غرائب المسرح الأمريكى

غرائب المسرح الأمريكى

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

يحفل عالم المسرح الأمريكى بالعديد من الفرق المسرحية. وبعض هذه الفرق تكون أسماؤها غريبة. ومثال ذلك الفرقة التى نعرض لها اليوم فهى تحمل اسمًا غريبًا، وهو خدمات إصلاح المصاعد Elevator Repair Service ERS.
تأسست الفرقة فى نيويورك عام 1991 وأسسها المخرج المسرحى البارز جون كولينز مع مجموعة من الممثلين. ولا يعرف السبب الذى جعل كولينز الذى أسس الفرقة وهو فى العشرين من عمره يختار هذا الاسم الغريب الذى لم يحاول تعديله بعد مرور 35 سنة على تأسيسها.
ومنذ تأسيس الفرقة قدمت عروضًا مسرحية حققت نجاحًا كبيرًا على العديد من مسارح نيويورك - وبعضها له أسماء غريبة مثل مسرح ذا بابليك، وورشة مسرح نيويورك، ومساحة الأداء 122، وجراج الأداء الفنى ومسارح عدد من الكنائس ومسرح القمل، ومسرح المطبخ. كما قدمت عروضها فى معظم الولايات الأمريكية، وقدمت عروضها أيضًا على مسارح أوروبا وأستراليا وآسيا.
وحققت الفرقة نجاحًا كبيرًا وحصلت على العديد من الجوائز المرموقة فى عالم المسرح الأمريكى، وإن لم تحصل على أى من جوائز تونى عروس جوائز المسرح الأمريكى.
ويقول كولينز: «إنه خلال السنوات الخمس عشر الأولى من عمرها، اعتمدت الفرقة على نصوص جاهزة أو مرتجلة، أى شىء ليس أدبًا، على حد تعبيره».
وشملت هذه الأعمال «تعليم اللغة» (1994)، ومسرحية «كيف تتحدث الهولندية» التى كانت تقدم فى ست ساعات. ونأمل أن نطالع القارئ العزيز بمعلومات عن تلك المسرحية فى مقال لاحق. وهناك أيضًا مسرحية «أرجل سيارة الأجرة» (1997)، المستوحاة من رواية لتينيسى ويليامز؛ و«كذبة خيالية كاملة» (1998)، التى استندت إلى الأفلام التسجيلية كمادة مصدرية.
وفى ذلك يقول: «نحن نحب الكلمات أو الحركة أو الأصوات التى تمر بعملية ترجمات متعددة. أحيانًا تكون حرفية، من لغة إلى أخرى، وأحيانًا تكون مجازية أكثر، من وسيط إلى آخر».

«جاتز»
تغير هذا الوضع مع مسرحية «جاتز»، التى عُرضت لأول مرة عام 2006، وهى الأولى فى ثلاثية (مع أنها لم تكن مُخططًا لها فى البداية على هذا النحو) من المسرحيات المُقتبسة من روايات أمريكية من منتصف إلى أواخر عشرينيات القرن العشرين. تتألف الثلاثية من مسرحيات «جاتز»، و”الصخب والعنف” المأخوذة عن مسرحية «السابع من أبريل 1928» و«المختارون» المأخوذة عن مسرحية «الشمس تشرق أيضًا».
 قدمت الفرقة المسرحيات الثلاث برؤى مختلفة. ففى المسرحية الأولى، “جاتز”، المُقتبسة من رواية “جاتسبى العظيم” لـ ف. سكوت فيتزجيرالد (التى نُشرت لأول مرة عام 1925)، قدمت الفرقة جميع كلمات الرواية فى عرض استمر لأكثر من ست ساعات.
أما المسرحية الثانية، المُقتبسة من رواية «الصخب والعنف» لـ ويليام فوكنر (التى نُشرت لأول مرة عام 1929)، فقد قدمت الفرقة فصلًا واحدًا منها. وفى المسرحية الثالثة، المُقتبسة من رواية «الشمس تشرق أيضًا» لـ إرنست همنجواى (التى نُشرت لأول مرة عام 1927)، ابتكرت الفرقة نسخة مُعدلة من القصة باستخدام حوار همنجواى وبعض نصوصه النثرية.
فى عام 2013، كانت الفرقة تعمل على تطوير عملين مسرحيين جديدين: «أرجويندو»، وهو عرض مسرحى تجريبى لمسرحية المحكمة العليا الذى سبق وقدمته الفرقة فى بداية تكوينها عام 1991.

«يوليسيس»
وفى عام 2024، قامت الفرقة باقتباس رواية «يوليسيس» للكاتب الأيرلندى جيمس جويس، حيث غطت الرواية كاملة، واقتصرت الحوارات على كلمات جويس، مع اختصار الكثير منها لتصل مدتها إلى ساعتين وأربعين دقيقة.
وتبدأ المسرحية كقراءةٍ يؤديها ممثلون يجلسون على مكتب، ثم تتطور تدريجيًا إلى عرض مسرحى متكامل بأزياء مميزة. عُرضت المسرحية «يوليسيس» للمرة الأولى فى 2024، وأخرج المسرحية جون كولينز، وشارك فى الإخراج والكتابة الدرامية سكوت شيبرد، الذى جسد أيضًا شخصيتين فى المسرحية.
وكما يقول النقاد فإن المسرحية تجسد روح المرح والكوميديا السوداء، والإيقاع السريع، والحيوية اللاذعة.
وبعد النجاح الباهر الذى حققته المسرحية منذ عامين بدأ عرض جديد للمسرحية على مسرح بابليك فى نيويورك يستمر حتى أول مارس.
ويقول كولينز إن تحويل العمل هذا العمل الأدبى إلى مسرحية قبل عامين كان أمرًا بالغ الصعوبة، لكن العمل يستحق، وهذا ما جعله يعيد تقديمه بعد عامين برؤية مختلفة إلى حد كبير حتى لا يُصاب عشاق المسرح وجماهير الفرقة بالملل، والمؤكد أن العمل يستحق.
فى بداية المسرحية، يظهر الراوى ليخبرنا أن رواية يوليسيس، المعروفة بتعقيدها وأسلوبها السردى المتدفق، تُعتبر فى كثير من الأحيان مثارًا للسخرية بل إنه يقول إن جويس نفسه كان يقول ذلك مرارًا هل كان هذا صحيحًا أم أنه كان يُهيئنا فقط للساعتين وخمس وأربعين دقيقة المقبلة.
يبدأ العرض كقراءة جماعية لسبعة ممثلين يقرأون حرفيًا من الرواية، ثم يتحول تدريجيًا إلى سلسلة من المقتطفات من القصص الفريدة والأسلوبية فى الكتاب.
تدور أحداث المسرحية فى دبلن، أيرلندا، فى يوم واحد فقط، هو السادس عشر من يونيو عام 1904، وتتبع حياة ليوبولد بلوم، الرجل العادى، وزوجته مولى، والمفكر ستيفن ديدالوس، وهم يخوضون غمار هذا اليوم العادى، مستكشفين جوهر التجربة الإنسانية.
لكن فى خضمّ المألوف، تبرز مشاعر استثنائية لتضعنا وجهًا لوجه أمام الطبيعة البشرية، والأخلاق، والانحلال، والحب، والفقد، والهوية. تتغلغل مواضيع متعددة والحكم البريطانى فى أيرلندا، والكاثوليكية، والقومية الأيرلندية فى حياة الناس. يتلاشى ترتيب بداية المسرحية، شعوريًا ولا شعوريًا. تظهر الدعائم فجأة، وتحوّل قطع الديكور الطاولة الطويلة الافتتاحية إلى مجموعة متنوعة من الديكورات. يُصيب المرء بالدوار مع استمرار العمل وتطوره بفضل الإنتاج المتقن، بما فى ذلك استخدام الضباب الصناعى والأضواء الساطعة، والمؤثرات الصوتية الصاخبة. ونتيجة لذلك، تستمر تجربة المشاهد المسرحية العميقة فى النمو على مسار من الفوضى والاضطراب، على غرار تجربة القارئ العادى. إنها تجربة فريدة تعكس فوضى العالم الذى نعيش فيه. عالمنا اليوم لا يختلف كثيرًا عما نشهده فى ذلك اليوم من شهر يونيو عام 1904.
يُقدّم عرض «يوليسيس» رحلة سريعة عبر عالم زاخر بالفكاهة والمشاعر الجياشة، فى هذه الرواية التى اشتهرت بصعوبتها.
انه عرض واسع ومتنوّع لدرجة أن كل قارئ يجد فيه نقاطًا مختلفةً، كما يقول المخرج المشارك والكاتب المسرحى سكوت شيبرد. لعلّ أكثر ما لفت انتباهنا هو روح الدعابة المتعمدة التى يستخدمها العمل كوسيلةٍ للتعبير عن صدقه العميق. يمكن القول إنّ العمل برمّته عبارةٌ عن مزحة ضخمة ومتقنة، لكنها تُقدّم بكل جدية.


ترجمة هشام عبد الرءوف