العدد 938 صدر بتاريخ 1أغسطس2025
عن نشأة وتطور المسرح المغربي في ظل الاحتلال الاستعماري وسياق بناء الهوية الوطنية، صدر كتاب بعنوان «المسرح المغربي: تطور وتاريخ»، من تأليف الباحث المغربي أحمد بلخيري، عن مؤسسة «س» للثقافة والإبداع، ضمن سلسلة منشورات المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب. يقع الكتاب في 66 صفحة من القطع المتوسط، ويقدّم معالجة توثيقية وتحليلية لتاريخ المسرح المغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، مع التركيز على لحظة التأسيس، وأثر المؤسسات التعليمية، والرقابة الاستعمارية، وبداية كتابة النص المسرحي المحلي. يمثّل الكتاب إضافة نوعية إلى الدراسات التي تؤرخ للمسرح العربي من الداخل، وتعيد الاعتبار إلى المساهمات المحلية في إنتاج خطاب مسرحي وطني وملتزم. ويسهم هذا الكتاب في رصد وتوثيق تاريخ تطور المسرح في المغرب، لاسيما في فترة مهمة تبدأ من أوائل القرن العشرين حتى مرحلة الاستقلال. يعالج الكتاب إشكالية تأسيس الهوية المسرحية المغربية في ظل التأثيرات الأجنبية والصراع ضد الاستعمار.
بنية الكتاب
ينقسم الكتاب إلى فصول متعددة تسير وفق نسق زمني يبدأ من فترة الحماية (1923) ويمتد إلى ما بعد الاستقلال. وتشمل الفصول توثيقًا واسعًا لأسماء الفرق المسرحية، النصوص، المؤلفين، وأماكن العروض. ويخصص الكاتب جزءًا مهمًا لرصد تأثير الفرق المصرية الزائرة، ودور المدارس الثانوية، خاصة ثانوية مولاي إدريس بفاس، في التكوين الأول للحركة المسرحية الوطنية. الفصول هي:
1. جذور المسرح في فترة الحماية
2. محاولات التأسيس الأولى
3. التأثير المصري على المسرح المغربي
4. دور المؤسسات التعليمية
5. نشأة النص المسرحي المغربي
6. الرقابة الاستعمارية
7. مسرح الإذاعة كأداة مقاومة
8. توثيق العروض والفرق المسرحية (1924-1956)
منهجية الكتاب :
منهجيا اعتمد المؤلف على عدة محاور منهجية، هي:
المنهج التاريخي الوثائقي- التحليل االاجتماعي الثقافي- دراسة الحالة (نماذج مسرحية محددة)- المقاربة السياسية لفن المسرح.
إشكالية التأسيس
من أبرز ما يطرحه الكتاب هو الجدل التأريخي بين من يعتبر سنة 1923 لحظة انطلاق المسرح المغربي، نظرًا لقدوم أول فرقة مسرحية مصرية، وبين من يعتبر 1924 البداية الفعلية مع تأسيس أول فرقة مغربية من الطلاب.
يُقدّر المؤلف هاتين الرؤيتين دون الانحياز القاطع، لكنه يميل ضمنيًا إلى تأييد الرؤية التي تربط «الظهور» بوجود الفاعل المغربي. ويرى أن هذه الإشكالية التاريخية تضعنا أمام مفصل مهم في تحليل العلاقة بين «الوافد» و»المحلي» في نشأة الظاهرة المسرحية بالمغرب.
المسرح كأداة مقاومة رمزية
يركز الكتاب على حضور الهم الوطني في النصوص الأولى، مثل: «تحت راية العلم والجهاد» (عبد الله الجراري)، و»العلم ونتائجه» (محمد القري)، و»يا عبد الكريم» (محمد الحداد). وقد مثلت هذه النصوص محاولة للتعبير عن مقاومة الاحتلال بالرمز والتورية، وهو ما يسميه المؤلف «التقية المسرحية»، في ظل رقابة استعمارية صارمة، وصلت حد نفي المؤلفين أو منع العروض. هذا التوجه السياسي لم يكن مجرد أداة احتجاج، بل شكل نواة تأسيس لهوية مسرحية مغربية ملتزمة بالوعي الشعبي والتحرر الوطني.
في هذا السياق وضح الكاتب أحمد بلخيري، أن ظهور النص المسرحي المغربي يشكل لحظة فارقة في تاريخ الفن الدرامي بالمغرب، إذ مثّل الانتقال من التمثيل المرتجل أو المقتبس إلى فعل الكتابة الواعية باللغة العربية، ذات المرجعية الوطنية والاجتماعية. وقد ارتبط هذا التحول بجهود نخبة من المثقفين والوطنيين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، كمثال تلك النصوص الثلاث السالفة. ويمكن اعتبار هذه المرحلة لحظة التأسيس الفعلي للمسرح المغربي بوصفه خطابًا ثقافيًا، لا يقل أهمية عن كونه فعلًا جماليًا، حيث بدأت تتبلور هوية درامية مغربية مستقلة عن التأثيرات الأجنبية، متوغلة في قضايا الذات الوطنية، ومحاولة تأصيل خطاب مسرحي يعكس ملامح المجتمع المغربي وتطلعاته في زمن الاستعمار.
الرقابة الاستعمارية
ويرى الكاتب أن الرقابة الاستعمارية مثّلت أحد أبرز العوائق التي واجهت البدايات المسرحية في المغرب، إذ لم تكن السلطة الفرنسية تنظر إلى المسرح بوصفه فنًا ترفيهيًا فحسب، بل كمنبر محتمل لبث الوعي الوطني والتحريض الرمزي. وقد انعكس ذلك في تضييق الخناق على الفرق المحلية، ومنع بعض العروض، بل ونفي بعض المؤلفين كما حدث مع محمد القري. هذا القمع دفع الكتّاب إلى اعتماد أساليب التورية والإيحاء فيما يُعرف بـ»التقية المسرحية»، حيث كان الرمز واللغة المواربة وسيلتين للالتفاف على الرقابة، وفي الوقت ذاته، أداة للتواصل العميق مع الجمهور حول قضاياه السياسية والوجودية.
القراءة التحليلية والنقدية:
أولا: نقاط القوة في العمل
التوثيق الدقيق: حيث رصد الكاتب سجلا زمنيا مفصلا لأهم الأحداث والعروض، وكذلك وثق بدقة أسماء الفرق والمؤسسات المسرحية، كما أنه قدم قائمة بالنصوص المسرحية الأولى ومؤلفيها.
السياق التاريخي: ربط الكتاب تطور المسرح بالأحداث السياسية، وقدم تحليلا عن تأثير الاستعمار على الحركة المسرحية، ووضح دور المسرح في تشكيل الوعي الوطني.
كشف الكتاب عن مصادر جديدة عبارة عن وثائق غير منشورة سابقًا، وايضا مذكرات شخصية لفاعلين مسرحيين، كما عرض مواد أرشيفية نادرة.
ثانيا: الجوانب التي تحتاج التطوير:
العمق النظري: يحتاج الكتاب إلى إطار مفاهيمي أكثر وضوحا، كما انه يعاني من محدودية التحليل الجمالي للنصوص، وضعف الربط مع النظريات المسرحية العالمية.
2.المنهجية: من حيث المنهجية الكتاب به اعتماد مفرط على السرد التاريخي، وعدم عدم التوازن في تغطية الفترات الزمنية، كما ان به قصورا في التحليل المقارن مع تجارب مسرحية عربية أخرى.
الشكل والمحتوى: يحتاج إلى إضافة الخلاصات التحليلية في نهايات الفصول، ووضع فهرس تفصيلي للمحتويات.
الإضافة الرئيسة للكتاب، تتمثل في إثبات الأصالة المسرحية المغربية، حيث عمل على تفنيد فكرة أن المسرح المغربي مجرد نسخة عن المسرح المصري أو الأوروبي، كما عمل على إبراز الخصوصيات المحلية في الشكل والمضمون.
ومن خلال تحليل استراتيجيات التورية والرمز في النصوص قام بالكشف عن آليات المقاومة الثقافية، وبين دور المسرح في الحفاظ على الهوية الوطنية.
ومن أهم ما قدمه الكتاب هو توثيق التجارب المؤسسية، وأعمال الرواد الأوائل مثل عبد الله الجراري ومحمد القري، وإبراز دور المؤسسات التعليمية في نشر الثقافة المسرحية.
في النهاية يظل كتاب أحمد بلخيري عملاً أساسيًا في المكتبة المسرحية المغربية والعربية، رغم بعض القيود المنهجية. وتكمن قيمته في كونه:
- مرجعًا توثيقيًا لا غنى عنه للباحثين.
- محاولة جادة لكتابة التاريخ المسرحي من منظور وطني.
- أساسًا لمشاريع بحثية أوسع وأعمق.
إن هذا الكتاب “المسرح المغربي: تطور وتاريخ” يفتح الباب أمام أسئلة بحثية جديدة أكثر من كونه يقدم إجابات نهائية، وهو ما يجعله نقطة انطلاق مثالية لأي باحث جاد في مجال المسرح المغربي وتاريخه.