العزلة والاغتراب فى «تحليق نسبى» لنواف يونس

العزلة والاغتراب فى «تحليق نسبى» لنواف يونس

العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026

يُعدّ المسرح من أكثر الفنون قدرة على التعبير عن الإنسان فى لحظات ضعفه وحيرته وأسئلته الصعبة. وفى مسرحيات الكاتب نواف يونس، لا نقرأ حكايات فقط، بل نقترب من شخصيات تبحث عن ذاتها، وتصارع الألم والخوف والوحدة. تأتى هذه الدراسة لتتأمل فكرة العزلة الوجودية فى ثلاث مسرحيات، هى: الرحيل، ملك ليوم واحد، وأشواق معتقلة.
تقدم هذه المسرحيات صورة لإنسان معاصر يقف وحيدًا أمام قوى أكبر منه، مثل الموت أو السلطة أو المجتمع أو الزمن. هنا، لا تظهر العزلة كحالة نفسية مؤقتة، بل كواقع يعيشه الإنسان، ويؤثر فى علاقته بنفسه وبالآخرين وبالعالم من حوله.
وتهدف الدراسة إلى تتبع أشكال هذه العزلة، سواء كانت مكانية أو نفسية أو اجتماعية، مع التوقف عند الأساليب الفنية التى يستخدمها الكاتب لتجسيدها على خشبة المسرح، فى محاولة لفهم رؤيته للإنسان بوصفه كائنًا قلقًا، يسعى إلى معنى فى عالم كثيرًا ما يبدو غامضًا وخاليًا من اليقين.
يعتبر عنوان المجموعة «تحليق نسبى» مدخلًا مهمًا لفهم العالم المسرحى الذى يقدّمه نواف يونس فى نصوصه الثلاثة. فبينما تشير العناوين الفرعية (الرحيل، ملك ليوم واحد، أشواق معتقلة) بوضوح إلى موضوع كل نص، يأتى العنوان الرئيسى أكثر هدوءًا وشاعرية، ليعبّر عن الحالة العامة التى تعيشها الشخصيات.
كلمة «تحليق» لا تعنى هنا حرية كاملة أو خلاصًا حقيقيًا، بل تعبّر عن محاولة للهروب أو الحلم بحياة أفضل. شخصيات هذه المسرحيات تحاول أن ترتفع قليلًا فوق واقعها، لكنها تظل مقيدة به. فـ«غريب» فى الرحيل يحلم بتأجيل الموت، والملك فى ملك ليوم واحد يعيش وهم القوة، بينما تحلم «أشواق» بالحب، لكن هذه الأحلام لا تكتمل، وتبقى معلّقة بين الرغبة والواقع.
أما كلمة «نسبى» فتعكس نظرة الكاتب إلى عالم غير ثابت، لا تحكمه حقائق نهائية. فكل شىء مؤقت وقابل للتغيّر: الموت يمكن تأجيله، والسلطة لا تدوم، والعزلة قد تخفّ بالحلم أو الوهم. لذلك لا يفرض الكاتب معنى واحدًا، بل يترك للقارئ والمشاهد مساحة للتأويل.
بهذا المعنى، يشير العنوان أيضًا إلى طبيعة المسرح نفسه، بوصفه تجربة تخيّلية مؤقتة. نحن نحلق مع النص داخل عالم من الحلم، لكننا ندرك فى الوقت نفسه أن هذا التحليق له حدود. وهكذا يصبح تحليقًا نسبيًا وصفًا لحالة الشخصيات، ولتجربة المسرح، وللحياة نفسها: تحليق جميل، لكنه هشّ ومؤقت، ومفتوح على أكثر من معنى.

المكان المغلق كصورة للعزلة
الغرفة: عزلة الإنسان الأولى
فى المسرحيات الثلاث، يختار نواف يونس أماكن مغلقة لتدور فيها الأحداث، وكأن العزلة هى السجن الأول الذى يعيش فيه الإنسان. فى مسرحية الرحيل، تدور الأحداث داخل غرفة نوم «غريب»، فى البداية تبدو الغرفة عادية ومألوفة، لكنها تتحول إلى مكان مخيف بمجرد دخول «المندوب» (ملك الموت).
الغرفة هنا لم تعد مكانًا للراحة، بل أصبحت مكان انتظار. انتظار النهاية. التفاصيل الدقيقة فى وصفها - السرير، الطاولة، الكراسى، الزهور، الساعة - تعكس حياة يومية هادئة، لكنها سرعان ما تنقلب إلى مواجهة قاسية بين رغبة الإنسان فى الاستمرار وحقيقة الموت التى لا مفر منها.

القصر والسجن: صورتان مختلفتان للعزلة
فى ملك ليوم واحد، يظهر القصر فى البداية رمزًا للسلطة، لكنه يتحول إلى سجن فاخر يعزل الملك عن الناس. القاعة الواسعة المليئة بالمدعوين تعطى انطباعًا بالقوة، لكن الملك، رغم الزحام، يعيش وحيدًا وبعيدًا عن الواقع.
وعندما يُسجن الملك متخفيًا، يحدث العكس. السجن، الذى يفترض أن يكون مكانًا للعقاب، يصبح مساحة لاكتشاف الحقيقة. هنا يلتقى الملك بأناس بسطاء ومهمشين، ويتعرف على واقع لم يكن يراه وهو فى القصر. المفارقة أن القصر كان سجنه الحقيقى، بينما السجن قرّبه من الناس والحقيقة.

غرفة «أشواق»: عزلة مضاعفة
فى أشواق معتقلة، تتحول غرفة البطلة إلى عالم مغلق يعكس عزلة مزدوجة: عزلة عن المجتمع، وعزلة داخل النفس. التفاصيل الأنثوية فى الغرفة - المرآة، العطور، أدوات الزينة - تشير إلى محاولة البطلة التمسك بذاتها فى مواجهة الوحدة.
كل عنصر فى الغرفة له معنى: النافذة ترمز إلى الرغبة فى الخروج، المرآة تعكس الصراع الداخلى، والساعة تمثل ضغط الزمن. حين تقول أشواق: «وحيدة ما زلت، وحيدة بين جدران هذه الغرفة»، فهى لا تتحدث فقط عن مكان، بل عن حالة وجودية تسيطر على حياتها كلها.

تغيير المكان: محاولة لا تنجح
تحاول الشخصيات فى المسرحيات الثلاث الهروب من عزلتها عبر تغيير المكان:
«غريب» يحاول البقاء فى غرفته أطول وقت ممكن.
الملك يخرج من القصر إلى الشارع ثم إلى السجن.
«أشواق» تحوّل غرفتها إلى مساحة للحلم والرقص.
لكن هذه المحاولات لا تنهى العزلة. فالمكان يتغير، بينما الإحساس بالوحدة يبقى. وكأن الكاتب يؤكد أن الهروب من المكان لا يعنى بالضرورة الهروب من العزلة نفسها.

العزلة الاجتماعية.. الفرد فى مواجهة السلطة
العزلة أمام الموت: حوار بلا تفاهم
فى مسرحية الرحيل، تظهر العزلة الاجتماعية فى العلاقة بين «غريب» و«المندوب». فالحوار بينهما ليس حوارًا حقيقيًا بل حديثًا يدور فى اتجاهين مختلفين، دون أن يلتقى الطرفان.
«غريب» يتحدث من خوفه ورغبته فى الحياة، بينما يتحدث «المندوب» من منطق النهاية التى لا يمكن تغييرها. حين يقول المندوب: «لا تخش شيئًا، هذا أمر فى حكم المنتهى»، يرد غريب بالرفض والصراخ: «كلا.. كلا..». كل واحد منهما يسمع نفسه فقط.
هذا المشهد يعبّر عن عزلة الإنسان حين يواجه قوى أكبر منه، مثل الموت. لا مجتمع يسانده، ولا صوت يُسمع. العزلة هنا كاملة، والإنسان يقف وحده أمام مصيره.

العزلة السياسية: المسافة بين الحاكم والناس
فى ملك ليوم واحد، تظهر العزلة فى شكل سياسى واضح. الملك يعيش بعيدًا عن شعبه، تحيط به طبقات من الفساد، مثل الوزير وقائد الجند والتجار. فى البداية يظن أن هذه العزلة جزء من الحكم، لكنه يكتشف لاحقًا أنها سبب أزمته.
الحوار بين الملك وأخته «ست الملك» يكشف هذه المسافة، حين تسأله أن ينظر جيدًا إلى ما حوله. هنا تبدأ لحظة الوعي: الملك لا يعرف حقيقة شعبه، ولا حقيقة نفسه.
العزلة السياسية لا تضر الشعب وحده، بل تضر الحاكم أيضًا، إذ تجعله غريبًا عن الواقع، ومجرد أداة فى يد من حوله.
العزلة الاجتماعية للمرأة: حكم المجتمع
فى أشواق معتقلة، تأخذ العزلة شكلًا أكثر قسوة. البطلة لا تختار وحدتها، بل تُفرض عليها من المجتمع. كلمة «عانس» التى تُلصق بها تتحول إلى حكم دائم، وإلى سجن معنوى يضاف إلى سجن الغرفة.
عندما تصرخ أشواق بأن هذه الكلمة تخنقها، فهى تعبّر عن قهر اجتماعى لا يترك للمرأة حق الدفاع عن نفسها. المجتمع هنا لا يكتفى بعزل الفرد، بل يجعله يشعر بالذنب لأنه وحيد.
هذه العزلة المفروضة أقسى من أى عزلة أخرى، لأنها تسلب الإنسان إحساسه بالقيمة والحق فى الحياة.
العزلة كأداة للسيطرة
فى المسرحيات الثلاث، ترتبط العزلة بشكل مباشر بالسلطة، مهما اختلف شكلها:
الموت فى الرحيل
الحكم فى ملك ليوم واحد
التقاليد فى أشواق معتقلة
كل هذه السلطات تستخدم العزلة كوسيلة للسيطرة. فالإنسان المعزول يكون أضعف وأسهل فى الإخضاع. ومع ذلك، يلمّح نواف يونس إلى أن العزلة قد تتحول أحيانًا إلى بداية للمقاومة، كما يحدث فى ملك ليوم واحد، حين يكتشف السجناء أن وحدتهم المشتركة يمكن أن تمنحهم قوة ومعنى.
...
العزلة النفسية… الصراع داخل الإنسان
الانقسام الداخلي
فى مسرحية الرحيل، يعيش «غريب» صراعًا داخليًا حادًا بين قبول الموت ورفضه. حديثه مع «المندوب» ليس مجرد حوار بين شخصين، بل هو حوار داخل النفس نفسها. جزء منه يدرك أن النهاية قادمة، وجزء آخر يرفضها ويتمسك بالحياة.
حين يقول: «أعطنى مهلة على الأقل» ، فهو لا يطلب وقتًا فقط، بل يعبّر عن تمزقه الداخلى، حتى «المندوب» يمكن فهمه كصورة خارجية لهذا الصراع، كصوت يمثل الاستسلام للحتمية. العزلة هنا ليست مع الآخر، بل داخل الإنسان نفسه.
 ضياع الهوية
فى ملك ليوم واحد، يعانى الملك من فقدان واضح لهويته. هو ملك لا يعرف شعبه، ولا يعرف من يكون حقًا. وعندما يُسجن ويُعرف باسم «برهوم»، تبدأ أزمة جديدة: هل هو الملك أم برهوم؟
الحوار فى النهاية يكشف هذا الانقسام. لا يمكن الجمع بين الشخصيتين فى آن واحد، وهذا الانقسام نتيجة مباشرة للعزلة. الإنسان الذى يعيش بعيدًا عن الواقع يفقد تدريجيًا علاقته بذاته، تمامًا كما يفقد علاقته بالآخرين.
الحديث مع النفس
فى أشواق معتقلة، تتحول المسرحية إلى حديث طويل مع النفس. أشواق تتكلم مع صورتها فى المرآة، ومع أشياء غرفتها، وكأنها تحاول أن تملأ الفراغ من حولها بالكلام.
هذا الحوار الداخلى لا يعنى فقط أنها وحيدة، بل يدل على عمق عزلتها. فعندما لا تجد من يسمعها، لا يبقى أمامها إلا نفسها. ومع ذلك، يوضح النص أن هذا الكلام لا ينقذها، بل يكرّس وحدتها، لأن كل ما تقوله يبقى داخلها ولا يصل إلى أحد.
العزلة والجنون
فى المسرحيات الثلاث، تظهر إشارات إلى الجنون بوصفه نتيجة محتملة للعزلة الشديدة:
«غريب» يدّعى الجنون ليهرب من الموت.
الملك يكاد يفقد عقله حين يكتشف زيف عالمه.
«أشواق» ترقص مع كرسى كأنه شخص حى،
الجنون هنا ليس مرضًا بقدر ما هو محاولة للهروب من واقع قاسٍ. حين تصبح العزلة خانقة، يخلق الإنسان عالماً خاصًا به. قد يبدو هذا العالم غريبًا للآخرين، لكنه بالنسبة لصاحبه وسيلة للبقاء.

الزمن… وجه آخر للعزلة
زمن بطيء ومؤلم
فى المسرحيات الثلاث، لا يمرّ الزمن بشكل طبيعى، الشخصيات تشعر بأن الوقت إمّا متوقف أو يتحرك ببطء شديد، وكأنه يضغط عليها.
فى الرحيل، تشير الساعة إلى الثامنة، لكن اللحظة تتجمّد عند مواجهة «غريب» للموت. لا شيء يتقدّم، وكأن الزمن نفسه توقف.
وفى أشواق معتقلة، تصبح البطلة مهووسة بالوقت، تحسب الساعات والدقائق وحتى الثوانى،
هنا يتحول الزمن إلى سجن إضافى، فحين يكون الإنسان وحيدًا، يصبح الوقت عبئًا ثقيلًا، ويغدو مرور الدقائق دليلًا مؤلمًا على العزلة.
الذاكرة سجن من الماضي
فى أشواق معتقلة، لم تعد الذاكرة مصدر دفء، بل أصبحت عبئًا. تستعيد البطلة ذكرياتها محاولةً الهروب من وحدتها، لكنها تكتشف أن هذه الذكريات تزيد من عزلتها بدل أن تنقذها.
حتى الصور الجميلة التى تستدعيها – الغيمة، النجمة، العصفور – تبقى معلّقة فى الماضى، الذاكرة هنا لا تفتح بابًا للحياة، بل تغلقه. فالإنسان المعزول لا يعيش الحاضر، بل يظل أسير ما كان، أو ما يتمنى أن يكون.
زمن السلطة: عالمان منفصلان
فى مسرحية ملك ليوم واحد، نعيش داخل زمنين لا يلتقيان.
هناك زمن القصر، وهو زمن بطيء وهادئ، تمتلئ أيامه بالاحتفالات والمظاهر.
وفى المقابل، هناك زمن الشعب، وهو زمن سريع وقاسٍ، تحكمه المعاناة والغضب.
الملك يعيش داخل زمن القصر، بعيدًا عن حياة الناس الحقيقية. وعندما يكتشف زمن الشعب، يشعر بصدمة كبيرة، كأنه أضاع سنوات من عمره وهو يعيش فى وهم. هنا تتحول العزلة إلى فجوة زمنية تفصل الحاكم عن شعبه، وتجعله غريبًا عن حياتهم وآلامهم.

الموت: العزلة الأخيرة
فى مسرحية الرحيل، يمثّل الموت نهاية الزمن بالنسبة للإنسان. «غريب» لا يطلب الخلود، بل يطلب وقتًا إضافيًا: سنة، أو شهرًا، أو حتى يومًا واحدًا. لكن كل هذه الطلبات تُقابل بالرفض.
هذا الرفض لا يعنى فقط نهاية الحياة، بل نهاية الوقت نفسه. فالموت هو أقصى درجات العزلة: عزلة عن الناس، وعن المكان، وعن الزمن. قد يحتمل الإنسان أن يكون وحيدًا بين الآخرين، لكن العزلة عن الزمن هى النهاية التى لا عودة بعدها.
...
اللغة والأسلوب
كيف تعبّر الكتابة عن العزلة
حوار قليل ومتقطع
يعتمد نواف يونس فى كثير من الأحيان على حوار قصير ومقتضب، وهو اختيار يعكس صعوبة التواصل بين الشخصيات.
فى الرحيل، نسمع جملًا قصيرة ومتقطعة، وكأن الكلام ينكسر قبل أن يكتمل.
وفى أشواق معتقلة، تطول الجمل، لكنها تدور فى دائرة واحدة، وتعود إلى النقطة نفسها.
هذا الأسلوب ليس ضعفًا لغويًا بل تعبيرًا واضحًا عن العزلة. فالإنسان الوحيد إما يقلّ كلامه، أو يتكلم كثيرًا دون أن يصل إلى أحد.

كسر الإيهام المسرحى: عزلة بين الواقع والخيال
فى ملك ليوم واحد، يكسر يونس الإيهام المسرحى حين يدخل المؤلف نفسه إلى النص. هذا الخروج عن الشكل التقليدى ليس مجرد لعبة فنية، بل يحمل معنى أعمق.
هنا تظهر عزلة من نوع آخر: عزلة بين الخيال والواقع، بين الكاتب وشخصياته، وبين العرض والمشاهد. حتى المؤلف يبدو معزولًا عن عالمه، مضطرًا للتدخل لأن شخصياته عاجزة عن حل أزماتها بنفسها.
بهذا الأسلوب، يضيف الكاتب بُعدًا جديدًا لفكرة العزلة، يجعلها لا تخص الشخصيات وحدها، بل تمتد إلى العمل الفنى نفسه.
الشعر: محاولة للهروب من الوحدة
تلجأ شخصيات المسرحيات الثلاث إلى الشعر بوصفه ملاذًا من وحدتها:
فى الرحيل، تظهر الأغنية فى بداية العرض.
فى ملك ليوم واحد، يتبادل السجناء الشعر.
فى أشواق معتقلة، تعبّر البطلة عن نفسها بلغة قريبة من الشعر.
الشعر هنا يمنح الشخصيات مساحة للتعبير عما تعجز اللغة العادية عن قوله. لكنه فى الوقت نفسه لغة خاصة، شخصية، قد لا تصل إلى الآخرين. وهكذا، يصبح الشعر محاولة للنجاة من العزلة، لكنه لا ينجح دائمًا فى كسرها.
الصمت: اللغة الأخيرة
فى مسرح نواف يونس، لا يعنى الصمت غياب الكلام، بل يحمل دلالة قوية. لحظات الصمت بين «غريب» و«المندوب» فى الرحيل، أو توقف «أشواق» عن الكلام، تعبّر عن عجز اللغة عن احتواء ما يشعر به الإنسان.
الصمت هنا هو أقصى درجات التعبير عن العزلة. فعندما تعجز الكلمات، يبقى الصمت هو اللغة الوحيدة القادرة على قول ما لا يُقال.

العزلة بوصفها جزءًا من الوجود الإنسانى
بعد هذا التتبع، يمكن القول إن العزلة فى مسرح نواف يونس ليست فكرة عابرة أو موضوعًا ثانويًا، بل هى الأساس الذى يقوم عليه عالمه المسرحى، فالعزلة تظهر بأشكال متعددة: فى المكان، وفى النفس، وفى المجتمع، وفى الزمن، لتصبح جزءًا من تجربة الإنسان كما يراها الكاتب.
وتقودنا الدراسة إلى عدد من النتائج الواضحة:
أولًا: العزلة ليست حالة مؤقتة، بل وضع إنسانى يحدد علاقة الفرد بنفسه وبالعالم من حوله.
ثانيًا: الأماكن المغلقة مثل الغرفة أو القصر أو السجن تتحول إلى صورة مادية لهذه العزلة.
ثالثًا: تلعب السلطة بأشكالها المختلفة دورًا أساسيًا فى صناعة العزلة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى نقطة بداية للمقاومة.
رابعًا: يتحول الزمن لدى الإنسان المعزول إلى عبء ثقيل، فيخرج عن إيقاعه الطبيعى،
خامسًا: تعجز اللغة أحيانًا عن التعبير عن العزلة، فيلجأ النص إلى الشعر أو الصمت أو كسر الشكل التقليدى،
من الناحية الفكرية، يقدّم نواف يونس رؤية تراجيدية لكنها قريبة من الإنسان. شخصياته لا تنتصر على عزلتها، لكنها تحاول فهمها والتعايش معها، والبحث عن معنى داخلها، ولو كان معنى مؤقتًا. العزلة هنا ليست عقابًا خالصًا، بل مساحة للتفكير والبحث عن الذات فى عالم يبدو قاسيًا ومربكًا.
ومع ذلك، لا يغلق الكاتب الباب أمام الأمل تمامًا. ففى كل مسرحية تومض لحظة إنسانية صغيرة:
يحاول «غريب» التفاوض مع الموت
ويكتشف الملك الحقيقة وسط السجناء
وتحلم «أشواق» بلقاء حبيب قد يبدد وحدتها.
هذه اللحظات البسيطة تؤكد أن الإنسان، مهما اشتدت عزلته، يظل فى جوهره كائنًا يبحث عن الآخر، حتى وهو بعيد عنه.
فى النهاية، تكشف مسرحيات الكاتب نواف يونس عن وجع الإنسان الحديث فى عزلته، لكنها تمنح هذا الوجع معنى وجمالًا. فالعزلة هنا ليست نقصًا، بل طريقًا لفهم الذات، وربما تكون أحيانًا شرطًا من شروط الحرية الحقيقية.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏