التاريخ المجهول لمسارح روض الفرج (15) بقايا فرقة عكاشة

التاريخ المجهول لمسارح روض الفرج (15)   بقايا فرقة عكاشة

العدد 806 صدر بتاريخ 6فبراير2023

ليس كل المهمشين في روض الفرج من غير المشهورين أمثال رتيبة أحمد، ومحمد إدريس، وغيرهما ممن عملوا في مقاهي ليلاس أو كازينو ميرامار كما تحدثنا في المقالة السابقة!! بل هناك أعلام من المهمشين وكانت لهم أعمال مسرحية كبيرة!! ووضعهم ضمن المهمشين كان طبيعياً، لأن غير الطبيعي أن نجد عروضاً لفرقة عكاشة تُعرض في روض الفرج، وغير الطبيعي أيضاً أن نجد بعض ممثلي ومخرجي فرقة عكاشة يمثلون ويخرجون في مسارح كازينوهات روض الفرج، لذلك وضعتهم ضمن المهمشين بسبب وضعهم غير الطبيعي!!
بشارة واكيم
في صيف 1927 بدأ الضعف يدب في جسد فرقة أولاد عكاشة، لذلك بدأ كل فنان فيها يفكر في حل له لتستمر الحياة! هذا الأمر أشارت إليه مجلة «المسرح» في مايو قائلة تحت عنوان «في روض الفرج»: لما ملأت الجو إشاعة قُرب انحلال فرقة الأزبكية [أي فرقة أولاد عكاشة]، بدأ كل الممثلين فيها يفكرون في البحث عن عمل لهم، وكان أسبقهم بشارة أفندي واكيم، فقد اتفق نهائياً مع أصحاب كازينو مونت كارلو في روض الفرج على أن يشتغل هناك مدة الصيف. وسيخصص بشارة نفسه لإخراج شخصية «جحا» في روايات مختلفة وضعها خصيصاً لذلك. وهذا مجهود كبير يقوم به بشارة فنتمنى له النجاح التام في عمله هذا.
وبعد أيام تحقق هذا الأمر، وأعلنت مجلة «ألف صنف» عن الافتتاح، قائلة: افتتح الأستاذ بشارة واكيم العمل في تياترو مونت كارلو بروض الفرج مساء الخميس 5 مايو، وقد لاقاه الجمهور بالإقبال الشديد حتى لم يكن هناك موضع خال. وأبدعت فرقته في التمثيل إبداعاً لم يسبق له مثيل هناك إلا أيام اشتغال الأستاذ الكسار. والآن فقد أصبح في روض الفرج مسرح راق تطمئن الطبقة الراقية إلى مشاهدة التمثيل فيه بعيدة عن ضوضاء المفاسد التي تملأ أنحاء الروض.
أما مجلة «الفنون» فقالت: بدأت هذه الفرقة التمثيل في روض الفرج برواية «أحب أفهم»، التي كان بشارة قد قدمها لتياترو الحديقة هذا الموسم، ولاقت نجاحاً، لكنه طبعها بطابع آخر وغيّر اسمها إلى الشخصية التي ارتضاها لنفسه وهي شخصية «جحا»، وقد لقيت هذه الرواية إقبالاً شديداً ونجحت نجاحاً باهراً. وبالرغم من أن دخول مسارح روض الفرج كلها بالطلب فقط، وتياترو بشارة بتذاكر، فإن الناس تزدحم على بابه كل ليلة. وسيمثل بعد هذه الرواية رواية «أهو كده»، وهي بعينها رواية «الحب بالعافية» التي عرّبها «سيد والي»، ومثلتها فرقة فكتوريا موسى ونجحت نجاحاً عظيماً.
ومن الواضح أن عروض فرقة بشارة كانت ناجحة، بدليل تواصل إعلانات الصحف لعروضها، دون أن نجد أي هجوم مثلما كان يوجه إلى الفرق الأخرى!! حتى مجلة «ألف صنف» كانت لغتها مختلفة، حيث قالت: «تمثل هذا الأسبوع فرقة الأستاذ بشارة واكيم في تياترو مونت كارلو رواية «معروف الإسكافي»، وقد قام هو بدور معروف، ومثلت الآنسة «عايدة حسن» دور فطومة، فأبدعت في تمثيله كل الإبداع. وقامت «دولي» بدور ابنة معروف. وأحسن كل الممثلين والممثلات أدوارهم. وقد غيّر بشارة أفندي اسم هذه الرواية فسماها «جحا وفطومة»، وسيمثل في الأسبوع المقبل رواية «شهرزاد». هذا ومما يذكر بالشكر للأستاذ «زكي عكاشة» أن بعضهم حرضه على مصادرته هذه الروايات التي يمثلها بغير حق بشارة أفندي في روض الفرج، ولكنه رفض وقال بأنه لو استطاع أن يمدهم بالملابس والمناظر وغيرها من المساعدات الأخرى لعمل عن طيب خاطر، هذا وهداه الله ووفقه إلى ما فيه الخير». وهذه الموافقة ربما شجعت الفرقة على التمادي في الأمر، وقد أشارت مجلة «الفنون» إلى ذلك، قائلة: «توالي فرقة بشارة واكيم التمثيل كل ليلة بروض الفرج، وتخرج كل أسبوع رواية جديدة من اللواتي سبق لفرقة الأزبكية أن مثلتها، ولكنها تظهر بشكل جديد وهو شكل «جحا» الذي اتخذه لنفسه بشارة شعاراً».
ومما يؤكد أن الفرقة كانت ناجحة، ما نشرته مجلة «الفنون» - وكانت آخر ما نشرته حول فرقة بشارة – قائلة: «يكاد يجمع رواد روض الفرج - وما أكثرهم - على أن فرقة الممثل المحبوب بشارة واكيم قد كسبت هذا المصيف، وأن بشارة يخرج كل أسبوع رواية جديدة، وآخر ما أخرج هذا الأسبوع رواية «شهوزاد» بشكل جديد وروح جديدة». وقد «اتفق بشارة واكيم مع الشيخ يونس القاضي المؤلف المعروف على أن تكون الروايات التي تمثل على مسرح مونت كارلو بروض الفرج من تأليف الشيخ يونس، والمناظر والستائر من أمين صدقي، وهكذا تم لبشارة كل ما يرجوه من استعداد، وأصبحت فرقته من الفرق المعدودة، وقد مثل هذا الأسبوع رواية «حاجب الظرف»».

عبد العزيز خليل
المخرج القدير «عبد العزيز خليل» الذي أخرج روائع فرقة أولاد عكاشة، فعل مثلما فعل بشارة واكيم، وأراد تكوين فرقة للعمل بها في روض الفرج! فاستغلت مجلة «الستار» هذا الأمر للنيل من الفرق الموجودة أصلاً في روض الفرج، وهي فرقة فوزي منيب، وفرقة يوسف عز الدين، ونشرت كلمة كلها تهكم يصل إلى درجة السفالة والانحطاط وليس السب والقذف فقط!! فقد حوّرت المجلة الأسماء، واتهمت البعض بأمور لا يصح الاتهام بها .. إلخ هذا الأسلوب المتدني، والمهم نشره الآن – تاريخياً – لنقف على أسلوب الصحافة وتعاملها من مسارح روض الفرج ومسرح المهمشين فيه!! وأعتذر للمرة الثانية على الكلمات المنشورة!!
قالت المجلة في منتصف مايو 1928 تحت عنوان «الفرق الشيطاني»: «تخرج في كل صيف عدة فرق من النوع الشيطاني، تشتغل الصيف في الضواحي، ثم تتشتت بعده في القهاوي، ويصُوع أفرادها بين فوزي منيب «البربري الكداب»، وذلك «الدرفيل» التخين، الذي يسمونه عز الطين!! [يقصد يوسف عز الدين]. وتعمل هاتان الفرقتان الآن في روض الفرج المشهور بما فيه من بؤر، و«نقر» يعرفها كل الناس ما عدا رجال البوليس، لأن نوع «الششم» الذي يضعوه في أعينهم لا يزال من الصنف الرديء!! وقد اختصت هذه الفرق، في سرقة روايات الغير، وتمثيلها بشكل مشوه قبيح، وتقليد يمسخها ويذهب بما فيها من طلاوة وحلاوة!! تصور مثلاً أن ذلك «السنكوح» المُسمى فوزي منيب يقلد بربري مصر الوحيد علي الكسار، وأن «الدغف» ذي الكرش الكروي [يقصد يوسف عز الدين] يقلد نجيب بك الريحاني! ومن المخجل أنه في مثل ذلك الجو، تتكون فرقة راقية نوعاً لتنافس هاتين الفرقتين الخاملتين. هذه الفرقة ألفها الأستاذ «عبد العزيز خليل»، لتشتغل في كازينو مونت كارلو، ومعظم أفرادها من الهواة المعروفين! ولكن عقدة العقد التي لا يمكن حلها، هو «نحس» الأستاذ الورع الشيخ موريس القاضي [يقصد يونس القاضي]. فقد قيل إنه سوف يمونها برواياته التي يؤلف الواحدة منها في ثلاث ساعات وسبعة عشر دقيقة و56 ثانية بعد أن يستعطى، «فردة أباوة»، وحتة كبيرة من «أم الشراميط»، ويحبس بكرج شاي في قهوة «كتكوت» بسيدنا الحسين!! هذا هو المؤلف الذي استعان به عبد العزيز خليل، ونخشى أن يصدق فيهما المثل القائل: «جبتك يا عبد المعين تعيني، لقيتك يا عبد المعين وحلان»».
بعد أيام نشرت مجلة «ألف صنف» كلمة فهمنا منها أن الفرقة تكونت ومثلت بعض عروضها، جاء فيها: تألفت في روض الفرج فرقة للتمثيل جديدة عمادها الأستاذ عبد العزيز خليل، يساعده نخبة من خيار الممثلين من بينهم الأساتذة: محمد محمد، وحنا وهبة، وعبد الواحد عسر، ومحمد توفيق. ولا شك أن فرقة على رأسها هؤلاء جميعاً ستكون مضمونة النجاح. وقد بدأوا برواية «إمبراطور الأنس»، ثم تلتها برواية «عبد الستار أفندي». ونحن نرجو للفرقة الجديدة كل نجاح وفوز لتكون مثلاً للتمثيل الراقي في روض الفرج. وللأسف لم تستمر الفرقة طويلاً، فبعد أسابيع قليلة نشرت مجلة «الستار» خبراً، قالت فيه: «أفلست الفرقة التي كونها عبد العزيز أفندي خليل للتمثيل في روض الفرج بكازينو مونت كارلو، وانحلت الفرقة وتشتت أفرادها».

فرقة فوزي الجزايرلي
إذا تركنا عبد العزيز خليل سنجد أمامنا «فرقة فوزي الجزايرلي»، وربما نتعجب أن هذه الفرقة مثلت يوماً ما في روض الفرج! لأن المعروف أنها فرقة جوالة شهيرة، ولعلها جاءت روض الفرج في بعض الأوقات فقط، كما حدث في سبتمبر 1929، حيث وجدت تقارير رقابية خاصة بمسرحية «الليالي الملاح» أو «مملكة العفاريت» من تأليف فوزي الجزايرلي ولفرقته على مسرح مونت كارلو بروض الفرج كما جاء في الوثائق! وفي أحد التقارير وجدت ملخصاً للمسرحية جاء فيه: إن هذه المسرحية أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، وإلى أساطير وقصص ألف ليلة منها إلى أي شيء آخر. وقد اختار واضعها مدينة سمرقند لتكون مكان تمثيل أدوارها، وجعل من أبطالها شاه ومستشار للملكة اسمه أبو شعيب. ويكون للشاه ابنة اسمها بدر البدور يخطبها إلى الأمير شعيب وهو ابن كبير مستشاري الدولة ويزاحمه في موقفه هذا. وفي ليلة الدخلة رجل اسمه علاء يحاول التغلب على خصمه بالتعاويذ، ويلجأ إلى السحر واستخدام الجان إلى أن يتم له ما يريد. ويجد نواس شمعة ويوفق هو أيضاً إلى ما وفق إليه علاء ثم تقام لهما الأفراح والليالي الملاح.
ولكن الرقيب «حسن حسين» كتب تقريراً آخر - أبان فيه أمراً خطيراً – قائلاً: اسم الرواية كان مدوناً «مملكة العفاريت»، ثم شطبه المؤلف وكتب اسم «الليالي الملاح». وأن واضعها قد احتال على ما يظهر لي وحاول إخفاء ما يرمي إليه من غرض لا سيما في الفصلين الأول والثاني! فإذا قرأتهما وجدت الشاه يغضب المستشار الأكبر، وإذا امتدّ نظرك إلى أبعد من ذلك عرفت ما يقصده المؤلف، وهو أن يغضب جلالة الملك على كبير وزرائه فاحتال المؤلف ليخرج ويداري هذا بأن وضع لفظ شاه بدلاً من الملك. والشاه بدلاً من وزير! والرأي عندنا إما أن يحذف كل ما له علاقة بشاه ومستشار حتى تستقيم الرواية، ويصبح تمثيلها. وإما أن نمنع تمثيلها وهي على حالها هذه.
والحقيقة أنني لا أملك أي دليل على أن الجزايرلي قام بتنفيذ رغبة الرقيب، لأن المطلوب يعني هدم المسرحية، أو أن يقوم المؤلف الجزايرلي بتأليف مسرحية أخرى جديدة، وهذا التصرف هو الأقرب والأسهل من التعديل المطلوب! ومما يؤيد هذا الرأي – كون المسرحية لم تُمثل ولم تُعدل – وجود وثيقة أخرى مرفقة مع الوثائق الرقابية، تقول: إن المسرحية مُرخص بها من قبل لنجيب الريحاني وبديع خيري منذ عام 1923 وباسم الليالي الملاح!!
وفي صيف عام 1931 وجدت خبراً منشوراً في مجلة «الصباح» يُفيد أن فرقة فوزي الجزايرلي كانت تعمل في روض الفرج من قبل هذا التاريخ، واحترق المسرح الذي كانت الفرقة تعرض عليه! والمجلة نشرت الخبر تحت عنوان «وحشية»، قائلة: «يتنافس أصحاب تياترات روض الفرج تنافساً يدفعهم أحياناً إلى ارتكاب ما يحرمه القانون. ولم تغب عن الأذهان بعد حادثة حريق كازينو مونت كارلو أيام كان يعمل به الأستاذ فوزي الجزايرلي، تلك الحريق التي ثبت إنها متعمدة بإيعاز من بعض من يهمهم القضاء على هذا الكازينو. وقد حدث في الأسبوع الماضي أن أحد الخواجات أصحاب أحد المسارح في روض الفرج اغتاظ من منادٍ لتياترو آخر، بدعوى أن صوته القوي يؤثر على صوت منادي مسرحه، فأراد أن ينتقم منه فقبض عليه هو وخدم مسرحه وربطوه يوماً كاملاً في شجرة بلا طعام أو شراب حتى كاد يقضى عليه. ومن المؤلم أن هذا المنادي المسكين لم يستطع أن يبلغ شكواه للبوليس خشية أن يكرر صاحب التياترو انتقامه.

الآنسة ملك
وجدت خبراً واحداً منشوراً عن المطربة الشهيرة «مَلك» في صيف 1927، وهذا الخبر يخص عملها في روض الفرج، عنما بدأت احتراف الغناء، وجاء فيه: الآنسة ملك محمد هي تلك المغنية الصغيرة التي يدوي صوتها الرخيم الآن في فضاء روض الفرج بكازينو مونت كارلو. وهي فتاة وديعة هادئة ذات أخلاق كريمة عذبة حلوة الشمائل. بدأت حياتها الفنية كمغنية على التخت وأذكر أن الفضل في ظهورها يرجع إلى عبد الكريم السنجاري متعهد الليالي المعروف. فقد أظهرها لأول مرة منذ أربعة أعوام على مسرح الحديقة بين الفصول، وغنت طقطوقتين. وقد شاهدتها في تلك الحفلة وكان نجاحها لا بأس به. وبالرغم من أنها غنت بدون تخت لأول مرة، فقد كانت جريئة وشجاعة فلم يظهر عليها أي وجل أو اضطراب رغماً عن طفولتها وقتئذ. وقد تنبأ لها المستمعون بمستقبل باهر.


سيد علي إسماعيل