3/1/2 سرديات الأحداثتخدم تمثُّلات «السرديات الكبرى» فى الأحداث علاقة التجانس بين الشروط الطبيعية (وهى التى تُستخلص من طبيعة الأشياء) والشروط الاجتماعية، حيث تعتمد بنية الأحداث على العلاقة البنائية بين أمرين؛ هما:الآنية: وهى من أهم خصائص المسرح، حيث ما يحدث الآن هنا.التعاقب: وهو من خصائص السرديات التى تعتمد تمامًا على تتابع الأحداث وتواليها، حيث ينتقل السرد عبر انتظام مجموعة من الفصول تتموضع بها مسرودات، فالتعاقب ضرورة سردية.وعلى الرغم من أن الأحداث المسرحية التى يتم تمثُّل السرديات بها تتميز بالتعاقب، فإن تعاطى الجمهور المتلقى معها يعتمد على الأنية، لأن مجتمعات هذا الجمهور المتلقى مجتمعات تكون فيها الآنية قوية، ويكون فيها التعاقب مشوشًا خاصة إذا لم يكن منتظمًا، فإذا ما قُدمتْ الأحداث بالاعتماد على تنوع التنظيم الزمنى لسرد الأحداث، والذى يمكن أن يتنوع إلى:سرد لاحق: وهو الذى يكون زمنه تاليًا لزمن الحكاية (محمد القاضى، وآخرون؛ 2010م؛ ص 232)، حيث يتم استرجاع أحداث الماضى سواء بسردها بواسطة أحد الشخوص، أو إعادة تقديمها كمشهد تمثيلى سابق على زمن المشهد الحالى، وهو ما اعتمدت عليه بعض العروض مثل «الأيام المخمورة» و»الجريمة والعقاب».سرد سابق: «فهو الذى يكون زمنه سابقًا لزمن الحكاية»(محمد القاضي؛ ص 233)، وقد اطلق عليها (جيرار جينيت) اسم «الاستباق»، وهو من تقنيات السرد النادر اسخدامها فى العروض المسرحية، ولم تظهر بأى عرض من عروض مهرجان نوادى المسرح فى دورته الحادية والثلاثين.سرد متزامن: وهو الآنى الذى يم تقديمه بواسطة الممثلين الآن وهنا، وسميناه «الآنية».سرد مقحم: «وهو الذى يتداخل زمنه مع زمن الحكاية»(م.س.ن)، وبه لا يكون القول والفعل متزامنين آنيًّا؛ بل يلحق أحدهما الآخر بالتناوب، فقد يُضْمَر السرد السابق واللاحق به. فيتزايد التشويش لدى المتلقى إلى الحد الذى يصير معهم تعقيدًا، وتصبح الأحداث غير مفهومة أو مدركة فى تعاقبها إلى حدٍ كبير، كما فى عرض «الأيام المخمورة» وعرض «سبع ليالي».لقد كان لسردية الحرب نصيبًا وافرًا من التمثُّل فى الأحداث حيث تم رصدها فى خمسة عروض من نماذج الدراسة؛ وهي: «سوء تفاهم» (إخراج: ساندرا سامح؛ المنوفية)، «ثم نبدأ الرقص» (إخراج: عبد الرحمن أشرف؛ بنى سويف)، «موسم الحرب والغناء» (إخراج: أحمد سعد، بور سعيد)، «عائلة توت» (إخراج: أحمد محمد أحمد؛ الأسكندرية)، «ظلال» (إخراج: هانى يسري؛ الغربية).فحالة الشلل التى أصيب بها الزوج فى عرض مسرحية «ثم نبدأ الرقص» كانت بسبب الحرب، وأزمته النفسية سببها أنه لم يستطع القتل، فسردية الحرب تتمثَّل فى ماضى أحداث العرض التى يتم استرجاعها. وأحداث عرض مسرحية «موسم الحرب والغناء» تمثَّل تفاصيل أحداث الحرب ومآسيها، حيث خلق الأستاذ مجموعة من القتل الوحشيين وعلى رأسهم (هربرت) الذى يتخلص من كل من يحاول إيقاف هذه الحرب. ويهرب ابن الأستاذ من ساحة الحرب حاملاً كل العار الذى يمكن أن يلحق بمن يفرون من الحروب حتى ولو كان فرارهم لأسبابٍ إنسانية. الجميع فى «موسم الحرب والغناء» أصبحوا ضحايا الحرب، وتصدرت هيئة الانفجار النووى الصورة الجاثمة على جميع المشاهد بطغيان تشكيلى.وتتمثَّل «سردية الحرب» فى أحداث عرض «عائلة توت» حيث تخلق الحرب حالة من الكساد الاقتصادى التى تضطر شخص (توت) للعمل فى المنجم لحساب (السير)، وتعانى أسرة (توت) من سخافات (السير) الذى يقيم لديهم مستغلًا أنه يُشغل (توت) كما يستغل وطموح (توت) فى الترقية. وقد استبدل العرض (السير) صاحب المنجم بالجنرال فى نص المسرحية ليبعد عن المساس بالسلطة العسكرية مقتربًا من السلطة الاقتصادية التى يمثلها (السير) صاحب المنجم، ولم يكن لذلك أى مدلول فى تمثُّل «سردية الحرب» فى أحداث العرض، فقد بعُدَّ بها خطوة إلى الخلف. بينما جاء عرض «سوء تفاهم» ليجعل من «سردية الحرب» تمثَّل أسباب الأحداث حيث جعل العرض من الحرب سببًا فى افتراق الابن عن الأم والبنت (مارتا)، كما جعل العرض أن الحرب هى السبب والدافع فى سلوك الأم والبنت تجاه قتل زبائن الفندق والاستلاء على نقودهم حتى ولو كانت قليلة.وتتمثل «سردية الحرب» فى أحداث عرض «ظلال» بشكل هامشى، لتطرح سؤالاً إبستمولجيا عن ماهية الحرب، باعتباها تحمل ظلامًا إلى العالم وتجعله مكانًا غير صالح للحياة، كغيرها من السرديات التى تصنع الظلام والظلم والموت فى العالم.ونجد أن «سردية الحرب» التى تمثَّلتها الأحداث فى العروض –السابق الإشارة لها– لم تنتج بطريقةٍ مباشرة من مجموعة من البنى الاجتماعية المجردة، فقد كان دائمًا هناك وسطاء، فى عرض «سوء تفاهم» كانوا الجنود العابثين الذين حاولوا الاعتداء على الأم والبنت، واخطفوا الأخ من قبل ليجعلوه غريبًا عن أسرته التى تقتله حين يعود. لقد أدت «سردية الحرب» التى تتكون من جنود يتقاتلون من أجل مجموعة من المكاسب السياسية أو الاقتصادية ويحدثون فى الوقت ذاته خسائر تفوق المكاسب التى يحققها القتال تمتد هذه الخسائر على المجتمعين المتقاتلين وتخلف الكثير من المآسى، وربما يكون المكسب الوحيد من الحرب هو كبرياء المنتصر؛ وإحدى هذه المآسى فى عرض «سوء تفاهم» كانت تفرقة الابن عن الأسرة، لقد جعل عرض «سوء تفاهم» من «سردية الحرب» مبررًا لغياب الابن، ولممارسة الأم والبنت القتل، جعل من «سردية الحرب» تفسيرًا لهذا العبث الكامن فى سوء التفاهم المتأصل فى الجنس البشرى الذى يقتل بعضه بعضًا، وصولا لأن تقتل الأم ابنها، والأخت أخاها.وفى عرض «ثم نبدأ الرقص» كانت «سردية الحرب» تفسيرًا للشل الذى أصاب الزوج، وسببًا مباشرًا فى سوء حالته النفسية، وسوء علاقته بزوجته بالتبعية، وبفضل الحرب فَقَدَ الزوج سيطرته على حياته وجسده، واغترب داخل بيته.أما عرض «موسم الحرب والغناء» فسردية الحرب التى تمثَّلها الأحداث جاءت مليئة بالمآسى والعذابات وممارسة القتل والعنف، جاعلاً تلك الحرب جزء من مكونات الحياة، كما جعل الانفجار النووى جزء طاغيًا على سينوغرافيا العرض جاثمًا بظلاله فى كل المشاهد حتى تلك التى كانت تأتى داخل الكنائس. لقد طالت الحرب كل شيء فى «موسم الحرب والغناء»، فكانت الأحداث نفسها، والفاعلون مقاتلون.ويمكن تصنيف تمثُّلات «سردية الحرب» من خلال الأحداث إلى ثلاثة أصناف؛ هي:تَمثُّل للعالم المحسوس؛ حيث شوهت الحرب جسد الزوج ونفسيته فى عرض «ثم نبدأ الرقص»، فلم تجعل هناك مجالاً لممارسة مباهج الحياة، أو حتى الاسمتاع الجسدى بحياة طبيعية .تَمثُّل للممارسات الاجتماعية، حيث يستغل الرأسمالى مالك المنجم الذى يعمل به (توت) أسرة توت ليحقق رفاهية عيشه ونزق رغباته فى عرض «عائلة توت»، والأسرة تخضع له طمعًا فى ترقية عائلها، ولتوفير الدخل اللازم للحياة فى ظل الحرب التى تسببت فى كساد اقتصادى كبير. وفى عرض «سوء تفاهم» مارست الأم والبنت (مارتا) القتل بسبب ما تعرضا له من مآسى الحرب، فجعل من «سردية الحرب» سببًا فى ممارسة القتل داخل المجتمع بغرض السرقة والعيش.تَمثُّل للممارسة نفسها؛ وهى هنا ممارسة القتال ومعاينة تفاصيل الممارسة من عنف وتوتر وقتل، فامتلأت مشاهد عرض «موسم الحرب والغناء» بالقتلى والمصابين.إن تمثّل «سردية الحرب» فى العروض المسرحى من نماذج هذه الدراسة جاء على عدة مستويات من التجريد والتعميم؛ وهى كالتالي:الأكثر تعميمًا: ونجدها فى عرض «ظلال» حيث جعل من تمثل «سردية الحرب» فى الأحداث حدثًا هامشيًا كأنه يبحث عن إجابة عامة وسريعة عن سؤال: «لماذا يحاربون؟».المعممة: نجد أن تمثُّل «سردية الحرب» فى عرض «عائلة توت» جعلها فى خلفية الأحدث، وجعلها سببًا وراء الكساد الاقتصادى الضاغط على أسرة (توت) كى تقبل استضافة (السير) السخيف مالك المنجم الذى يعمل به (توت) طمعًا فى الترقية لـ(توت).المجردة: فى عرضى «ثم نبدأ الرقص» و»سوء تفاهم» جعل من تمثُّل «سردية الحرب» فى الأحداث كسبب أدى إلى ما أصبح عليه الفاعلين من حال، فأصبح الزوج فى «ثم نبدأ الرقص» مشلولا مشوهًا نفسيًا ومغتربًا، وفى عرض «سوء تفاهم» كانت الحرب سببًا فى افتراق الابن عن أسرته، وسببًا فى احتراف الأم والبنت القتل والسرقة كمصدر للعيش والتعايش.الأكثر تجريدًا: ونجده واضحًا فى تمثل «سردية الحرب» فى عرض «موسم الحرب والغناء» حيث جعل المشاهد يغوص فى مشاهد القتل، ومآسى الحرب، والمواقف التى تنتج عن عدم قبول بعض الجنود مواصلة القتال العبثى وهروبهم من ساحة القتال، والأحداث النبيلة التى يمارسها البعض تمسكًا بقيمهم ومبادئهم، فكثير من الأحداث كانت من دخل المؤسسات العسكرية التى تمارس الحرب وتديرها، والكثير من الأحداث كانت مرتبطة تمامًا بالحرب مثل مشاهد الجنود على الجبهة، مشاهد الملاجيء، وغيرها.3/2 السرديات المتناقضةيعتبر الصراع أحد الظروف المناسبة التى تستدعى إنتاج سرديات تعمل على تعزيز التناقض القائم على الهوية بين «الأنا» و«الآخر». فتعمل السردية المنتجة فى هذا الظرف على تعظيم «الأنا»، وتقليل/تحقير «الآخر». فيقوم طرفى الصراع بإنتاج سرديات وسرديات مضادة لها، كإحدى تجليات المواجهة الممتدة بين طرفى الصراع التى قد تكون فى أحد مستوياتها مواجهة عسكرية أو مواجهة شاملة أو مواجهة فكرية.إنَّ للسردية مكونات بنائية رئيسية؛ هي:الفاعلون: هم الشخوص الفاعلة داخل السردية، ولهم أدوار مؤثرة، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات ومنظمات، أو دولا.الأحداث: هى الأحداث التى يتم إيرادها فى السردية عبر التسلسل التعاقبى، ويتم وضع علاقات بينها وبين غيرها من الأحداث تصنع الحبكة الدرامية.السياق: هو مفهوم يمكن أن يتسع ليشمل كل شيء يمكن أن يحيط بالأحداث والفاعلين. والسياق مزيج متعدد بين ما هو اجتماعى، وسياسى، واقتصادى، وثقافى.الترتيب الزمنى للأحداث: ولها أهميتها لوضع نسق للسردية، ويستخدم النسق التعاقبى لتسلسل أحداث السردية.السببية: وهى العلاقة التى يُعتمد عليها عادة فى ربط الأحداث المكونة للسردية، حيث تخضع جميع الأحداث لأن تكون إما سببًا أو نتيجة، وهو ما يقترب من مفهوم الحبكة الدرامية، والتى تشير إلى تسلسل الأحداث داخل السردية، ويعتبرها (أرسطو) روح التراجيديا.