفذه يكون قائما على معرفة مسبقة بما سيُقال عنه نقديا، هذا الوعى يساعد أيضا على التوظيف السليم لكل العناصر، ويمنحك قدرة على تقييم ذاتك وفنك قبل طرحه على الجمهور أو النقاد، وهو فى تقديرى أحد أهم مكاسب الدراسة الأكاديمية.
بين الشعر العامى والنص المسرحى، أيهما يشكل الوعاء الأصدق لتجربتك الإبداعية.. وهل يتسرب الشاعر داخل الكاتب أثناء الكتابة؟
لكل لون متعته الخاصة، سواء الشعر أو الكتابة المسرحية، لكن الأهم فى تجربتى الإبداعية هو كتابة النص المسرحى، لأنه يحمل رؤيتى وأطروحاتى وقضاياى وهمومى التى أسعى إلى التعبير عنها بحرية كاملة، أما الشعر المسرحى فله طبيعة مختلفة؛ فعلى الرغم من الوعى بالكلمة وبالدراما، فإنه غالبا ما يُكتب فى إطار رؤية إخراجية محددة، حيث تُطلب الأغانى فى مناطق بعينها تخدم تصوره الإخراجى، فى هذه الحالة لا يكون الشعر حرا بالكامل فى التعبير عن أفكارى ورؤيتى، لأنه بالأساس جزء من رؤية إخراجية أوسع، وكتابة الشعر المسرحى عملية حرفية دقيقة، تُنجز غالبا تحت ضغط الوقت ووفق مواعيد عرض محددة، كما تمر بمراحل لاحقة من تلحين وتوزيع وتوظيف إخراجى قد يعيد تشكيل المعنى والدلالة، لذلك أستطيع أن أقول إن النص المسرحى يعبر عنى بنسبة مئة فى المئة، بينما يظل الشعر المسرحى معبرًا عنى بنسبة أقل، ربما فى حدود 60 إلى 70 فى المئة، لأن الجزء المتبقى يكون بالضرورة محملًا برؤية المخرج.
اشتغالك الطويل على مسرح المونودراما يبدو واضحًا فى عدد كبير من نصوصك.. ما الذى يجذبك فى هذا الشكل المسرحى تحديدا؟ وهل تراه أكثر قدرة على التعبير عن الإنسان المعاصر؟
المونودراما تمثل بالنسبة لى مجالًا إبداعيًا شديد الخصوصية، وقد أوليتها اهتمامًا واضحًا، وهو ما انعكس فى إصدارى عددًا من الكتب فى هذا النوع، خاصة أنه من الأشكال المسرحية النادرة نسبيا فى المشهد، وأرى أن المونودراما تمتلك قدرة كبيرة على التعبير عن الإنسان المعاصر، لأن مساحتها الدرامية - بوصفها قائمة على ممثل واحد وحالة واحدة - فقماشة المونودراما أصبحت اليوم أكثر اتساعًا وواقعية من أى وقت مضى، ففكرة إنسان يعيش بمفرده داخل غرفة، أو يظل حبيس مكان واحد لأيام، بزمن درامى محدود، فقد أصبحت واقعية لأنها معيشة كثيرون، فالعزلة فى العصر الحديث أصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا، وبالانغماس فى الهواتف الذكية، والإنترنت، والذكاء الاصطناعى، إلى جانب الضغوط النفسية المتزايدة، الإنسان المعاصر بات يميل إلى حبس أفكاره ومشاعره داخله أكثر من مشاركتها مع الآخرين، وهو ما تجعل المونودراما قادرة على كشفه بصدق وهو فى لحظة وحدة كاملة.
من هنا أصبحت المونودراما معبرة عن مشاعر الفرد فى أقصى حالاتها كثافة، وهو ما جعل فضاءها الدرامى أوسع فالحالة التى كانت تُعد غير منطقية فى الماضى - كأن يعيش شخص شهرًا كاملًا دون أن يسأل عنه أحد - أصبحت اليوم ممكنة، بل متكررة، وقد تمتد لسنوات دون تواصل حقيقى، هذا التحول الاجتماعى فتح آفاقًا جديدة وأفكارًا متعددة لهذا الشكل المسرحى، ورغم أن زمن عروض المونودراما غالبًا ما يكون أقصر من غيره، حيث تتراوح مدته بين خمس عشرة وثلاثين دقيقة، فإنها تُعد من أصعب الأشكال المسرحية صعوبة وثراءً فى آن واحد؛ لأن الكاتب يكون مقيدًا بممثل واحد وحالة واحدة، ومع ذلك عليه أن يخلق إيقاعًا دراميًا، وصراعًا، وتطورًا فى الحدث، وتنوعا فى الرؤية والعناصر الإخراجية على الورق، ولهذا يلجأ كثير من كُتاب المونودراما إلى وسائل درامية مثل الأصوات القادمة من الخارج، أو مخاطبة الذات، أو كأنه يتحدث إلى نفسه، أى استدعاء شخصيات متعددة داخل الشخصية الواحدة، لتجنب الرتابة وليكن مختلفًا عن الحكى.
كيف أثرت خبرتك كمخرج مسرحى فى بنية النص عند الكتابة؟ وهل تكتب وأنت ترى العرض على الخشبة أم تترك النص مفتوحًا لتأويل المخرج؟
هناك نصوص كتبتها وأنا مدرك منذ البداية أننى سأقوم بإخراجها، وهو ما جعلنى أحد من الوصف التفصيلى للديكور أو للحالة أو للمشهد، وأعوض ذلك بالتركيز على الحوار مباشرة، لأن الرؤية الإخراجية كانت حاضرة فى ذهنى قبل الشروع فى الكتابة، وكنت أرى العرض متحققًا على الخشبة قبل أن أضع القلم على الورق، وهذا أسهل بالنسبة لى، لكن، الأصعب هو أن تكتب فى المطلق، بعيدًا عن أى تصور إخراجى مسبق، حين تكون متيقنًا أن النص سيذهب إلى مخرج آخر، فمن الطبيعى ترك مساحة للرؤية، فمن من الطبيعى ألا يقدم أى مخرج النص كما هو حرفيًا؛ فلكل مخرج رؤيته الخاصة، وقد يضيف أو يحذف أو يسلط الضوء على منطقة دون أخرى، خاصة أن النص المسرحى غالبا ما يناقش أكثر من قضية فى آن واحد، وتكون هذه القضايا متشابكة بطبيعتها، ومن هنا أرى أنه من الأفضل الكتابة بعيدا عن الإخراج.
أما عن استفادتى من الإخراج، فهى استفادة كبيرة؛ إذ منحنى وعيًا عمليًا بما يمكن تنفيذه على الخشبة وما يصعب تحقيقه، وما يصلح أن يُوصف دراميًا دون أن يتحول إلى عبء إنتاجى أو بصرى، مثل اقتراح استخدام الدخان، أو تحديد لون معين للإضاءة، أو عزل الممثل فى بؤرة ضوئية لفصله زمانيًا ومكانيًا عن بقية المشهد.
وتبقى النقطة الأهم هى الإيقاع؛ فخبرتى كمخرج جعلتنى أكثر وعيًا بالإيقاع الزمنى للمشاهد، وبضرورة الحفاظ عليه حتى لا يقع العرض فى الرتابة أو الملل، وهذه مسألة إخراجية بالأساس، لكنها تنعكس مباشرة على الكتابة، وهو ما أعتبره أحد أهم مكاسب عملى كمخرج فى صياغة النص المسرحى.
كتبت وأخرجت وقدمت نصوصك فى سياقات إنتاجية مختلفة، من التجارب الحرة إلى المؤسسات الرسمية، كيف أثر اختلاف فضاءات الإنتاج فى جرأة النص وشكله الجمالى؟
من الطبيعى أن يتأثر النص المسرحى بالقيود المحيطة به، كما يتأثر العرض ذاته باختلاف جهة الإنتاج، فالتجربة مع فرقة حرة تختلف عن العمل مع فرقة هواة، أو فرقة خاصة، أو ضمن إطار مؤسسى كالمعهد أو الجامعة أو المهرجانات، فهذا التنوع فى فضاءات الإنتاج ينعكس بشكل مباشر على مساحة الرؤية المطروحة، وعلى طبيعة الأفكار وجرأتها، فعلى سبيل المثال، تميل نصوص المسرح الجامعى فى أغلبها إلى أن تكون نصوصا «مغلقة» نسبيا، التزاما بتقاليد المؤسسة الجامعية، حيث تقدم العلاقات الإنسانية وقصص الحب والاستعراضات ضمن حدود صارمة لا يمكن تجاوزها على خشبة مسرح الجامعة. فى المقابل، تتيح مسارح المعهد أو الفرق الحرة.
أما من حيث تأثير الإنتاج فى الشكل الجمالى للعرض، فالعلاقة هنا طردية بوضوح؛ إذ يمكن القول إن العرض المسرحى الناجح يتكون، إلى حد كبير، من التوازن بين الإنتاج والإبداع فحين يمتلك المبدع نسبة معقولة من الرؤية والابتكار، ويدعم ذلك بإنتاج قوى، يخرج العرض متماسكا ومبهرًا وقادرا على الوصول إلى الجمهور. وعلى العكس، فإن امتلاك رؤية فكرية وإخراجية عالية دون إمكانات إنتاجية كافية يؤدى غالبًا إلى خروج العرض بصورة أقل من طموح صناعه. فالإنتاج عنصر حاسم فى جودة العرض على مستوى الملابس، والديكور، والإضاءة، والاستعراض، وكل ما يتعلق بالشكل البصرى، كما تلعب جهة الإنتاج دورا مهمًا فى تحديد سقف الرقابة المفروضة على النص؛ فبعض المؤسسات تضع قيودا واضحة على مفردات بعينها أو على شخصيات وحالات درامية لا يُسمح بتقديمها، ففى مسرح الجامعة، على سبيل المثال، تُحظر بعض الشخصيات أو الموضوعات تماما، وهو ما يؤدى إلى تفريغ النص من جانب كبير من أفكاره، فلو أردنا تقديم نص، مثل «طقوس الإشارات والتحولات» لسعد الله ونوس على خشبة مسرح الجامعة، فسنضطر إلى حذف جزء كبير منه، لا سيما ما يتعلق بتحولات الشخصيات وعلاقتها بالجسد والجنس، بسبب القيود الرقابية، بينما يمكن تقديم النص ذاته بقدر أكبر من الحرية فى مسرح المعهد، أو ضمن المهرجانات، أو مسارح الدولة.
كيف تنعكس تحولات الواقع الاجتماعى والسياسى على عالمك المسرحى.. وكيف تنظر إلى العلاقة بين النص المسرحى فى العموم والواقع السياسى؟ هل ترى أن الكاتب مطالب بالاشتباك المباشر مع الواقع أم بخلق عوالم رمزية أكثر اتساعا؟
ليس مفترضًا أن يلتزم الكاتب بشىء معين فالكاتب حر، ويجب أن يكون بمثابة حزب خاص يمشى على قدميه؛ لا ينتمى إلى أى فكر أو جماعة أو حزب أو اتجاه سياسى أو أفراد، ولا يتبنى وجهة نظر بعينها، وهذا الاستقلال ضرورى لكى تتمكن شخصيات النص من حمل الهموم والقضايا المختلفة؛ فحتى لو تبنى الكاتب قضية ما، يجب أن تكون هناك شخصية أخرى تتبنى الأفكارًا أخرى مضادة، ويجب أن تُكتب هذه الشخصية بنفس الصدق الذى تُكتب به الشخصية الأولى، مع الإيمان بوجهة نظرها وصدقها حتى تكون مقنعة، بدلًا من تقديم شخصيات ساذجة لا تحمل فكرًا حقيقيًا كما يحدث أحيانًا ، فعلى الكاتب أن يظل محايدًا، وفى النهاية ينتصر لما تريده الدراما والحدوتة التى يقدمها، سواء بلم خيوط الصراع أو بتركها متشابكة.
أما بالنسبة للمخرج، فالأمر يختلف؛ إذ يجب على المخرج أن يتشابك مع واقعه، لا يصح تقديم نص قديم أو نص من دولة أخرى دون أن يتشابك مع الواقع الحالى (اجتماعيًا أو سياسيًا أو نفسيًا)، فما الدافع لإخراج نص من القرن الخامس عشر مثلًا، ما لم يكن يمس المتلقى الحالى أو يمس قضية أؤمن بها كمخرج؟ وبالنسبة لى أميل فى كتاباتى للقضايا الإنسانية العامة لا القضايا المخصصة، فنص فلوماستر ماركة يناقش قضية العنصرية بشكل عام؛ ولو قُدم فى أى دولة من العالم، سيتلاءم مع بيئتها لأنه يتحدث عن عنصرية اللون أو الجنس أو الدين بشكل شمولى، وكذلك نصوصى حول الحرية تتناول مفهوم الحرية والمفهوم العام للتعبير عن الرأى، لا حرية فى دولة أو حقبة زمنية محددة.
أحيانًا كنت أكتب نصوصًا مخصصة لواقع معين، لكن ذلك كان نابعًا من رؤيتى كمخرج لم يجد نصًا يناسب القضية التى يريد طرحها، فكنت أفصل نصًا إخراجيًا، وهذه ليست رؤيتى الأساسية كمؤلف، ولتأكيد فكرة العمومية فى نصوصى، ستجد أن البطل فى آخر ستة نصوص لى أو فى أغلب نصوصى يحمل اسم «آدم»؛ تعبيرًا عن فكرة الإنسان بشكل عام، وليس الفرد الذى يعيش فى وطن ما، فسياق النص وفهمه وفلسفته يتجاوز آدم المصرى هو آدم الإنجليزى أو البرازيلى، لتتجاوز بذلك النصوص فكرة الحدود الجغرافية لتصل إلى العالمية.
تستند أغلب نصوصك إلى أفكار فلسفية وتجريدية، فهل تراهن على وعى المتلقى وقدرته على التأويل؟
غالبًا ما تحمل نصوصى صبغة فلسفية، ولعل هذا هو السبب فى تسمية فرقتى بفرقة فلسفة، ومن الطبيعى أن يختلف القراء والجمهور من فرد لآخر، لكن هل أراعى هذا الاختلاف أثناء الكتابة؟ الإجابة هى لا؛ فعندما أكتب النص، أكتبه كما تتطلبه الفكرة وتفرضه الدراما، أما عند التنفيذ كمخرج، فالأمر يختلف؛ إذ قد أقوم بحذف أجزاء أو إضافة أخرى، وهذا حدث بالفعل فى عدة عروض، وما أقوم بإضافته إخراجيًا لا أثبته فى النص عند طباعته أدبيًا؛
فرؤيتى الإخراجية تحتم على التشابك مع الجمهور، وأحيانًا أضطر للنزول لمستوى فكرى معين ليلائم الجمهور فى المكان الذى أعرض فيه، بينما يظل النص المكتوب محتفظًا بمستواه الفكرى والفلسفى لمن يقدم على قراءته؛ فلن يقدم على شراء كتاب مسرحى بالفصحى لكاتب غير معروف إلا من كان يمتلك مخزونًا ثقافيًا وفلسفيًا معينًا.
وعلى سبيل المثال،فى مسرحية فلوماستر ماركة، عندما قدمتها مع فرقة من الهواة بدلًا من المحترفين، قمت بحذف 60% من النص الأصلى، وغيرت فى أفكار وشخصيات وأسلوب السرد لتتناسب مع طبيعة الفرقة والجمهور، رغم أن النص الذى شاركت به فى المسابقة كان مختلفًا وأشمل كثيرًا.
مانويلا، ناقشت فى مسرحية مانويلا فكرة فلسفية وهى البناء الفكرى وتطوره لدى الجنين داخل رحم أمه، تكوينه الفكرى والأفكار التى تُعرض عليه، وكان اللوكيشن بالكامل هو الرحم، فتقديم هذا الطرح الرمزى المغلق كان سيصعب على الجمهور استيعابه، لذا قمت فى نهاية العرض المسرحى بإضافة مشهد لا يتجاوز ثلاث دقائق يترجم تلك الرمزية؛ حيث يصور ولادة الشخص، وتظهر الأم باسمها «مانويلا»، وتتضح علاقة الشخصيات ببعضها، وهو ما لم أكن أحتاجه فى النص المكتوب.
إنها تعكس فكرة الإنسان بشكل عام؛ منذ اللحظة الأولى التى توضع فيها الأفكار فى رأسه، والكيان الذى يُرسم له، والناس الذين يحددون له شكله، واسمه، وطريقه، وأحلامه، وهدفه. وهو (الجنين/الإنسان) يريد أن يتحرر من كل هذا، وكيف استطاع الإنسان أن يتحرر من ذلك على مدى التكوين العمرى، المسرحية تمر بأهم المحطات التى مرت بالإنسان؛ مثل فكرة وجود الرسل، وفكرة الطوفان الذى غير الأرض ونتج عنه أناس جدد نزلوا من السفينة لبدء حياة جديدة، كما تتناول فكرة الإنسان الذى بدأ يفكر فى أشياء أكبر من الخيال، وبدأ يتمرد على واقعه، ويتمرد على الأرض، والكون، وفكرة الإله؛ فهى تناقش كل هذه الأفكار.
كل ذلك يمر من خلال حبكة بسيطة عن شخص -لا يتذكر اسمه- وجد نفسه فى عالم هلامى، ويقومون بمنحه اسمًا فيفرح به، ثم يكتشف لاحقًا ويقول: لا، أنتم فرضتم عليّ هذا الاسم وأنا أريد تغييره، فيلتقى مجموعة من الشخصيات، كل شخص يضيف له معلومة ما، لكن ليس من حقه أن يخرج خارج هذا العالم فى هذا الوقت تحديدًا، لكن مع التطور والوقت، يُسمح له بالمرور واكتشاف شىء مختلف، فى البداية يكون مع مجموعات، حيث يتعامل مع مجموعات لا توجد فيها أفراد ولا تحمل أسماء، وبعد ذلك ينتقل إلى عالم آخر حيث يحمل كل فرد فيه اسمًا، ثم يبدأ بالتعامل مع الأفكار، ومع الدين، ومع الوعى، ثم يتعامل مع القتل والدم الذى يكتشفه، وعندها يدرك أنه أصبح إنسانا، مانويلا تحكى عن هذا، وكما قلت سابقًا: البطل هنا هو الجنين فى بطن أمه، ومانويلا هى الأم؛ وهذا هو السر الذى نكتشفه فى نهاية المسرحية.
من خلال تجاربك فى المسرح الغنائى الموجه للطفل، مثل «فندق بنسلفانيا» كيف تتعامل مع خصوصية هذا النوع المسرحى الذى يجمع بين الغناء والدراما والخيال، وما التحديات الجمالية والفكرية التى واجهتك فى مخاطبة وعى الطفل دون التفريط فى القيمة الفنية؟
تختلف الكتابة للطفل تمامًا عن الكتابة للكبار، حيث يجب مراعاة طرح أفكار معينة، وكذلك كيفية تقديمها إخراجيًا، وقد كتبت لمسرح الطفل سابقًا وإن لم أقم بإخراج تلك النصوص، فالكتابة لهذا النوع من المسرح تحمل أفكارًا ولغة حوار خاصة، أحيانًا تتطلب نوعًا من المباشرة، وفى أغلب الوقت نحتاج إلى بروزة الفكرة وتوضيحها بأكثر من شكل وطريقة، وذلك يختلف بحسب الفئة العمرية المستهدفة، فعلى سبيل المثال، مسرحية (فندق بنسلفانيا -الجزء الخامس) هى مسرحية غنائية للأطفال دون سن الرابعة عشرة، وقد اعتمدت فيها على رسم شخصيات كرتونية مبالغ فيها، تتسم بوضوح شديد سواء فى جانبها الطيب أو الشرير، والشكل وظهر ذلك جليًا فى الأوصاف والمكياج والملابس، مما يسهل على الطفل التعرف عليها والتفاعل معها، ومن المهم بالنسبة لى أن يتوحد الطفل مع بطل العرض، لذا كان البطل فى هذه المسرحية طفلًا مولودًا يشارك فى الأحداث، ويخوض تحديًا لفهم معنى تحمل المسئولية والثقة، حيث أنه لايفهم معنى المسئولية فيحاولون توضيحها له، لأنها كلمة كبيرة عليه، فيخوض تجربة ويمنحوه ثقة وكيف تُمنح هذه الثقة فى عالم الكبار، كل ذلك من خلال حبكة بسيطة تجعل الطفل يستمتع بالحدوتة ويضحك ويتعلم فى آن واحد.
أما مسرحية «مشاغبين 23» (أو مدرسة المشاغبين الموسيقية) التى قُدمت فى مهرجان إبداع مع منتخب أكاديمية الفنون، فقد كانت تخاطب طلاب المرحلة الثانوية، وتحديدًا الموهوبون منهم فى الغناء والموسيقى والرياضة، وقد ناقشت قضاياهم المعاصرة والتشابك مع الواقع، مثل تأثير الهواتف المحمولة، والألعاب الإلكترونية، وتحديات الذكاء الاصطناعى الذى قد يُستخدم فى الابتزاز أو افتعال المشكلات، كما ركزت على علاقتهم بالمعلمين، وكيف أن كلمة واحدة قد تدمر حياة طالب فى هذه السن أو تغير مستقبله تمامًا، فالمراهق فى هذه المرحلة يحمل أحلامًا وطموحات كبيرة تتأثر بكل ما يحيط به.
وختامًا، الكتابة للطفل تختلف كليًا عن الكتابة للكبار؛ لأنك تواجههم مباشرة، ويجب أن تتشابك قضايا المسرحية مع قضاياهم الخاصة، أما المسرح الغنائى للطفل فهو يمثل صعوبة بالغة؛ لأنك تكتب حوارًا موزونًا وأغانى بتيمات مختلفة يجب أن تتناسب مع طبيعة العمل، وهذا يمثل تحديًا كبيرًا خاصة عند دمج كل هذه العناصر الموجهة للطفل فى قالب غنائى.

ما الفكرة الرئيسية لنص الهروب من الموت.. ميتافيرس.. وهل هناك انشغال بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا والمستقبل؟  
تحمل مسرحيتى الهروب من الموت أو ميتافيرس أيضا فكرة فلسفية، حيث تتشابك مع الواقع وتطوره؛ تدور أحداث النص فى المستقبل البعيد، وتحديدًا بين عامى 2300 و2400 ميلادى، ومع التطور الطبى والتكنولوجى افترضت أن الإنسان تمكن من التحرر من حتمية الموت بفضل القلوب والعقول الصناعية التى تتيح له العودة للحياة مجددًا. ومن هذا المنطلق الفلسفى، تروى المسرحية قصة كاتب يرفض الاستسلام للفناء وهو أمر حتمى ويسعى للخلود، ولكن تضع القوانين حدًا للعودة من الموت بمرتين فقط، وتفرض فى المرة الثالثة استسلامًا نهائيًا للموت وذلك للحفاظ على توازن موارد الكوكب المحدودة، وهنا يتحد الكاتب نشر أعماله وقد صدقه صديقه العالم، والذى من خلال العلم والتكنولوجيا يمكنه أن يغير شكلهم أو بصمتهم الوراثية، حتى يستطيع الهروب من الموت وفى محاولته للهروب من منظمة الموت التى تلاحق الخارجين عن النظام باستخدام أجهزة متطورة ترصد الهالة الحرارية والبصمة الوراثية، يلجأ الكاتب لصديقه العالم الذى يستغل خبرته التقنية لتغيير ملامحه البيولوجية وهالته الحرارية، فى محاولة للتخفى والتحرر من قبضة النظام الذى يمنع العيش للأبد، وينشأ صراع شخصى وفلسفى عميق، يتغذى على شكوك الكاتب فى أن صديقه العالم يحب زوجته ويرغب فى التخلص منه، هذا التوجس يفتح الباب أمام تساؤل فلسفى حول الأولوية والأهمية ومن منهما يفيد البشرية أكثر؟ هل هو الكاتب بأطروحاته وفلسفته وقضاياه، التى تضيف خبرة للقارئ ليتفاعل مع تجارب لم يخضها، والذى يمتلك قوة الخيال ويضع البذور الأولى للاختراعات فى قصصه، ملهما العلماء بتخيلاته التى تتحول لاحقًا إلى حقائق.. أم هو العالم الذى يقدم فوائد مادية ملموسة؟

وهل ترى المسرح قادرا على مواكبة هذا التحول الرقمى؟
أما فيما يخص قدرة المسرح على مجاراة هذا التطور، فتبرز فجوة تقنية واضحة؛ فبينما وصل المسرح العالمى إلى مستويات مذهلة من الإبهار باستخدام «الهولوجرام»، والمصاعد الهيدروليكية، والأرضيات المتحركة التى تجعل الخيال السينمائى واقعًا حيًا، لا تزال مسارحنا المحلية تعانى من ضعف الإمكانيات، نحن لا نزال نعتمد على حلول مثل شاشات العرض، أو استخدام تقنيات «خيال الظل» (السيليويت) وانعكاسات الإضاءة عبر «البروجكتور» لتصوير الأخيلة، وهى أدوات رغم شاعريتها، تظل بعيدة عن الثورة التقنية الشاسعة التى يشهدها المسرح فى الخارج.
بصفتك عضوا باتحاد كتاب مصر وفاعلًا فى المشهد الثقافى، كيف تقيم وضع النص المسرحى المصرى اليوم، وما الذى ينقصه ليستعيد حضوره؟
جاءت عضويتى فى اتحاد الكتاب للسبب ذاته، وهو فكرة المشاركة؛ فأنت بحاجة دائمة للتصديق على وجودك الأدبى من خلال مؤسسة رسمية، لكى يثق الناس فى منتجك الإبداعى، بغض النظر عن أدوار هذه المؤسسات أو أفكارها، سواء كنت عضوًا فى نادى الأدب، وبالتالى من الطبيعى أن يكون لديك إصدار واحد معترف به على الأقل، أما بالنسبة لاتحاد الكتاب، فلابد أن يكون لديك ثلاثة إصدارات معترف بها بمستوى معين، لكى تعترف بك الدولة ككاتب، أما واقع النص المسرحى وانتشاره لا أعلم كيف يمكن للنص المسرحى أن يفرض وجوده حاليًا؛ حيث أرى أن هناك أزمة كبيرة فى تقبل المسرح، فمثلا ساهمت تجربة مسرح مصر فى نشر ثقافة وجود المسرح بين الناس، رغم اختلافنا مع التجربة وما يُقدم فيها، إلا أنها أفادت فى تعريف الجمهور بأعمال مسرحية مختلفة عما اعتادوا عليها، إذا سألت أى شخص عن المسرح، فستنحصر إجابته فى بضع مسرحيات يشاهدها فى التلفاز كل عيد، مثل، شاهد ماشفش حاجة، وريا وسكينة، وسك على بناتك، والعيال كبرت، بالإضافة إلى بعض الأعمال المسرحية للفنان محمد صبحى، وفيما يخص دور الدولة والإنتاج المسرحى، فالدولة لا تنشر المسرح بشكل كبير عبر التلفاز، رغم أنه الوسيلة الأهم، لكنها مهتمة جدًا بالمسارح نفسها، فتنتج الدولة عروضًا ضخمة جدًا، سواء عبر مسرح الدولة، أو الثقافة الجماهيرية، أو مسرح الجامعة؛ حيث يتم إنتاج ما بين 300 إلى 500 عرض سنويًا، وهو رقم ضخم جدًا، أما فكرة نشر المسرح على مستوى الجمهور العادى، فهى مشكلة قائمة فى مصر؛ فالناس لا تقرأ، وغير مهتمة بالثقافة أو الفكر، وقد انحصر اهتمام الكثيرين فى دائرة الحياة العملية، العمل ثم العودة للمنزل، فلم يعد متاحًا للجميع ممارسة أى أنشطة فكرية أو ثقافية، أو حتى الذهاب للمسرح، وهذه هى الأزمة الحقيقية.
كيف ترى موقع جيلك من الكتاب المسرحيين داخل المشهد المصرى.. وهل تشعر بوجود حوار حقيقى بين الأجيال أم فجوة إبداعية؟
لا بد أن توجد فجوة بين الأجيال؛ فالجيل القديم غالبًا ما يرفض الاعتراف بالجيل الجديد إلا فى حالات نادرة، أو حين يتبنى أحد الرواد كاتبًا شابًا، ويعود هذا الصراع إلى شعور الجيل القديم بالمعاناة وعدم الحصول على الفرصة الكاملة للظهور، بالإضافة إلى قناعتهم بأن الكاتب ليس بعمره، مما يجعل المنافسة مستمرة، وتؤثر الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة باستمرار على نتاج الكتاب وتوجهاتهم.
لا يمكن الحكم على جيلنا الحالى أو تقييمه إلا بعد مرور فترة زمنية طويلة لنرى ما هى الأعمال التى ستصمد ولمن ، حتى ذلك لن تستطع الحكم عليه فهل نحكم على العمل من خلال نشره فى كتاب، أم من خلال عرضه فى مهرجانات؟ وما هى المهرجانات التى ستعتمدها، وهل مجرد المشاركة كافٍ للاعتراف بالكاتب أم لا بد من الحصول على جوائز؟فقد يفوز العرض بجوائز فى الإخراج والتمثيل والموسيقى والديكور، بينما يُستثنى نص المؤلف من الجوائز، فكيف نقيمه حينها ومن سيقيمه وله حق التقييم. لا أحد يستطيع الحكم على الأجيال وأفكارها فى الوقت الحالى، المعيار المتاح هو مدى معرفة الناس بالكاتب ومتابعتهم لنصوصه، بالإضافة إلى أنه على حسب ثقل الجوائز والمسابقات التى فاز بها، تختلف نظرة الوسط الثقافى للكاتب ويصبح كلامه أكثر قبولًا بناءً على نوع المهرجان وحجم الجائزة التى حصدها، فلم يعد النقد مقتصرًا على النقاد المتخصصين، بل أصبح الفنانون ينقدون بعضهم بعضًا، وغالبًا ما لا يُتقبل هذا النقد فنجد العملية متشابكة وتصعب عملية التقيم بشكل سليم لانه ليس هناك معايير والمعايير تختلف.
فى رأيك.. ما الدور الذى يجب أن تلعبه المؤسسات الثقافية فى دعم النص المسرحى، بعيدا عن فكرة الإنتاج السريع والموسمى؟
أرى أن المؤسسات يجب أن تعمل وفق اختصاصاتها، ولكن فيما يخص النص المسرحى، فمن الضرورى تنظيم مسابقات دورية تخصص لها مبالغ مالية محترمة تليق بالكاتب، وهناك شروط أجدها غريبة، مثل حرمان الفائز من المشاركة فى السنة التالية أو لمدة سنتين؛ فمن الممكن أن يمتلك الكاتب نصًا أفضل فى العام التالى، ومع ذلك أدرك أن الهدف هو إتاحة الفرصة للآخرين.
وإذا تساءلنا عما يجب أن تقدمه المؤسسات للنص المسرحى، فهى ليست مطالبة بذلك إلا إذا كانت متخصصة، فنماذج مثل مؤسسة ساويرس الثقافية تدعم النص بجوائز كبيرة، وهذا يؤثر إيجابًا فى الوسط الفنى، أما وزارة الثقافة فرغم تنظيمها لمسابقات فإن السؤال يبقى: هل هناك اهتمام حقيقى؟ وهل التعامل مع الفائز يختلف بعد حصوله على الجائزة؟ بالنسبة للمؤسسة، هل الجائزة هى البداية والنهاية أم هى خطوة لما بعدها؟ وتنفيذ النص ليس بالضرورة ان النص الفائز يمكن أن يقدم على الخشبة لأن المخرج لن يفرض عليه نص، وإذا فرضنا على البعض ذلك فسوف يقوم بالتغيير فى النص فتجد العرض ليس هو النص الفائز، الحقيقة أن النصوص الفائزة فى مسابقات الوزارة غالبًا ما لا تُقدم على مسارح الدولة، رغم أنها الجهة ذاتها التى اعترفت بجودة النص.
ولكن لا ينبغى تحميل المؤسسات المسؤولية، لكن هناك أفكارًا يمكن طرحها لخدمة النص المسرحى، منها تدريسه فى المراحل التعليمية المختلفة كل حسب الفئة العمرية، فأثناء دراستى فى الدراما والنقد وأثناء بحثى عن النصوص للتوسيع فى تحليلها أكتشف أن هناك نصوص ندرسها تُدرس فى المدارس نصوص المسرحيين المحليين مثل عبدالكريم برشيد فى مرحلة الثانوية العامة، فلماذا لا ندرس هنا نصوصًا ليوسف إدريس أو توفيق الحكيم فى الثانوى، أو لينين الرملى ويوسف السباعى فى الإعدادى، ونخصص مسرح الطفل للمرحلة الابتدائية؟ للأسف، نظام التعليم لدينا لا يزال يرفض المسرح، والثقافة نظام تسكين تكتفى بمشاريع محددة يطلبها المخرجون، وليست بالضرورة النصوص الأفضل، فالنصوص التى فازت فى مسابقتها لا تقدم معظمها على خشبة الدولة رغم أنها نفس الوزارة التى أجازت النص.
المشكلة ليست فى ندرة النصوص أو الكتاب بل فى الإنتاج والإخراج الذى يميل نحو الرؤى المستهلكة أو الضعيفة ويستبعد النصوص الدسمة بحجة أن الجمهور لن يتقبله فلا بد أن تتيح الدولة تنوع فى المستويات والمهرجانات المركزية.
وأخيرًا، هناك عائق رقابى كبير وظالم يتمثل فى إلزام المخرج المستقل بالحصول على موافقات الورثة لتقديم نصوص كبار الكتاب سعد الدين وهبة أو لينين الرملى أو نجيب محفوظ؛ لأن هذه الفرق الحرة لا تهدف للربح وتعرض لأيام محدودة، وهذا الإجراء يجبر المخرجين على تقديم نصوص لصديق سوف يذهب معه للرقابة أو نص مستهلك أو كاتب جديد لمجرد سهولة تنفيذها رقابيا.

حاليا تقوم بتقديم ورشة للكتابة حدثنا عنها.
بالنسبة لورشة الكتابة التى أقدمها، فقد تابعت العديد من الورش على مدار سنوات، وأرى أن أغلبها لا يقدم شيئًا حقيقيًا لفكرة الكتابة، ولا يساعد المتلقى أو الراغب فى تعلم التأليف على التعلم فعليًا، المشكلة تكمن فى أنهم يروجون دائمًا لفكرة أن التأليف موهبة فقط ولا يمكن تعلمه، بينما الواقع يؤكد أن التأليف فن يُكتسب بالتعلم والممارسة والمخزون الفكرى.
لقد رصدت العيوب الموجودة فى معظم الورش، حيث يكتفون بالجانب النظرى الذى لا يفيد الدارس كثيرًا، فضلًا عن أن عدد المحاضرات ووقت الورشة غالبًا ما يكون غير كافٍ، لذا، اعتمدت فى ورشتى منهجًا عكسيًا؛ أبدأ بتعليم الدارس كيف يستخدم مخزونه الثقافى، وأضع له الأساسيات التى تمكنه من كتابة جملتين حواريتين، ومن ثم مشهد كامل، فمن يستطيع كتابة حوار صغير، سيتمكن لاحقًا من كتابة مشهد، ومن يكتب المشاهد سيصل فى النهاية لكتابة مسرحية كاملة، لكن هذا الأمر يحتاج إلى تدريب مكثف وممارسة مستمرة؛ فالمشارك يأخذ الأساسيات التى تمنحه القدرة على كتابة أى مسرحية بحرفية مع مراعاة المتطلبات الفنية اللازمة، ثم يبدأ بتجربة ذلك عمليًا داخل الورشة ومع نفسه مرارًا وتكرارًا، وبهذه الطريقة يكتسب الحرفة؛ فالكتابة ليست موهبة فحسب، بل هى قواعد وأصول يجب تجربتها عمليًا تحت إشراف متخصص يوجه الدارس، ويصحح له مساره، وفى النهاية، عندما يكتشف الشخص أنه يكتب بيده ويلمس النتيجة، يدرك حينها أنه أصبح قادرًا فعليًا على التأليف.


روفيدة خليفة