المسرح والنفس الإنسانية

المسرح والنفس الإنسانية

العدد 963 صدر بتاريخ 9فبراير2026

رغم انها تعرض فى نيويورك خارج برودواى عاصمة المسرح الامريكى ،ولاتعرض فى اى من مراكز الحياة المسرحية التى ازدهرت فى الولايات المتحدة فى السنوات الاخيرة مثل لوس انجلوس وشيكاغو واطلانطا ،الا انها لقيت اشادة واسعة من النقاد.
انها مسرحية  “أغاني التعتيم”  التى بدأ عرضها قبل أيام في مسرح روبرت سي. ويلسون فى نيويورك ولمدة شهر ونصف الشهر. والسبب فى هذه الاشادة يرجع إلى أن   المسرحية ذات طابع نفسى انسانى تسعى إلى اكتشاف الصراع الذى يشتعل داخل النفس الانسانية  بين محاولة النسيان والرغبة في التذكر.  
مثال ذلك ماورد على لسان بطلة  المسرحية عندما قالت لبطلها  بعد انهيار قصة الحب بينهما “أنتِ أكثر شخص لا يُنسى قابلته في حياتي”.  وهذه العبارة تشير إلى الأفكار  المُثيرة والمُربكة التى يحفل بها ذلك النص على حد تعبير ناقد البوسطن جلوب.  

صادقة وغير مقنعة!!!
ويقول الناقد إن    العبارة ، رغم صدقها، غير مُقنعة. ذلك أن إدمان كليهما على الكحول تركهما مع فترات طويلة من الزمن غامضة. ويضيف الناقد أن براعة الكاتب المسرحى جعلت فقدان الذاكرة ميزة وليست عيبا حيث تتمنى الشخصية الاولى  لو تستطيع “محو كل شيء”، ونسيان الماضي. أما الشخصية الأخرى فتُعاني من ذكرياتها المفقودة. يخشى أن ينظر إلى الوراء يومًا ما ولا يجد شيئًا.
تستكشف المسرحية هذا التوتر بين محاولة النسيان والرغبة في التذكر ببراعةٍ فائقة، لدرجة أنني غادرت المسرح بشعورٍ يُشبه ما قد يشعر به متطوعٌ لدى ساحرٍ حين يكتشف سرقة ساعته: مُستمتعٌ للغاية، لكن غير متأكدٍ مما حدث بالضبط.
وفي أول لقاءٍ بين الحبيبين المدمنين على الخمر  في المسرحية واللذين يُشار إليهما بـ”هي” (آبي لي) و”هو” (أوين تيج)،  نجد انفسنا أمام  قصة حبٍ دامت سنوات. والمشكلة أن التسلسل الزمني مُبهم؛ قد نتنقل بين الأحداث أو قد نسير بخطٍ مستقيم. قد تمر ساعاتٌ أو أيامٌ بين السطور. إن محاولة فهم ما يجري جزءٌ من متعة السرد الفوضوي وغير الموثوق. يوظف المؤلف  بذكاءٍ هذا البناء  والمُربك ليُجسد حالة عدم اليقين التي تُساور شخصياته بشأن ماضيها. لسنا متأكدين من ترتيب الأحداث التي نشهدها، أو حتى إن كانت قد حدثت أصلاً.

مزيد من الإثارة
وتزداد الأحداث إثارة عندما فى بعض الأحيان عندما نجد الشخصيات تكتفى بمراقبة الأحداث ولا تشارك فيها. وكذلك عندما تنهار علاقة الحب بين الحبيبين ويبدأن فى التساؤل ...هل انهارت علاقة الحب فعلا ...ثم يبدأن فى التساؤل عن الطرف المسئول عن انهيارها ثم ينتهي بهما الأمر إلى القول بأنها لم تكن علاقة حب عميقة ولا داع للمبالغة فى الاهتمام بها بعد انتهائها.
ورغم ذلك يعود الحبيبان إلى نفس الجدل حول من دفع الآخر بعيدا عنه بشكل يثير إعجاب ناقد الفلادلفيا إنكوايرر. ويرى هذا الناقد أن المسرحية كانت بمثابة رحلة مذهلة وممتعة لكن نهايتها كانت غامضة. وكان يتمنى لو كانت النهاية أكثر وضوحًا.
ويناقش ناقد الفلادلفيا الأمر من زاوية أخرى فيقول أن مسرحية “أغاني التعتيم” لغزٌ يستحق الحل، إلا أن الإيقاع السريع الذي يفرضه المخرج لا يترك مجالاً كبيراً للبحث والتقصي. إنه عملٌ شاقٌ على الممثلين، اللذين ينغمسان في أدوارهما بكل جوارحهما، حتى أنهما يبالغان في حركاتهما الجسدية خلال اللحظات الفاصلة.
ويرى أن الممثلة التى جسدت  شخصية “هي” جسدتها ببراعة، وبطريقة آسرة ومؤثرة. ونجحت فى تصوير محاولاتها   لتجنب إظهار ضعفها، وتنجح لي في ذلك مع السماح للجمهور برؤية عمق شوقها وحزنها، وبحس فكاهي رائع.
كما أتقن الممثل الذى جسد شخصية “هو” المشاهد الكوميدية دون أن يُخلّ بجو المسرحية. وكانت حركاته الجسدية معبرة ، فهو يُمثل بكل جوارحه.
وكان كلا الممثلين حاضرين بقوة في عالم المسرحية نفسه، يتفاعلان ويتكاملان مع بعضهما في كل لحظة، وعلى الرغم من الفجوة الكبيرة التي تفصل بين الشخصيتين على الورق، إلا أن الممثلين يضمنان أن يكون الترابط بينهما واضحاً لا لبس فيه.
عناصر أخرى
أما عناصر التصميم فهي رائعة، وإن كانت بسيطة. يُقنع ديكور سكوت باسك البسيط في المشهد الأول بأنه قبو كنيسة، لدرجة تحمل المشاهد  أن أحداث المسرحية بأكملها ستدور هناك.
 ورغم ثبات البيئة المادية طوال العرض، إلا أنها تدعم الأحداث عبر مواقع المسرحية المتعددة. من خلال التحكم الجيد فى  الإضاءة. كما لعبت الموسيقى دورا كبيرا فى التعبير عن اللحظات الواقعية وأضفى عليها  حيوية فى المواقف التى تطلبت ذلك. ولعبت الأزياء دورا مؤثرا أيضا فى تحقيق التكامل فى التعبير عن الأفكار والمواقف المختلفة التى شملها العرض.
 ويلتقط خيط الحديث ناقد صحيفة وول ستريت جورنال فيقول أن  مسرحية “أغاني التعتيم” تقول  الكثير تقول الكثير عن  كيف يمكننا التخلي عن أجزاء من أنفسنا في العلاقات، سواءً للأفضل أو للأسوأ، وما نحصل عليه في المقابل، وكيف تُشكّل الذاكرة هويتنا. ومع نهاية المسرحية، تمر هير، التي تؤدي دورها لي، بتحول عميق، متمنيةً المزيد من الذكريات، لا العكس.
 أما أنا، فلم أكن متأكدًا تمامًا من أي شخصية قالت ماذا أو ما هو حقيقي، لكن اتضح أن هذا ربما ليس مهمًا جدًا؛ فليس لكل سؤال إجابة.  ونحن عادة لا نحتاج إلى فهم الخدع فى السينما أو المسرح أو غيرها حتى نستمتع بالعروض.
وقد حاولنا البحث عن معلومات عن المؤلف لإلقاء الضوء عليه لكن لم نجد سوى انه مؤلف شاب يدعى جو هوايت يتمتع بدرجة عالية من النضج الفنى فى تلك السن الصغيرة. ونرجو أن نطالع قارءنا بمعلومات كافية عنه فى مرة قادمة.


ترجمة هشام عبد الرءوف