المسرح والجمهور.. أزمة وعى أم أزمة خطاب؟

المسرح والجمهور.. أزمة وعى أم أزمة خطاب؟

العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026

بين خشبة تُنيرها الأضواء، ومقاعدَ كثيرًا ما تخلو من جمهورها، يقف المسرح المصرى اليوم عند مفترق طرق حاد، تتداخل فيه الأسئلة أكثر مما تتضح الإجابات. هل ابتعد الجمهور عن المسرح لأن وعيه تغيّر، وذائقته أُعيد تشكيلها بفعل التحولات التكنولوجية ووسائط التلقى الجديدة أم أن الخطاب المسرحى نفسه بات عاجزًا عن مخاطبة هذا الجمهور، متأخرًا عن إيقاع العصر، أو منغلقًا داخل قوالب جمالية وفكرية لم تعد تعبّر عن هموم الواقع وأسئلته الملحّة؟
سؤال «المسرح والجمهور.. أزمة وعى أم أزمة خطاب؟» لا يطرح نفسه بوصفه جدلًا نظريًا مجردًا، بل كإشكالية حقيقية تمس جوهر الفن المسرحى ووظيفته الثقافية والتنويرية. فالتراجع الملحوظ فى الحضور الجماهيرى، وهيمنة منطق المهرجانات والجوائز، وضعف الدعاية، وغياب النجوم، وضغط الظروف الاقتصادية، جميعها مؤشرات لأزمة أعمق تتجاوز العرض المسرحى إلى منظومة كاملة من الإنتاج والتلقى والسياسات الثقافية.
فى هذا التحقيق، نفتح باب النقاش مع عدد من الكُتّاب والمخرجين والنقاد، لمحاولة تفكيك هذه الإشكالية المركبة: هل المشكلة فى جمهور لم يعد يرى المسرح ضرورة فى حياته اليومية أم فى خطاب مسرحى لم ينجح فى تجديد أدواته والاشتباك مع تحولات الوعى الجمعى.. وكيف يمكن استعادة العلاقة بين المسرح وجمهوره دون التفريط فى جوهر «أبوالفنون» كفعل حى قائم على اللقاء والمشاركة وإنتاج المعنى؟
تحقيق يسعى إلى ما هو أبعد من توصيف الأزمة، نحو البحث عن ملامح «خريطة طريق» ممكنة، تعيد للمسرح حضوره، وللجمهور شغفه، وللخشبة دورها بوصفها مساحة حية للأسئلة، لا مجرد طقس موسمى عابر.
سامية سيد
ممدوح فهمى: نبحث عن «خريطة طريق» حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين المسرح وجمهوره
يرى الكاتب ممدوح فهمى أن الأزمة لا يمكن اختزالها فى عامل واحد، بل تبدأ بالاعتراف بوجود فجوة واضحة بين المسرح وجمهوره، فجمهور اليوم - فى رأيه - لم يعد يجد نفسه فى معظم ما يُقدَّم على الخشبة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على النصوص الأجنبية، سواء عبر التمصير أو الإعداد الدراماتورجى، وهى نصوص تطرح قضايا لا تمسّ واقعه المباشر، ولا تعبّر عن أولوياته الملحّة فى لحظة تاريخية باتت فيها الضرورة معيار الاختيار الأول لدى المتلقى.
ويضيف فهمى أن هذه الفجوة تتسع بفعل عوامل أخرى، من بينها ضعف الدعاية المحفِّزة للعروض، وغياب النجوم القادرين على جذب الجمهور، مشيرًا إلى أن تجربة الفنان يحيى الفخرانى فى عرض «الملك لير» - رغم كونه نصًا أجنبيًا - أثبتت أن النجم لا يزال عنصرًا حاسمًا فى استعادة الحضور الجماهيرى. إلى جانب ذلك، يعانى المسرح من ضعف ميزانيات الإنتاج، فى مقابل تراجع الإمكانيات الاقتصادية لجمهوره التقليدى.
ويرفض ممدوح فهمى فكرة أن الجمهور قد هجر المسرح تمامًا، مؤكدًا أن ما حدث هو تحوّل فى وسائط التلقى، حيث لجأ المتفرج إلى متابعة العروض المسرحية المُعاد بثها عبر الشاشات والمنصات الحديثة مثل «يوتيوب»، لافتًا إلى أن الإقبال الأكبر يظل موجّهًا نحو الأعمال الكوميدية، حتى تلك التى تجاوزها الزمن وقدّمت فى حقب الأبيض والأسود، ما يكشف عن حاجة نفسية وجمالية لم يخاطبها المسرح المعاصر بالشكل الكافى.
وفى ختام رؤيته، يدعو الكاتب إلى ضرورة بحث المسرحيين عن «خريطة طريق» حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين المسرح وجمهوره، تقوم على طرح القضايا الملحّة من خلال نصوص محلية أكثر قربًا من الواقع، يكتبها صُنّاع ينتمون إلى نفس النسيج الاجتماعى للجمهور. ويشدد على أن استعادة هذه العلاقة يمكن أن تبدأ تدريجيًا، وفق الإمكانيات المتاحة، عبر تذاكر ميسّرة، وأجور رمزية للمشاركين كخطوة تضامنية ومبادرة جماعية لإعادة الروح إلى «أبوالفنون»، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لعودته إلى مجده ودوره الحيوى.

سعيد منسى: أزمة المسرح مركبة، بين أزمة الوعى الجماهيرى مع أزمة الخطاب المسرحى
فيما يرى المخرج سعيد منسى أن الأزمة التى يمر بها المسرح فى الوقت الراهن مركبة، وتتداخل فيها أزمة الوعى الجماهيرى مع أزمة الخطاب المسرحى ذاته، إلا أن الأخطر - من وجهة نظره - هو تراجع الإيمان الحقيقى بدور المسرح. هذا الإيمان المطلوب لا يقتصر على الدولة ومؤسساتها فقط، بل يمتد إلى صُنّاع المسرح أنفسهم، وإلى قناعتهم بأهمية ما يقدمونه بوصفه فعلًا ثقافيًا وتنويريًا، لا مجرد نشاط موسمى.
ويشير منسى إلى أن المسرح فى السنوات الأخيرة بات محاصرًا داخل منطق المهرجانات والجوائز، بحيث أصبح العرض «الجيد» هو العرض الحاصل على جائزة، وهو معيار اختزل قيمة المسرح وحجّم دوره الحقيقى فى رفع الوعى ونشر الثقافة ومناقشة القضايا المجتمعية. هذا التراجع ترافق مع تغير مصادر التلقى لدى الجمهور، الذى بات يستقى ثقافته من وسائل التواصل الاجتماعى ومنصات مثل “تيك توك”، فى مقابل انحسار الحضور المسرحى فى الحياة اليومية. فبعد أن كان مسرح الدولة والقطاع الخاص منتشرًا ويحظى بجمهور واسع، أصبح من النادر اليوم أن يعرف المواطن بوجود عروض مسرحية من الأساس.
ويلفت إلى أن المسرح كان فى الماضى ساحة أساسية للنجوم، سواء فى القطاع الخاص أو مسرح الدولة، بينما أصبح العمل المسرحى اليوم عبئًا يخشاه كثير من الفنانين، نتيجة ضعف الميزانيات وتدنى الأجور. ومع الظروف الاقتصادية الضاغطة، لم يعد المسرح قادرًا على أن يكون مصدر رزق مستقر، وهو ما يدفع العديد من الفنانين إلى الابتعاد عنه، الأمر الذى انعكس بوضوح على خلو الخشبة من النجوم.

المسرح المعاصر أصبح يتجنب الاقتراب من القضايا المجتمعية الشائكة
كما يؤكد أن المسرح المعاصر بات يتجنب الاقتراب من القضايا المجتمعية الشائكة، بسبب طبيعة النقد الحاد والمتطرف أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعى، والذى يتحول فى كثير من الأحيان من نقد فنى إلى هجوم شخصى، ما خلق حالة من الخوف لدى المسرحيين من طرح موضوعات حساسة.
وعلى الرغم من التطور التكنولوجى، يشدد سعيد منسى على أن جوهر المسرح سيظل قائمًا على العلاقة الحية المباشرة بين الممثل والمتلقى. فالتكنولوجيا قد تساهم فى تطوير أدوات العرض، لكنها لا يمكن أن تعوض لحظة اللقاء الحى، ولا الزخم الشعورى الذى يعيشه الجمهور وهو يشاهد العرض على خشبة المسرح.
وفيما يخص الحضور الجماهيرى، يرى أن أزمة الدعاية تمثل أحد أبرز أسباب تراجع الإقبال، فى ظل ضعف الميزانيات وغياب الإبهار البصرى، إضافة إلى إنتاج عروض تُقدَّم ليوم أو يومين فقط من أجل المشاركة فى مهرجان دون أى خطة ترويجية حقيقية. ويؤكد أن وعى الجمهور بأهمية المسرح لا يمكن أن يتحقق دون دعاية مستمرة وفعالة.

من حق كل مواطن أن يشاهد المسرح
ويطرح منسى حلًا جوهريًا يتمثل فى الذهاب بالمسرح إلى الناس، وعدم حصره فى القاهرة والإسكندرية، معتبرًا أن من حق كل مواطن أن يشاهد المسرح. ومن هنا تأتى أهمية مسرح الثقافة الجماهيرية ومسرح التجوال، شريطة دعم هذه التجارب وتخفيف القيود البيروقراطية عنها، باعتبارها مسارح غير هادفة للربح تؤدى دورًا تنويريًا واجتماعيًا بالغ الأهمية.
ويختم بالتأكيد على أن إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور تتطلب دورًا فاعلًا للإعلام، خاصة أن نسبة كبيرة من الجمهور لا تعرف المسرح إلا من خلال التليفزيون وبمحض الصدفة. فبعد أن كانت هناك برامج متخصصة تبث العروض المسرحية، أصبح هذا الوجود شبه منعدم، ما جعل الأجيال الجديدة بعيدة عن المسرح ولا تدرك قيمته. لذلك تصبح التوعية عبر التلفزيون ووسائل التواصل، إلى جانب الوصول بالمسرح إلى الناس فى أماكنهم، ضرورة ملحّة لإحياء هذا الفن واستعادة دوره الحيوى فى المجتمع.

عبدالفتاح البلتاجى: جيل الشباب يمتلك طاقة إبداعية حقيقية
يرى الكاتب والسيناريست عبدالفتاح البلتاجى أن أزمة المسرح الراهنة لا يمكن اختزالها فى جدل الوعى الجماهيرى أو الخطاب المسرحى، بقدر ما تبدأ من السياسات العامة وتوجّه الدولة تجاه المسرح بوصفه مؤسسة ثقافية. فهدم مسرح واحد، أو تحويله إلى كافتيريا أو منشأة سياحية، كفيل - من وجهة نظره - بالإجابة عن كل الأسئلة المطروحة حول أزمة المسرح، باعتباره «أمّ الأزمات» وجذرها الحقيقى. ويؤكد أن تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقق بفرض الوعى قسرًا، لأن فرض الوعى بالقوة يؤدى فى النهاية إلى التفريط فى جوهر المسرح، كما جرى التفريط فى مجالات ثقافية أخرى.

المسرح كلمة فى المقام الأول، والكلمة أمانة
وفيما يتعلق بقدرة الخطاب المسرحى المعاصر، يشدد البلتاجى على أن جيل الشباب يمتلك طاقة إبداعية حقيقية، وهو قادر على صياغة خطاب مسرحى معبّر عن القضايا المتنوعة فى المجتمع، لافتًا إلى أن هذا الجيل موهوب ومجتهد بلا شك. غير أنه يحذر فى الوقت نفسه من قلة تحاول إثبات وجودها عبر أى منفذ متاح، ولو على حساب مسؤولية المسرح فى تشكيل الوعى، مؤكّدًا أن «المسرح كلمة فى المقام الأول، والكلمة أمانة».
وحول التحولات التكنولوجية وتغير أنماط التلقى، يقرّ البلتاجى بتأثير إيقاع العصر والتكنولوجيا على الجمهور، لكنه يرفض اعتبار ذلك سببًا رئيسيًا لاتساع الفجوة بين المسرح وجمهوره، موضحًا أن الفنان المبدع قادر دائمًا على مجاراة التطور، وتقديم أشكال مسرحية جديدة فى الإيقاع والرؤية تتلاءم مع الواقع، شرط إتاحة الفرصة الحقيقية للمبدعين.

الجمهور لا يزال متعطشًا للمشاهدة الحية
أما عن تراجع الحضور الجماهيرى فيرى أن الجمهور لا يزال متعطشًا للمشاهدة الحية، وأن ضعف الإقبال يعود إلى عوامل متعددة، من بينها تكرار الأعمال نفسها، خاصة العروض المترجمة المستهلكة، أو الأوضاع الاقتصادية التى تؤثر على القدرة الشرائية للجمهور. ويستدعى فى هذا السياق ما يسميه «المثلث الذهبي»: جمهور - عرض - خشبة مسرح، معتبرًا أن غياب أحد أضلاعه يفرض البحث الجاد عن السبب الجذرى للأزمة بدل الاكتفاء بالنتائج.
ويختتم البلتاجى رؤيته بالتأكيد على أن الحل العملى يبدأ بإفساح المجال لطرح الأفكار بحرية فى ظل رقابة واعية، محذرًا من أن فقدان الرقابة لوعيها أو ممارستها لدورها بتوجهات صارمة سيؤدى إلى فقدان المسرح حتى آخر رمق. ويستشهد بتجربته الشخصية حين تقدم بنص مسرحى عام 2015 فتم رفضه بالكامل من قبل الرقابة، وتلقت صفحاته خطوطًا حمراء دون مناقشة فنية حقيقية، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات لا تهدد نصًا بعينه، بل تهدد وجود المسرح نفسه ومستقبله.

د. محمد الخطيب: الأزمة تتعلق بغياب المسرح عن نسيج تكوين الإنسان فى المجتمع المصرى
فى رؤيته لأزمة المسرح المعاصر، يؤكد الدكتور محمد سمير الخطيب أن المسرح يمر حاليًا بمنعطفات حادة وصعبة، ناتجة عن مجموعة متداخلة من الأسباب، فى مقدمتها تراجع قدرته على المنافسة فى صناعة الرأى العام، فى ظل صعود أنماط جديدة للتأثير، خاصة تلك المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعى والمنصات الرقمية. ويرى أن المسرح، بوصفه «أبوالفنون»، بات مطالبًا بتطوير آلياته ونسقه العام للتعامل مع هذه المتغيرات المتسارعة، بدل الاكتفاء بالرهان على تاريخه أو رمزيته الثقافية.
ويشير الخطيب إلى أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود الخطاب المسرحى، بل تتجاوزها إلى أزمة أعمق تتعلق بغياب المسرح عن نسيج تكوين الإنسان فى المجتمع المصرى، وهو أمر بالغ الخطورة؛ إذ لم يعد المسرح جزءًا أصيلًا من الوعى الجمعى أو من عملية التشكيل الثقافى للفرد.

الفن المسرحى يعجز عن المواجهة
 ويقابل ذلك عجز واضح للفن المسرحى عن المواجهة أمام أنماط درامية أخرى أكثر حضورًا وتأثيرًا، مثل السينما والتليفزيون، ثم دراما المنصات، التى استطاعت أن تفرض إيقاعها السريع وتستقطب الجمهور على حساب المسرح.
ويُرجع الدكتور محمد سمير الخطيب جانبًا من الأزمة إلى طبيعة الفعل المسرحى ذاته، بوصفه فعلًا بطيئًا فى إنتاجه، يحتاج إلى زمن طويل لتكوين عناصر العرض المختلفة من تمثيل وديكور وبروفات، وغيرها، فى مقابل السرعة الفائقة التى تتميز بها صناعة السينما والفيديو ودراما المنصات. هذا التفاوت الزمنى جعل المسرح أقل قدرة على مجاراة إيقاع العصر، وأضعف من حضوره فى المشهد الثقافى العام.
ومن هنا، يرى الخطيب أن الأزمة الراهنة هى فى جوهرها أزمة وعى جماهيرى، تتطلب إعادة نظر شاملة فى تركيبة المسرح نفسها، وفى علاقته بالتحولات التكنولوجية التى يصفها بالمزعجة، نظرًا لقدرتها المتواصلة على التطور والتجدد، فى وقت يعجز فيه المسرح عن اللحاق بها. وقد أسهمت هذه التحولات فى إنتاج أشكال درامية جديدة، جعلت شريحة واسعة من الجمهور تكتفى بما تقدمه المنصات الرقمية، وتستغنى عن الذهاب إلى المسرح.
كما يلفت إلى أن المسرح يعانى بشكل خاص من طبيعة تلقيه القائمة على الحضور الجمعى، الذى يتطلب من المتفرج جهدًا ووقتًا، فى مقابل سهولة التلقى عبر الشاشات، ما دفع كثيرين إلى العزوف بدافع الكسل أو ضيق الوقت. ومع ذلك، يؤكد الخطيب أن المسرح، رغم كل هذه التحديات، يظل محتفظًا بسحره الخاص، المتمثل فى فكرة «الحضور الحي»، وهى القيمة الجوهرية التى تميّزه عن باقى الفنون.
ويشدد فى ختام رؤيته على أن التحدى الحقيقى يكمن فى كيفية تطوير هذا الحضور الحى، وإعادة صياغته فى شكل معاصر قادر على التواصل مع الجمهور، والوصول إلى صيغة جديدة للمسرح تنطلق من خصوصيته ولا تتنازل عن جوهره. وهو ما يستدعى، فى رأيه، طرح أسئلة جذرية من داخل الوسط المسرحى حول المسرح نفسه، ونمط التعامل معه، وضرورة دراسته بعمق فى ضوء التحولات والتغيرات الكبرى التى يشهدها العالم اليوم.

حسام مسعد: الأزمة تنبع من خطاب مسرحى تأخر عن استيعاب التحولات العميقة
فيما يرى الناقد والمخرج المسرحى حسام مسعد أن الأزمة التى يعانيها المسرح اليوم ليست مرتبطة بغياب وعى جماهيرى، بقدر ما تنبع من خطاب مسرحى تأخر عن استيعاب التحولات العميقة التى أصابت أنماط التلقى وبنية الوعى الجمعى. فالمتلقى المعاصر لم يفقد اهتمامه بالفعل الثقافى، لكنه أعاد تشكيل علاقته بالمعنى والزمن والصورة، فى حين ظل جزء معتبر من الخطاب المسرحى أسير قوالب جمالية وفكرية تقليدية تقوم على الوعظ أو النخبوية، وتتعامل مع الجمهور كمتلقى سلبى لا شريك فى إنتاج الدلالة. ومن هنا نشأت الفجوة، التى لا تمثل قطيعة مع المسرح، بل انفصالًا بين خطاب جامد وواقع متحوّل.
اختناق فى آليات الاشتباك مع الواقع
ويؤكد مسعد أن المسرح لم يفقد قدرته على التعبير عن قضايا المجتمع، بل إن هذه القدرة ما زالت كامنة، لكنها تعانى من اختناق فى آليات الاشتباك مع الواقع. فالتحدى لا يكمن فى اختيار القضايا، بل فى كيفية مساءلتها، والانتقال من تمثيل الظواهر إلى تفكيك بنياتها وإنتاج أسئلة مفتوحة حولها.

التكنولوجيا ليست خصمًا للمسرح
وقد أسهمت التحولات التكنولوجية وتغيّر أنماط التلقى فى إظهار هذا الخلل، إذ لم تعد الخشبة وحدها مركز الفعل الثقافى، ولم يعد الحدث المسرحى يحتكر فكرة اللقاء الحى. ومع ذلك، يرى مسعد أن التكنولوجيا ليست خصمًا للمسرح، بل أفقًا ممكنًا لإعادة بناء العلاقة مع الجمهور، إذا ما أُحسن استثمارها كوسيط معرفى وجمالى وليس كزينة شكلية فقط.
ويخلص مسعد إلى أن تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقق بالتفريط فى جوهر المسرح، بل بإعادة تعريف هذا الجوهر بوصفه فعلًا إنسانيًا قائمًا على اللقاء والمشاركة وإنتاج المعنى المشترك. وحين يستعيد المسرح قدرته على الإصغاء لزمنه، ومسرحة المكان، وتوسيع مفهوم المتلقى، يصبح قادرًا على استعادة مكانته كـ ضرورة ثقافية حية، لا مجرد طقس موسمى معزول عن المجتمع.

د. وجيه جرجس: الخطاب المسرحى المعاصر ما زال يمتلك قدرة كامنة على الاشتباك مع الواقع
يرى الأستاذ الدكتور وجيه جرجس فرنسيس، رئيس قسم المسرح التربوى بكلية التربية النوعية – جامعة بنها، أن أزمة المسرح المعاصر لا تنفصل فى جوهرها عن أزمة الخطاب المسرحى ذاته، أكثر من كونها أزمة وعى جماهيرى خالصة. فبحسب رؤيته، يعانى الخطاب المسرحى من انفصال واضح عن الواقع المعيش، نتيجة الرتابة والاعتماد المتكرر على نصوص مقتبسة أو كلاسيكية لم تعد تعبّر عن هموم الجيل الجديد، ما أفقد كثيرًا من العروض عنصر الدهشة وأضعف تماسك بعض النصوص وبنيتها الدرامية.
ويؤكد أن غياب التجديد فى القوالب الفنية جعل العديد من العروض تبدو خارج سياق الزمن الرقمى، خاصة مع بروز المسرح الرقمى والمنصات التفاعلية، التى كشفت عن فجوة حقيقية فى قدرة المسرح التقليدى على توظيف التقنيات الحديثة. هذا التحول أسهم فى سحب السينما والتلفاز، ثم المنصات الرقمية، البساط من تحت خشبة المسرح، التى كانت يومًا ما مركزًا رئيسيًا للوعى والتثقيف والتسلية.
وعلى الرغم من ذلك، يشدد د. وجيه جرجس على أن الخطاب المسرحى المعاصر ما زال يمتلك قدرة كامنة على الاشتباك مع الواقع، ويظل «مرآة» تعكس ملامح المجتمع وتشارك فى تشكيل وعيه الفكرى. فالمسرح، فى جوهره، قادر على تحفيز التفكير النقدى وتشخيص التناقضات الاجتماعية، بما يجعله أداة فعالة لتغيير السلوك والوعى الاجتماعى. غير أن هذه القدرة تظل مرهونة بتوافر لغة مسرحية حرة وقادرة على التعبير، إذ إن عجز اللغة أو تقييد حرية التعبير يُفرغ الخطاب من مضمونه ويُبعده عن القضايا الحقيقية.
ويشير إلى أن التحولات التكنولوجية وتغيّر أنماط التلقى أسهمت بوضوح فى اتساع الفجوة بين المسرح وجمهوره. فالجمهور المعاصر اعتاد على المحتوى الرقمى السريع والمكثف، بينما تقدم المنصات الرقمية محتوى مصممًا وفق أذواق فردية، فى حين يظل المسرح فنًا جمعيًا بخطاب موحد. كما تمنح التفاعلية الرقمية الجمهور دورًا مباشرًا فى صناعة المحتوى، على عكس كثير من العروض المسرحية التقليدية التى ما زالت تعتمد على التلقى الصامت. وتزداد الفجوة اتساعًا بفعل العوامل الاقتصادية والجغرافية وارتفاع تكاليف الإنتاج والتذاكر، ما جعل المسرح نشاطًا نخبوياً فى ترتيب أولويات الأسرة.

تبنّى المسرح التفاعلى
ويرجع د. وجيه جرجس تراجع الحضور الجماهيرى للمسرح خلال السنوات الأخيرة إلى هيمنة المنصات الرقمية وتغيّر عادات التلقى، وانتشار ثقافة الفيديو القصير، إلى جانب غياب عنصر الدهشة واستمرار الاعتماد على قوالب تقليدية فى تقديم العروض. كما لا يمكن إغفال الأعباء الاقتصادية واللوجستية التى تواجه صناع المسرح، سواء على مستوى الإنتاج أو التسويق أو إتاحة العروض لجمهور أوسع.
أما عن الحلول، فيطرح تصورًا عمليًا يقوم على كسر صرامة «الجدار الرابع» عبر تبنّى المسرح التفاعلى، بحيث يصبح الجمهور شريكًا فى التجربة المسرحية لا مجرد متلقٍ. ويؤكد أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة، مثل الهولوجرام أو الإسقاط الضوئى ثلاثى الأبعاد، لا باعتبارها وسيلة للإبهار البصرى فقط، بل كأداة درامية تخدم النص والرؤية الفنية. كما يدعو إلى نقل المسرح خارج القاعات المغلقة، إلى الساحات العامة والمقاهى والمصانع القديمة، فيما يُعرف بـ«مسرح الموقع»، بما يعيد ربطه بالحياة اليومية للناس.
ويختتم د. وجيه جرجس رؤيته بالتأكيد على ضرورة إعادة تأهيل الفنان المسرحى، ليكون قادرًا على التعامل مع الوسائط التكنولوجية، ومتمكنًا من الارتجال التفاعلى، وممتلكًا لمهارات متعددة تشمل الغناء والحركة والتواصل المباشر مع الجمهور، فى تجاوز واضح لفكرة الاكتفاء بـ«إلقاء النص»، واستعادة جوهر المسرح كفن حى ومتجدد.

طارق الدويرى: المسرح يظل عاجزًا عن التعبير الحقيقى عن قضايا الناس أو الاشتباك مع واقعهم اليومى
يرى المخرج طارق الدويرى أن المسرح يعانى فى الأساس من أزمة وعى جماهيرى تشكّلت ملامحها بوضوح بعد ثورة يناير وما تلاها من سنوات، حيث لعب الإعلام - بشكل مباشر أو غير مباشر - دورًا فى تشويش وعى الناس وإبعادهم عن الأسئلة الجوهرية. وأسهمت بعض التجارب التجارية الخفيفة، التى لا تمت بصلة إلى عمق المسرح وجوهره، فى التأثير سلبًا على إدراك الجمهور لطبيعة هذا الفن ووظيفته الحقيقية.
ويؤكد الدويرى أن المشكلة لا يمكن اختزالها فى الخطاب المسرحى وحده، لكنها فى الوقت نفسه أزمة خطاب بالدرجة الأولى؛ فخلال سنوات الثورة وما بعدها، شهد المسرح محاولات جادة أعادت الجمهور إلى القاعة، وفتحت باب الأسئلة والمعرفة، إلا أن تغيّر المناخ العام للحريات لاحقًا أدى إلى تراجع هذا الزخم، وتوهان الناس عن القضايا التى كانت الأجيال السابقة تطرحها وتشتبك معها بوعى ومسؤولية.
ويشير إلى أن المسرح المصرى وقع فى مأزق حقيقى مع تصاعد السعى نحو عروض التسلية والترفيه الخالى من القضايا، ما أبعده عن دوره الطبيعى كمساحة للنقاش والاشتباك مع الواقع. وحتى فى الحالات التى تبدو فيها المسارح ممتلئة، فإن الأمر - من وجهة نظره - لا يعكس حضورًا جماهيريًا حقيقيًا، بقدر ما هو تكرار لدوائر مشاهدة محدودة، دون تأثير فعلى أو نقاش يمس هموم الناس.
ويلاحظ الدويرى أن بعض القضايا التى غابت عن المسرح بدأت تجد طريقها خلال العامين الأخيرين إلى الدراما التليفزيونية والسينما، مثل قضايا التحرش وغيرها، فى ابتعاد نسبى عن خطاب البلطجة الذى ساد لفترة، مع وجود محاولات جادة من بعض الفنانين الشباب فى السينما والتليفزيون والمسرح لتقديم رؤى فنية تمس أسئلة المجتمع. ورغم ذلك، يظل المسرح - فى مجمله - عاجزًا عن التعبير الحقيقى عن قضايا الناس أو الاشتباك مع واقعهم اليومى.

غياب الحرية يهدد مستقبل المسرح
كما يربط الدويرى بين تراجع الخطاب المسرحى وحالة الضغط الاقتصادى العنيف التى يتعرض لها المواطن المصرى، إلى جانب الدور المتشدد للرقابة، التى تضيّق هامش الحرية وتدفع إلى رفض القضايا المطروحة أو تفريغها من مضمونها، ما يؤدى فى النهاية إلى تغييب العروض الجادة عن المشهد، وإقصاء كل ما يحاول ملامسة الواقع الحقيقى.
ويؤكد أن غياب الحرية يهدد مستقبل المسرح، مشيرًا إلى أن الجمهور، فى حال لم يجد نفسه على الخشبة، سيتجه بطبيعة الحال إلى منصات أخرى أكثر قدرة على التسلية والجذب، مثل وسائل التواصل الاجتماعى، التى باتت أكثر ذكاءً فى مخاطبة الجمهور، وإن كانت تفتقر إلى العمق.
أما الحل، فيراه الدويرى بسيطًا وواضحًا: وجود إرادة سياسية حقيقية لدى وزارة الثقافة للاهتمام بالمسرح، ودعمه بعروض جادة، وتوفير هامش فعلى من الحرية يسمح بتقديم فن صادق. فالجمهور - بحسب تجربته - لا يحركه النجم بقدر ما تحركه القضية والمصداقية والأسلوب الفنى المتطور.
ويستشهد بتجربة مركز الهناجر للفنون فى فترات سابقة، خاصة تحت إدارة الدكتورة هدى وصفى، باعتبارها نموذجًا لمسرح حى يتبنى الحركة المستقلة ويطرح قضايا حقيقية، على عكس ما آل إليه حال بعض مؤسسات المسرح الرسمى التى فقدت جزءًا كبيرًا من حيويتها. ويأسف لتحوّل الهناجر فى الوقت الراهن إلى كيان أقل إشعاعًا وتأثيرًا، رغم وجود عروض جيدة، لكنها لا تعكس روحه السابقة أو توجهه الحقيقى.
ويختتم الدويرى رؤيته بالتأكيد على أن الجمهور سيعود عندما يجد ما هو حقيقى يُقدَّم له، فالتسلية متاحة فى كل مكان، لكن الفن لا يمكن أن يعيش أو يستمر دون حرية. ويشدد على أن تراجع سقف الحريات يعنى بالضرورة تراجع الحضور الجماهيرى، لأن الفن - فى جوهره - لا ينفصل عن الحرية، ولا يمكن أن يطرح قضايا حقيقية أو يشتبك مع المجتمع فى غيابها.


سامية سيد