اشتدت أزمة إنشاء «الفرقة الحكومية» بعد أن اختلف يوسف وهبى وجورج أبيض، كونهما المؤهلين لتكوينها - من وجهة نظر وزارة المعارف المسئولة عن المسرح وقتذاك - فقامت مجلة «الصباح» باستطلاع رأى الممثلين والممثلات أنفسهم، وخرجت بنتيجة صاغتها فى كلمة منشورة فى أواخر مايو 1928، قالت فيها: أجمع الممثلون والممثلات الذين استطلعنا آراءهم على أن أفضل الوسائل لمعاونة الحكومة للتمثيل هى تكوين «فرقة حكومية»، ولم يشذ عن هذا الإجماع سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص، إذن فالأغلبية تؤيد تكوين فرقة للحكومة، لذلك من واجبنا أن نقصر بحثنا على هذا الرأى وحده واستقصاء وجوه النفع فيه:ومما قالته المجلة فى بحثها: «لنفرض الآن - مع استحالة هذا الفرض - أن الحكومة استطاعت أن توفق بين رغبات مديرى الفرق وأن تجمعهم فى فرقة واحدة، وأنها تمكنت أيضًا من أن تضم إليهم نوابغ الفن - كما يقولون - فماذا تكون النتيجة؟ أليس معنى هذا أن الإعانة [أى ميزانية الوزارة للمسرح] ستكون قاصرة على أفراد دون آخرين؟! فبينما ينعم أفراد الفرقة الحكومية بالمرتبات الضخمة المضمونة، يتضور زملاؤهم جوعًا لا لذنب جنوه سوى أن الفن الذى خدموه سنين طوالًا لم ينعم عليهم بلقب النبوغ! وقد تكون هذه عدالة، وقد يكون من الواجب أن تتبع الحكومة فى معاونتها طريق الكفاءة لا طريق التضحية! ولكن كيف تستطيع الاهتداء إلى الأكفاء وكيف تستطيع التمييز بينهم؟ هل تعتمد على الشهرة فى ذلك؟ ونحن نعلم أن عندنا أفرادًا كثيرين لا يستحقون الاسم الذى يحملونه، وليست هى كفاءتهم التى رفعتهم إنما هم يدينون بشهرتهم للظروف والغايات. أو تعتمد على المباراة [أى المسابقات التمثيلية كما حدث فى مسابقة عام 1925] وقد تبين للجميع عدم فائدتها واعترف الممثلون أنفسهم بذلك. وهناك مديرو الفرق أنفسهم، هل من العدالة أن نساويهم ببعض وفيهم من ضحى فى سبيل الفن ومن ضحى بالفن فى سبيل نفسه؟ ثم ماذا يكون موقف الممثل فى الفرقة الحكومية فيها لو حدث - وكثيرًا ما يحدث - ما يضطره للخروج أو الانفصال عن الفرقة؟ وإلى أية فرقة يلجأ؟ وكيف يعيش؟ وماذا يعمل؟ نحن لا ندرى غرض الحكومة من هذه المعاونة بالضبط؟! هل غرضها هو معاونة الأفراد القائمين بأمر الفن عندنا. أو معاونة التمثيل لذاته والعمل على رفعته ورقيه بصرف النظر عن الأفراد؟ أما إذا كان غرض الحكومة هو الغرض الأول فقد وضحنا استحالة تحقيقه على ما يرضى العدل والإنصاف. وأما إذا كان غرضها هو الغرض الثانى فإنا نعتقد أن فكرة تكوين فرقة حكومية لا تقوم بهذا الغرض وليست هى من مصلحة الفن فى شىء.بناءً على ذلك لم تتشكل «الفرقة الحكومية»، وظلت الفرق المسرحية العاملة تعمل كما كانت تعمل فى السابق، وقُبرت الفكرة لمدة سنتين، حتى عاد «زكى طليمات» من بعثته فى فرنسا، فتجدد الأمل فى ظهور الفرقة الحكومية بعودته! وقد أشارت إلى ذلك مجلة «العروسة» فى بداية سنة 1930، قائلة تحت عنوان «الفرقة الحكومية»: «علمنا من ثقة أن وزارة المعارف تفكر الآن تفكيرًا جديًا فى تأليف «فرقة حكومية» يعمل على رأسها الأستاذ «زكى طليمات»، حتى تستطيع الأمة أن تستفيد من خبرته وعلمه، ويتم الغرض الذى أرسل إلى أوربا من أجله. ونحن نرجو لهذا المشروع التنفيذ العاجل حتى نرى الأستاذ زكى طليمات يعود ثانية إلى المسرح الذى اشتد شوقه إليه بعد هذا الهجر الطويل». وأعاد المناشدة «إبراهيم المصرى» فى منتصف عام 1930 بكلمة نشرها فى جريدة «البلاغ الأسبوعي»، قائلًا: «لماذا لا تشرع الحكومة فى تكوين فرقة وطنية من مجموع هؤلاء الممثلين البارزين، وتسند زعامة هذه الفرقة إلى الشاب النابغة الأستاذ «زكى طليمات» خريج مسرح الأوديون؟ إن الأستاذ طليمات يمكنه أن يشرف على شؤون هذه الفرقة، ويخرج رواياتها، ويدربها، ثم يقوم فى الوقت نفسه بإعطاء دروسه الخاصة فى المعهد التمثيلى. وهكذا فى ظرف سنة واحدة يصبح لنا «فرقة وطنية» عاملة نستطيع أن نلقحها على التوالى بطلبة المعهد وبشباب البعثات الوافدين إلينا من أوروبا. تلك هى الطريقة العملية السريعة التى تحقق النهضة المسرحية المبتغاة.إشارة «إبراهيم المصرى» إلى «معهد فن التمثيل» - الذى يتم تجهيزه للافتتاح بإدارة «زكى طليمات»، كونه المكان المناسب لتخريج الممثلين المناسبين لإنشاء «الفرقة الحكومية» وضمان استمرارها - كانت إشارة تلقفها ناقد جريدة «الوادي» ليكتب مقالة، فند فيها أسباب استحالة تكوين «الفرقة الحكومية» من خلال هذا المعهد - قبل افتتاحه بأيام - قائلًا فى سبتمبر 1930:«هبوا أن المعهد التمثيلى الذى قررت وزارة المعارف العمومية إنشاءه، وأن يفتح أبوابه فى اليوم الرابع من شهر أكتوبر المقبل، قد امتلأ بالعدد الكبير من المتزاحمين عليه، والوافدين إليه! وهبوا أن المشروع وافقت عليه الأمة وأقبلت عليه، ولا تجد فى قيامه ما يناقض تقاليدها وعاداتها، أو يتعارض مع أحكام دينها الحنيف! وهبوا أن أولياء أمور الطالبات وآبائهن نسوا أنهم شرقيون مسلمون ومسيحيون، وأن عليهم أن يحولوا بين أن تختلط فتياتهم بالشبان، وقبلوا أن تظهر هذه الفتيات على المسرح بثياب التمثيل؟ مهما كانت الأدوار التى يعهد إليهن بها بالغة أقصى حدود الرقاعة والمجانة وعدم الحياء! وهبوا أن حائز البكالوريا أدخل فى روعه أنه سيكون فى عمله الجديد على المسرح كما يكون القاضى على منصة القضاء؛ أو المحامى فى موقف الدفاع أو الطبيب إلى جوار المشرحة أو المهندس على جسور النيل، وأن سيكون له من الكرامة والمستوى ما لهؤلاء سواء بسواء. وهبوا أيضًا أن وزارة المعارف وفقت لاختيار أساتذة للتدريس لا يحلم الكوميدى فرانسيز بمثلهم. هبوا كل ذلك صحيحًا فما نريد أن نفرض سواه فى مجال الجدل والمناقشة ما دام أن المشروع لم يبدأ بتنفيذه بعد، وما دام لا يزال موضعًا للشك والريبة أن تقبل الأمة عليه أو تظاهره أو تؤيده. لكن هل يجيبوننا متى تؤلف إذن «الفرقة الحكومية» التى قلتم إنها ستكون المثل الأعلى للفرق التمثيلية الناهضة! وأن المصريين سيرون فيها أعاجيب الفن الحديث منظمة من غير فوضى أو اضطراب؟ إن مدة الدراسة فى هذا المعهد عامان، كما قالت وزارة المعارف فى بيانها الأخير، إذا جد الطالب فى التحصيل، وأقبل على استظهار دروسه وحفظها وعنى كل العناية أن لا تفوته صغيرة أو كبيرة من المحاضرات التى يلقيها الأستاذ عليه أو عرضها. ثم هو بعد انتهاء هذين العامين سيتقدم للامتحان النهائى، ولنسلم مع دعاة المشروع مؤقتًا أن العدد الذى سيتقدم لهذا المعهد هذا العام سيكفى لتكوين فرقة كاملة العدد من النساء والرجال، تستطيع إخراج الروايات على المسرح وتمثيلها، ولنسلم أن هذا العدد جميعه لم يمرض منه أحد، واستطعنا أن نحفظ لأفراده جميعًا حياتهم، ولنفرض أيضًا أن هذا العدد جميعه جد فى الدرس والتحصيل فلم يخفق فى الامتحان عامًا واحدًا، واستطاع أن يتخطى سنتى الدراسة ويفوز بإجازة المعهد النهائية بتفوق. ولنفرض أن ميزانية الدولة اتسعت لإرسال هذا العدد الكبير إلى فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا أو غيرها من الممالك التى أخذتم مبادئ فن التمثيل عليها، وأن الكونسرفتوار الذى تختارونه قد قبل جميع أعضاء هذه الفرقة التى سترسلون بها إليه فى شكل بعثة فنية. ولنسلم معكم أن جميع أفراد هذه الفرقة قد قضوا الأعوام الثلاثة التى يجب أن تقضى فى التدريس فى الخارج، كما قضوا عامى التدريس فى مصر بكل جد ونشاط وثبات، وأنهم جميعًا تمكنوا من أن ينالوا دكتوراه فن التمثيل من المعاهد الأوروبية. هؤلاء كما أدعيتم هم الأساس الذى ستقوم عليه الفرقة الحكومية، وتنهض على أكتافهم الفرقة الرسمية. فلنسلم معكم أن كل ما فرضناه صحيح مع استحالة تحقيق هذه الفروض المتعاقبة، من غير أن تصادف القائمين بالأمر عقبة ما. فكم من الزمن يمر بين 3 أكتوبر عام 1930 وبين انتهاء أعضاء هذه الفرقة من الدراسة؟ خمسة أعوام على الأقل، أى لا يمكن أن تكون لدنيا الفرقة المنتظرة إلا بعد عام 1936. هذا مع ملاحظة أن المعهد التمثيلى هذا العام سيستغرق من غير شك مبلغ الخمسة آلاف من الجنيهات التى رصدت فى ميزانية وزارة المعارف لتشجيع التمثيل ما بين أجرة المعهد وثمن أدواته ومرتبات أساتذته، ومكافآت طلبته، وأن مثل هذا المبلغ سوف لا يكفى لهذا المشروع فى عامه الأول؛ إذ سيتضاعف عدد الطلبة، وتزداد فصول السنة ويزداد تبعًا لذلك عدد الأساتذة وتتضاعف التكاليف، ويصبح على وزارة المعارف أن تنفق على المعهد فقط فى العام المقبل عشرة آلاف من الجنيهات على الأقل، حتى إذا هلّ العام الثالث وجاء دور إرسال البعثات كان على الوزارة أن ترفع هذا المبلغ إلى عشرين ألفًا على الأقل، ينفق نصفه على أفراد البعثة - ولا يُمكن أن يكفى - وينفق الباقى على المعهد فى مصر. وفى العام الرابع يتضاعف عدد أفراد البعثة، فيكون مقدار ما يتحتم على وزارة المعارف أن تنفقه إذ ذاك مبلغ أربعين ألفًا من الجنيهات كل عام على المعهد التمثيلى القائم فى القاهرة وعلى أفراد البعثة من خريجيه، هذا إذا وقف التدريس فى المعهد عند حد. وهذا غير صحيح أو معقول إذ إن كل معهد من المعاهد لا بد أن يتدرج فى التقدم والارتقاء عامًا بعد عام، ولا بد أن تزداد تبعًا لذلك نفقاته. ثم هناك موضوع آخر يجب أن يكون موضع عناية القائمين بالمشروع، هو أنه بعد ستة أعوام ستكون لدينا الفرقة الحكومية المنتظرة إذا صحت الأحلام، ولا يمكن أن يقل أفراد هذه الفرقة عن ثلاثين ممثلًا وممثلة حائزين من شهادة عليا ودكتوراه من الخارج. ولا يمكن أن يقل مرتب الواحد منهم عن عشرين حنيهًا فى الشهر الواحد أى 240 حينهًا فى العام، فيكون مجموع مرتبات الممثلين والممثلات فى الفرقة 7200 من الجنيهات عدا النفقات الأخرى من أجرة التياترو والنور وأثمان المناظر والملابس وأدوات المكياج وأثمان الروايات المؤلفة ونفقات التعريب، ولا يمكن أن تقل هذه النفقات عن 12000 من الجنيهات فى العام، إذا أضفت إليها الأربعين ألفًا التى يجب أن تنفق فى التعليم، يكون مجموع المصاريف اثنين وخمسين ألفًا من الجنيهات، تدفع من ميزانية الدولة كل عام. فهل يعرف القارئ ما هو الجزاء الذى ستلقاه الأمة بعد دفع هذا المبلغ الضخم من ميزانيتها سنويًا؟ فرقة مبتدئة غير مدربة، لم يتمرن أفرادها على الوقوف على خشبة المسرح ولا تزال بعد فى دور التكوين. وهناك تضحية أخرى أدبية لا تقل عن هذه التضحية المادية الهائلة، هى أن الفرق القائمة الآن، لا يمكن أن تمر بها تلك الأعوام الست، وهى مستمرة فى أداء واجبها، قائمة بجهادها العنيف، بعد أن تكون الحكومة قد غلت يدها عنها، حتى تكفى نفقات معهدها. إذن فنتيجة المعهد التمثيلى - إذا نجحت فكرته - إلقاء عشرات الآلاف من الجنيهات فى سبيل تجربة فاشلة، والقضاء على جهود التمثيل فى مصر ربع قرن من الزمان، ويصح إذن ما تخوف منه أصحاب الفرق التمثيلية، وحاول الأستاذان جورج أبيض وزكى طليمات فيما تحادثا به إلينا أن يدفعاه عن الأذهان! ويا ليت الفرقة التى ستعلو خشبة المسرح بعد ذلك تعزينا قليلًا فى بذل هذه التضحية بل ستكون فرقة بالرغم من أنها حديثة مبتدئة، متعثرة فى عملها بين الروح المصرية، وبين النظريات والمبادئ الأجنبية التى ازدحمت بها رءوس أفرادها. هذه هى الحقيقة التى نصارح بها ولاة الأمور، ونحن بعيدون عن هذا المعهد، لا مصلحة لنا فى قيامه أو عدم قيامه! فإذا كانوا برغم تقديرهم لهذه النتائج السيئة يستمرون فى تنفيذ هذا الباطل، فعليهم بعد ذلك أن يتحملوا مسئولية هذا العمل أمام الأمة، وإذا عادوا إلى الصواب فلم يكن المعهد معشوقهم الذين يتلمسون رضاءه، وعاونوا التمثيل من طرقه المنتجة، كان هذا ما تنتظره الأمة منهم وترتقبه.لم يرد على هذا الكلام «زكى طليمات» وانتظر حتى يرد عمليًا بعد افتتاح «معهد فن التمثيل» ويجنى ثماره فى تشكيل «الفرقة الحكومية»! وبالفعل تم افتتاح المعهد وانتظمت الدراسة، وأصبح «زكى طليمات» رجل المسرح الأول فى مصر بعد افتتاح المعهد وإدارته له باقتدار، فزاد طموحه فكتب «تقريره الشهير» عن «فن التمثيل وخطة إصلاحه»، الذى قدمه إلى لجنة سياسة التعليم العام بوزارة المعارف فى الرابع من مارس 1931. وهذا التقرير نشرته كاملًا بتحليل مسهب لكل ما جاء فيه فى خمس مقالات متتالية بجريدة «مسرحنا» من العدد 546 إلى 550 فى فبراير ومارس 2018، ولا داعى لإعادة نشره كاملًا، ولكننى سأعيد فقط ما كتبه «زكى طليمات» بشأن إنشاء «فرقة التمثيل الحكومية»، لأن ما كتبه يُعد أبلغ رد من طليمات على ما جاء فى جريدة «الوادى»!