ما الدراماتورجية؟ رحلة بين النص والعرض

 ما الدراماتورجية؟  رحلة بين النص والعرض

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

يتساءل كثير من الناس عن معنى الدراماتورجية: ما هي بالضبط؟ من أين نشأت؟ وكيف يمكن توظيفها أو تطبيقها في المسرح؟ وما مراحل تطورها عبر الزمن؟ هذه التساؤلات تقودنا في رحلة شيقة لاستكشاف دور الدراماتورج، ذلك الشخص الذي يجمع بين الفهم العميق للنص المسرحي والقدرة على توجيه العرض ليصل إلى المتفرج بطريقة مؤثرة، فيكشف هذا الكتاب أمامنا تاريخ هذا الدور، أهميته، وكيف أصبح عنصرًا أساسيًا في صناعة المسرح الحديث.
كتاب “ما الدراماتورجية؟”، بتحرير “بيرت كاردولو” وترجمة “محمد رفعت يونس”، يعد مرجعًا مهمًا لفهم دور الدراماتورج في المسرح. على مدار 222 صفحة، يستعرض الكتاب تاريخ الدراماتورجية ونظريتها وتطبيقاتها العملية، موثقًا تجارب أوروبية وأمريكية قديمة ومعاصرة. لا يقتصر الكتاب على تعريف المفهوم، بل يفتح نقاشًا حول كيفية إعادة تعريف الدراماتورجية في المسرح العربي، معتبرًا إياها جزءًا أساسيًا من العملية الإبداعية. يجمع النص بين التحليل الأكاديمي والمقابلات والتوثيق، ليُظهر كيف يساهم الدراماتورج في كل عناصر العرض المسرحي، من النص إلى الإخراج والتصميم والجمهور. صدور الكتاب ضمن مطبوعة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي – الدورة 32 لعام 2025 يجعله مرجعًا قيمًا لأي مهتم بالمسرح العربي والعالمي.
يبدأ الكتاب بمقدمة المترجم ثم مقدمة المحرر. تتفق المقدمتان على أن الدراماتورجية مفهوم إشكالي وملتبس في الممارسة المسرحية، لا سيما في السياق العربي، بسبب غياب التأصيل النظري والخلط بين وظائفها ووظائف الإخراج أو الكتابة. تؤكد مقدمة المترجم أهمية الكتاب بوصفه مدخلًا تأسيسيًا لإعادة تعريف وتوطين الدراماتورجية عربيًا، باعتبارها ضرورة فكرية وجمالية يفرضها تعقيد العرض المسرحي الحديث وتحولاته، لا مجرد وظيفة ثانوية أو تقنية. أما مقدمة المحرر فتركز على الجدل التاريخي والمهني حول هوية الدراماتورج ودوره المتغير، موثقة نشأة المهنة وتطورها عبر تجارب أوروبية وأمريكية، خاصة منذ «الانفجار الدراماتورجي» في السبعينيات. وتخلص المقدمتان معًا إلى أن الكتاب يفتح نقاشًا نقديًا واسعًا حول الدراماتورجية بوصفها مجالًا مستقلًا، متعدد الأبعاد، يسهم في إنتاج المعنى المسرحي وإعادة التفكير في علاقة النص بالعرض والسياق الثقافي.

يأتي الفصل الأول بعنوان «ما الدراماتورجية؟» ويقدم تصورًا شاملًا للدراماتورجية بوصفها ممارسة مسرحية تجمع بين الفكر والتطبيق، وتسعى إلى دمج النص، والسياق، والرؤية الإخراجية في كيان عضوي واحد داخل العرض المسرحي. فالدراماتورج ليس كاتبًا أو ناقدًا فحسب، بل شريك فاعل في صناعة العرض، يشارك في اختيار النصوص، دراستها، إعدادها، مرافقة البروفات، وتثقيف الجمهور. ويعود المفهوم الحديث للدراماتورجية إلى عصر التنوير الألماني مع لسنج، ثم تطوّر في المسرح الأوروبي، خاصة مع بريشت، بوصفه ممارسة نقدية وسياسية داخل الإنتاج المسرحي.
يبرز الفصل دور الدراماتورج كوسيط خلاق بين الكاتب والمخرج، يوازن بين سلطة النص وحرية الرؤية الإخراجية، ويحمي العرض من هيمنة أحد الطرفين أو من الجمود.
ويعمّق ليون كاتز هذا التصور عبر نموذج “الدراماتورج الشامل”، الذي يجمع بين البحث، والتحليل، والمشاركة العملية، والكتابة المصاحبة، مع الالتزام بأخلاقيات العمل وفهم البنية المؤسسية للمسرح.
أما ديفيد كوبلين فيفنّد خرافات شائعة حول الدراماتورجية، مؤكدًا أنها ليست تهديدًا للكاتب أو المخرج، بل ضرورة إبداعية متنامية. ويخلص النص إلى أن الدراماتورجية شرط أساسي لمسرح حيّ، متماسك، وقادر على التعبير عن قضايا عصره.

يتناول الفصل الثاني بعنوان «الدراماتورجية في ألمانيا» نشأة الدراماتورجية وتطورها بوصفها مهنة محورية في المسرح الأوروبي، بدءًا من تجربة غوتولد إفرايم لسنج في هامبورج عام 1767، حيث أسس عبر «الدراماتورجية الهامبورجية» دور الدراماتورج بوصفه ناقدًا ومفكرًا ومستشارًا للمسرح، لا مروجًا تجاريًا. ربط لسنج المسرح بالتربية الأخلاقية والجمالية، وانتقد غرور الممثلين وذائقة الجمهور، داعيًا إلى احترام النصوص الكبرى، خصوصًا شكسبير، وإلى مسرح وطني مستقل عن الهيمنة الفرنسية.
تطورت المهنة في ألمانيا والنمسا، وأصبحت مرتبطة بنظام الريبرتوار والفرق الدائمة، كما يوضح مارتن إسلين، حيث يتولى الدراماتورج مهام اختيار النصوص، مرافقة الإنتاج، إعداد الكتيبات، والتأثير في السياسة الفنية للمسرح، مدعومًا بتكوين أكاديمي متين، رغم ما يواجهه النظام من خطر البيروقراطية.
ويُبرز الفصل نماذج تطبيقية حديثة مثل هيرمان بيل في شتوتجارت، الذي يؤكد الدراماتورجية كعمل جماعي حيّ ومرن، متفاعل مع النص والجمهور والواقع.
ويبلغ الدور ذروته مع برتولت بريشت، الذي دمج الدراماتورج في قلب العملية الإنتاجية، وجعل المسرح أداة تغيير اجتماعي، مؤسسًا نموذجًا ملهمًا للدراماتورج بوصفه فنانًا شاملًا وشريكًا خلاقًا في صناعة المسرح الحديث.
أما الفصل الثالث بعنوان «الدراماتورجية في أمريكا» فيتناول الدراماتورجية في المسرح الأمريكي بوصفها ممارسة إشكالية خضعت لإعادة تقييم نقدية، نتيجة اختلاف السياق التاريخي والمؤسسي عن النموذج الأوروبي. يميّز الفصل بين الناقد الخارجي والدراماتورج الداخلي المنخرط في الإنتاج، الذي تتمثل مهمته الأساسية في طرح الأسئلة الجوهرية حول معنى العرض وضرورته وعلاقته بالجمهور.
تاريخيًا، ظهر النقاش حول الدراماتورجية في أمريكا منذ الستينيات، لكنه واجه مقاومة من المخرجين وهيمنة النظام التجاري، ما جعل الدور غير مستقر ومحدود الصلاحيات. ورغم اعتراف المسارح غير الربحية والجامعية ببعض مهامه (اختيار النصوص، البحث، مرافقة البروفات)، ظل الدور غامضًا ومهددًا بسبب ضعف التدريب، وضغوط التمويل، وتداخل المسؤوليات الإدارية.
يبرز الفصل أهمية المسرح الجامعي بوصفه مجالًا حيويًا لممارسة الدراماتورجية، حيث يضيف الدراماتورج قيمة تعليمية وفنية، ويسهم في تطوير النصوص والطلاب مع الحفاظ على سلطة المخرج. كما يعرض نماذج تطبيقية من مسارح أمريكية كبرى (جوثري، ييل، مارك تايبر)، تؤكد الدراماتورج بوصفه “مثقفًا مقيمًا” وشريكًا إبداعيًا.
ويخلص الفصل إلى أن تراجع مكانة الدراماتورج في أمريكا يعود لأسباب اقتصادية ومؤسسية وثقافية، لكنه يظل ضرورة فكرية وفنية لإضفاء المعنى، والدفاع عن النص، وإبقاء المسرح فعلًا نقديًا حيًا.
 
أمل الفصل الرابع فعنوانه “الدراماتورجية في إنجلترا” ويتناولها من خلال تجربة كينيث تاينان بوصفها عودة للناقد من التعليق الخارجي إلى الفعل المسرحي المباشر. يوضح الفصل تحوّل تاينان من ناقد يدافع عن التمثيل البطولي إلى مفكر مسرحي يسعى لدراما اجتماعية متماسكة، ثم إدراكه أن النقد المكتوب لم يعد يعبّر عن استجابته الحقيقية، ما دفعه إلى الانتقال للعمل داخل المؤسسة المسرحية.
بوصفه مديرًا أدبيًا في المسرح القومي البريطاني، شكّل تاينان مع لورانس أوليفييه ثنائيًا تكامليًا جمع بين الخبرة العملية والرؤية النظرية، دون صراع على السلطة. يبرز الفصل تعقيدات إدارة الريبرتوار، من اختيار الأعمال بين الجودة الفنية والتنفيذ العملي، إلى التخطيط لتوزيع الأدوار، البروفات، واستمرارية العروض في ظل غياب مفهوم الفرقة الدائمة بسبب تأثير السينما والتلفزيون.
كما يناقش صعوبة جذب الكتّاب الشباب إلى المسرح، والتوازن بين التجريب والنجاح الجماهيري، مع رفض فرض هوية مسبقة للمسرح الوطني حفاظًا على التنوع والانفتاح.
وتكمل مقابلة جون راسل براون الصورة، مبيّنة خصوصية الدراماتورج البريطاني بوصفه مديرًا أدبيًا يركّز على النصوص والسياسة الثقافية أكثر من التدخل الإخراجي، مع إبراز التحديات المالية وأهمية المسرح الوطني كركيزة ثقافية وتعليمية مستدامة.
وبعد ذلك يتناول الفصل الخامس بالعنوان “الدراماتورجية في أوروبا الشرقية” من خلال نماذج فكرية وتطبيقية متشابكة بين النظرية، التجربة الحياتية، والعمل المسرحي المباشر. يركّز الفصل على يان كوت بوصفه مفكرًا مسرحيًا أثّر في مخرجين كبار مثل بيتر بروك وجورجيو ستريلر عبر مقالاته وقراءاته التأويلية، لا من خلال دور رسمي كدراماتورج. قدّم بروك مسرحًا بصريًا متحوّلًا، بينما حافظ ستريلر على طابع طقوسي منضبط يتعامل بدقة مع النص والممثل، وقد استفاد الاثنان من أفكار كوت دون تبعية مباشرة له.
تُبرز تجارب كوت في فيينا وبولندا كيف أسهمت الحرب والسياسة في تشكيل وعيه الدرامي وربطه الدائم بين النص والواقع الإنساني. كما يناقش الفصل توجه غروتوفسكي نحو المسرح الطقوسي وما قبل المسرحي، باعتباره بحثًا روحيًا يتجاوز النص.
ينتقل هذا  الفصل إلى يوغوسلافيا، حيث يتحدد دور الدراماتورج كحلقة وصل بين النص، الريبرتوار، والممارسة المسرحية، مع أهمية الثقافة الواسعة واللغات. ويقدّم مثالًا تطبيقيًا موسّعًا عبر عرض «السيد ومارغريتا» في مسرح تاغانكا، مبرزًا الدور المحوري للدراماتورج في الإعداد، البحث، التصميم، والبرامج المسرحية، بوصفه عنصرًا إبداعيًا وأخلاقيًا فاعلًا في مواجهة الرقابة والواقع السياسي.
القراءة النقدية للكتاب
المنهج: يتبع الكتاب المنهج الوصفي التحليلي بشكل أساسي، حيث يعرض الدور الوظيفي للدراماتورج ثم ينتقل لتوضيح كيفية تطبيقه عمليًا من خلال دراسات حالة (مثل مسرحية «السيد ومارغريتا»).
يعتمد المنهج على الربط بين النظرية والتطبيق، إذ لا يقتصر على التعريف بالمفهوم فقط، بل يقدّم أمثلة فعلية لإعداد النص المسرحي، والتعاون مع المخرجين والممثلين، والمراجعات الأكاديمية، واستشارات الخبراء.
يحتوي المنهج على مزيج من البحث التاريخي، التحليل الأدبي، والدراسة العملية، ويجمع بين المراجع الكلاسيكية والحديثة، والمصادر المحلية والدولية، مما يمنحه عمقًا وموثوقية أكاديمية.
التناول: التناول شامل ومفصل للغاية، يغطي جميع أبعاد عمل الدراماتورج من الأدب والتاريخ إلى الموسيقى والديكور والأزياء، وصولاً إلى الترويج والإعلانات.
الكتاب مقسم إلى فصول متسلسلة، كل فصل يركز على جانب محدد: التعريف بالدور، إعداد النص، البرامج المسرحية، التعاون مع المخرج، وتحديات المستقبل.
يتميز التناول بـ دراسة حالة موسعة (السيد ومارغريتا) توضح كل خطوة من مراحل الإعداد، مع تفاصيل دقيقة عن البحث، المراجع، التدريب، والتطبيق المسرحي.
يضم الكتاب نقلًا دقيقًا للممارسات المسرحية في مسرح تاغانكا ومسرح يوغوسلافيا، مما يعطي القارئ رؤية مباشرة للتقنيات الحديثة للدمج بين النص المكتوب والعرض المسرحي.
الشكل: أسلوب الكتاب كثيف وموسوعي، يميل إلى السرد التفصيلي، مع توثيق دقيق للمراجع والمصادر.
هناك تنوع في مستوى التفاصيل: بعض الأجزاء تقنية وعلمية، مثل وصف المصادر التاريخية والأدبية، بينما الأجزاء الأخرى تطبيقية ووصفية، مثل الإعداد المسرحي والتعاون بين الطاقم.
يحتوي على جداول، قوائم، أمثلة، وبيانات مفصلة، خصوصًا في عرض مشاريع المسرح وكتالوجات البرامج المسرحية.
الشكل العام يجعل الكتاب مرجعًا أكاديميًا عمليًا، لكنه قد يكون صعب القراءة على غير المتخصصين بسبب كثافة المعلومات وطول الوصف.
التقييم النقدي:
القوة: الكتاب يقدم نموذجًا متكاملًا لفهم الدراماتورجية ويجمع بين النظرية والممارسة، مع أمثلة واقعية من مسرح عالمي. كما يوضح تطور الدور الفني والوظيفي للدراماتورج عبر الزمان والمكان.
الضعف: التركيز المكثف على تجارب معينة (تاغانكا، يوغوسلافيا) قد يقلل من الشمولية العالمية للمنهج. كثافة التفاصيل والأسلوب الموسوعي تجعل القراءة أبطأ، وقد تتطلب إعادة قراءة لفهم كل الفكرة.
الخلاصة نجد أن الكتاب يمثل مرجعًا علميًا وعمليًا قيمًا، يجمع بين البحث الأكاديمي، الخبرة المسرحية، والابتكار الفني، مع ضرورة قدرة القارئ على التركيز على الفكرة الأساسية وسط التفاصيل الكثيرة.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏