مشهد جرىء جدًا فى برودواى

مشهد جرىء جدًا فى برودواى

العدد 959 صدر بتاريخ 12يناير2026

نتناول اليوم عرضًا مسرحيًا يثير قدرًا كبيرًا جدًا من الجدل فى أمريكا ليس فقط بين جمهور المسرح الأمريكى بل فى أوساط عديدة من مثقفين وشخصيات عامة ومنظمات. ويصل الأمر إلى رجال الدين من عدة أديان وعدة مذاهب.
ولا يرجع الأمر فقط بالطبع إلى أنه عرض يقدم على احد مسارح برودواى عاصمة المسرح الأمريكى. فلو عرض على أى مسرح آخر كان سيثير نفس القدر من الجدل. والسبب كما سنرى فيما بعد أن هذا العرض يتجاوز أهم ما يميز الفن المسرحى من أنه فن يتفاعل فيه الجمهور مع الممثلين مباشرة، وهو ما يفرض قيودًا معينة.

التحرير
العرض هو «التحرير» للكاتبة المسرحية بيسوول. وهى مسرحية متعددة الأجيال تدور حول مجموعة نسائية تسعى لرفع الوعى بين النساء بقضاياهن ومعاناتهن.
ويثور الجدل فى الفصل الثانى مع إضاءة الأنوار، حيث يُمكن سماع هتافات التشجيع وأحيانًا تصفيق حار. كما يمكن سماع صافرات الاستهجان من أشخاص حضروا خصيصًا لإطلاقها. كل ذلك قبل أن تنطق كلمة واحدة.
والسبب أنه على خشبة المسرح، تُقدم ست شخصيات أكثر المشاهد جرأةً فى تاريخ برودواى. وكل واحدة منهن - عضوات فى مجموعة مُرتجلة فى سبعينيات القرن الماضى - تتعرى تمامًا، لمدة 15 دقيقة تقريبًا من الحوار.
تقول وول إنها تساءلت، أثناء كتابتها للمسرحية، عما إذا كانت «التحرير» ستُعرف باسم «تلك المسرحية ذات المشهد العارى» - مع انهيار بقية عناصرها حوله. ولحسن الحظ، كما تقول الكاتبة المسرحية، اتسع نطاق النقاش بشكل كبير.
وتقول عن ردود الفعل: «لقد سررتُ للغاية. لا يبدو الأمر مثيرًا أو مبتذلًا أو حيلةً دعائية. بل يبدو جزءًا مهمًا من العمل الذى تقوم به النساء فى مجموعة التوعية». وتقول وول إن الفكرة خطرت لها أثناء بحثها عن أنشطة هذه المجموعات.
وتمضى قائلة إن البعض اعتقد أن هذا العرى من اختيار المخرج لكنه فى الحقيقة كان جزءا من النص الذى كتبته - حتى لا يتحمل المخرج اللوم وحده خاصة أنه اقترح عليها حذف هذه الجزئية، وأن تؤديها الممثلات مرتديات ملابسهن لكنها أصرت على ما ورد فى النص الأصلى، وقالت إنها سوف تتحمل كل النقد، وتؤكد أنها صاحبة القرار.
وتقول إنها استوحت فكرة المسرحية التى تدور أحداثها فى سبعينيات القرن الماضى من كتاب قرأته بعنوان «أجسادنا أنفسنا»، وهو كتاب متداول منذ عام 1973، وحقق مبيعات كبيرة. وهذا ما شجعها على خوض تلك المغامرة مع علمها بالطبيعة الخاصة للمسرح وما يمكن أن تتعرض له من هجوم.
وتقول الممثلة سوزانا فلود، التى تشارك فى المشهد كل ليلة فى شخصية ليزى: «لقد نشأنا فى زمن كان فيه أطباؤهن وأطباء النساء والتوليد من الرجال. لم يكن هناك حديث يُعتبر غير لائق عن تشريح جسم المرأة. وكطريقة لاستعادة السيطرة على حياتهن.. كان عليهن التعرف على أجسادهن. لذا، تعرّين».

بداية
يبدأ المشهد - حيث تُجرب النساء تمرينًا رأينه فى مجلة «إم إس» - بشعور من عدم الارتياح. تقول إحداهن عن كراسى الصالة الرياضية: «لا تبدو صحية». والمهمة هى أن تصف كل واحدة منهن شيئًا واحدًا يعجبها فى جسدها، وشيئًا واحدًا لا يعجبها. وتتراوح الإجابات بين الفكاهية الجريئة والمؤثرة.
وتلتقط خيط الحدث بيتسى أيدم التى تجسد شخصية مارجى، وهى فى الستينيات من عمرها تقريبًا، فتتحدث عما تقول إنه الندبة القبيحة التى خلّفتها ولادتها القيصرية. تقول: «أشعر بالظلم نوعًا ما». لقد رُزق أطفالها بالحياة، وحصل زوجها على العائلة التى كان يتمناها، وانتهى بى المطاف كجسدٍ هزيلٍ يحمل هذه الندبة البشعة.
وتعود فلوود التى تجسد شخصية ليزى، بطلة المسرحية ومضيفتها، لتؤكد أن هناك توافقًا موفقًا بين موضوع المسرحية - وهو حوار الناس مع بعضهم البعض - وبين الحماس الذى تشعر به فى الجمهور كل ليلة: وهو أيضًا حوارٌ بين الناس.
وتشير فلوود الى ان العرض يناقش قضايا جادة حول وضع المراة الأمريكية وربما خارج أمريكا ولم يحاول المتاجرة بهذا المشهد. فلم يسمح بدخولمصورى الصحف. وإذا دخل صحفى يتم تفتيشه بدقة للتحقق من أنه لا يحمل آلة تصوير صغيرة.

قيود
ويمتد هذا الأمر إلى المشاهدين العاديين، حيث يلتزمون بتسليم هواتفهم المحمولة عند الوصول، ليتم حفظها فى حقائب خاصة تبقى معهم ولا يمكن فتحها إلا من قِبل الموظفين فى المسرح وفى نهاية العرض.
وتعود فلوود، التى تجسد شخصية ليزى التى تسافر عبر الزمن لفهم خيارات والدتها بشكل أفضل: «تكمن القوة الحقيقية للحوار فى كونه أحد محاور المسرحية. ولأن لدينا مشهدًا نخلع فيه ملابسنا جميعًا، يضطر الجمهور إلى تسليم هواتفهم.. بصراحة.. أعتقد أن هذا سبب رئيسى وراء الاستجابة العفوية التى حظى بها العرض».
وتشير إلى أن قاعدة منع استخدام الهاتف المحمول الموضحة على موقع المسرحية الإلكترونى لم تفرض منذ بداية العرض. فى إحدى الأمسيات، لاحظ أحد الحراس إحدى المشاهدات فى المسرح تتصفح هاتفها خلال الاستراحة ما أثار الشكوك. هنا اصطحبها الحارس بلطف وحزم من مقعدها إلى موظفى المسرح فى الردهة، ليضعوا الجهاز فى مكان آمن.
لكن فى الغالب، يبدو أن الناس ممتنون للتخلص من هواتفهم، كما تقول المنتجة داريل روث. وتضيف روث: «بغض النظر عن مشهد التعرى، فإن الأمر يتعلق بإحساس الجمهور بالحرية»، «لا يمكنهم التفكير إلا فى هذه المسرحية. أليس هذا ما نريده؟ تعالوا لمدة ساعتين ونصف الساعة وانغمسوا تمامًا فيما يُعرض على خشبة المسرح.

آراء الجمهور
وتقول تريسى بونبريست، إحدى رواد المسرح فى نيويورك، والتى حضرت المسرحية إنها وجدت نفسها أكثر انتباهًا وانغماسًا فى التجربة مما لو كان هاتفى معى. كانت تجلس بجوار شخص لم تقابله من قبل.
وتقول بونبريست، البالغة من العمر 62 عامًا: «لو كان هاتفى معى، أو كان هاتفها معها، لما انخرطنا فى الحديث على الأرجح».
حتى المؤلفة أن وول تتطرق إلى مسألة الهواتف فى نصها - قبل بدء العرض. تسأل ليزى الجمهور: «لقد أخذوا هواتفكم. هل نحن بخير؟»، ما يثير ضحكهم.
وهذا ليس الإجراء الوقائى الوحيد، حيث تُطفأ شاشات العرض خلف الكواليس كل ليلة - كل ذلك لتجنب التسجيلات أو الصور. وتضيف وول أن النتيجة تكشف عن جانب أعمق من المسرح الحى، وتقول عن مشهد كل ليلة: «لن يتكرر هذا أبدًا. يجب أن تكون حاضرًا فى المكان. ولهذا السبب، يكون المشهد نابضًا بالحياة».
وتقول كيلسى رينووتر، التى أشرفت على تصميم المشهد وتشرف على تنفيذه فى كل ليلة عرض «لقد كانت عملية معقدة للغاية لكن أمكن التغلب عليها»، وتصف رينووتر المشهد بأنه تحدٍ كبير للممثلين، وتضيف: «الأمر لا يقتصر على التعرى على خشبة المسرح، بل عليهم أيضًا التحدث عن أجسادهم ولفت الانتباه إليها». سارت البروفات خطوة بخطوة. أحتاج بعض الممثلين إلى ذلك، بينما رغب آخرون فى التحرر التام.
وتشير إلى أن كل شخصية تتعامل مع مشهد التعرى بشكل مختلف، تمامًا كما يفعل الممثلون. وتقول: «هذا جزء من التناقضات المعقدة للحركة النسوية التى كنت أحاول استكشافها فى المسرحية».
وتضيف مازحة: «كان والداى مُدرّسى تمثيل، وكانا يقولان دائمًا إن التمثيل هو إذلال مُتحكّم فيه. فهل هو أكثر إذلالًا من أداء مشهد تعتقد أنه أهم شىء فى العالم، ثم ينام أحدهم فى الصف الأمامى؟».
وهناك ميزة إضافية: «لمدة ساعتين، لا أحد مُنشغل بالهاتف».


ترجمة هشام عبد الرءوف