ماذا نعرف عن المسرح الإيرانى؟

ماذا نعرف عن المسرح الإيرانى؟

العدد 864 صدر بتاريخ 18مارس2024

ظن كثيرون أن اليات عندما وصلوا الى حكم إيران عام 1979 بعد الاطاحة بالشاه اعلنوا الحرب على الفن. لكن الأمر لم يكن كذلك على الاطلاق. لقد استغلوا  الفنون بكافة أشكالها – ومنها المسرح بالطبع - فى الدعاية لنظامهم ولافكارهم. وبعبارة أخرى تعددت الأشكال والرؤى المسرحية  لكن المضمون واحد والمهم نقل الرسالة مع الالتزام بقواعد الفن المسرحى.
يثور هذا السؤال مع افتتاح عرض مسرحى فى مسرح طهران الذى اقيم فى عهد الشاه عام 1970.  وعندما جاء الايات لم يغلقوه بل قاموا بتجديده عدة مرات. وتمت توسعته ليرتفع عدد مقاعده الى 600 مقعد.
أما العرض المسرحى فهو مسرحية “هاملت الصامت، الصامت”، وهي اقتباس إيراني من مسرحية “هاملت” لشاعر الانجليزية الاول   شكسبير.  وجاء الانتقام  بمثابة  المحور الرئيسى فى المعالجة  المسرحية الايرانية  التي أضيفت إليها رؤية اسلامية من خلال  شخصية تجسّد الموت لتذكّر بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.
وهذه  وكانت المسرحية – التى تعرض للمرة السابعة على مدى عشرين عاما - ناجحة الى حد كبير حيث تبارى الممثلون فى اداء صادق تمكن بدوره من  فرض صمت مطبق على القاعة ذات الستمائة مقعد. 
وكانت المنافسة حادة على تذاكر العرض مما اضطر المسئولين إلى إلغاء الإجازة الأسبوعية للعرض رغم مافى ذلك من ارهاق للممثلين.
وفى ذلك تقول الممثلة الايرانية الشهيرة “عاطفة تن دال “إن المسرحية التي استغرقت تسعين دقيقةً، واستلهمت فكرتها من شكسبير، أوصلت رسالتها بلغة بسيطة يدركها الجميع وتتمتع بالكثير من الصراحة، “مع الحفاظ على أسس الفن المسرحي”.
 وتؤمن على قولها  بطلة المسرحية ساناز امامى  فتقول “كان الحضور لافتاً للغاية. نحن نستمد قوتنا من الجمهور، وتمضى قائلة  الامر له طعم مختلف عندما نتفاعل مع الجمهور   ويمكن لنا أن نتخيل حجم التضحية التي  أقدمت عليها فى حياتى الخاصة على حساب رعاية ابنى فى اقليم الأهواز، خاصةً إذا كان العرض في أهم قاعات المسرح الإيرانية، فذلك مغرٍ جداً. .  وإمامى  صاحبة خبرة طويلة في التمثيل تتخطى العقدين من الزمن.  

جذور عريقة
ويقول مؤرخو المسرح الايرانى ان هذا الشكل الفنى عريق الجذور فى المجتمع الايرانى.  فيمكن العثور  على اثار لفنون  تمثيلية قريبة من المسرح  كانت تمارس خلال الاحتفالات والطقوس الدينية تعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد. 
لكنهم لا يختلفون على  أن المسرح الحديث دخل بلادهم كباقي المظاهر الغربية التي أمر بها السلطان  ناصر الدين الشاه القاجاري فى أواخر القرن 19 وهو اشهر ملوك اسرة القاجار التى حكمت إيران عتدما كان اسمها فارس.
 وفى العصر الحديث يشير مؤرخو المسرح  الى المخرج الايرانى  المخضرم “بَهرام بَيضائي”، الذي يراه البعض صاحب دور كبير  في تطوير المسرح الإيراني.  وهو  يعيش فى المنفى الاختيارى  منذ سنوات طويلة عقب وصول الايات الى الحكم رغم انه ليس له مشاكل  واضحة مع نظام حكمهم.  ويشير  المخرج الايرانى الشاب   سامان شكيبا  مخرج النسخة الجديدة من  عرض هاملت.    الى ان دعاية المسرحية  ورد فيها  اسم بيضائى  باعتباره مؤلف العرض الاول ومخرجه عام 2000 قبل ان يتوجه الى منفاه الاختيارى.

والقديم ايضا
ومن الظواهر المهمة التى تلفت الانظار ان نظام الايات لم يحاول ان يقطع علاقة المسرح الايرانى بالاساطير الفارسية التقليدية التى كان البعض يرى انها تعبر عن افكار منافية للاسلام. كل مافى الامر ان يتم مراجعة الاساطير حسب توجهات النظام الجديد.
ومن هذه العروض “بطاقة تقرير” التى  تم تقديمها فى اطار تمثيلى ساعد على جذب المشاهدين. وتدور القصة حول الوزير “بُندار”،  ، الذي قام بتعليم الملك كلَّ العلوم، لكن الأخير قضى عليه وأودعه السجن الذي كان قد شيّده بمشورة الوزير. وتم افتتاح عرض جديد لهذه المسرحية فى بندر عباس.
ويقول شكيبا  انها قصة غنية بالدلالات والايحاءات التى كان يكتشفها مع البروفات. وكل ليلة. وهذا ما تؤكده  واحدة من بطلات  العرض وهى الممثلة الشابة فاطمة زينلى (22 سنة).

أوكرانيا
وأحيانا ما تقدم بعض المسرحيات الغريبة التى تبدو وكأنها تعرض موضوعات لاتهم الجمهور الايرانى  مثل مسرحية “السعادة فى أوديسا” لكنها تحقق نجاحا لا بأس به.
 تدور  شخصيات المسرحية حول ثلاث فتيات أوكرانيات بعد الحرب العالية الثانية. وتتنافس الفتيات للزواج من رجل واحد بسبب قلة الرجال من جراء مقتل عدد كبير منهم اثناء الحرب. وتدور الاحداث فى جو كوميدى اجتماعى. وسبق عرض المسرحية  فى ثلاث مدن ايرانية.  وتعالج القصة  التفاعلات الإنسانية والاجتماعية مع مصاعب الحياة.  ويبدو الكاتب متأثرا بالأديب الروسي أنطون تشيكوف، وتذكّرنا بمسرحيته “الأخوات الثلاث” رغم ان المؤلف ينكر ذلك. 

أشكال أخرى
 وهناك اشكال مسرحية عديدة يعتقد ان ايران تنفرد بها. من هذه الاشكال  مسرح الشارع الذى  تقدم عروضه فى الشارع بالفعل حيث يقدمه فنانون هواة  بديكورات بسيطة فى الشارع وعدد بسيط من الممثلين الهواة  (ثلاثة فى المتوسط ). وعادة ما  يتجمع  المارة لمشاهدة العرض. ويعود هذا الشكل الى القرن التاسع عشر فى عهد اسرة القاجار . 
ويقول مؤرخو المسرح الايرانى ايضا ان مسرح العرائس  نشأ اساسا فى ايران وان كان هناك من يشكك فى ذلك. وهناك من يزعم ان عددا من اشكال المسرح نشأت فى ايران مثل مسرح القصة المصورة الذى نشأ فى عهد الدولة الصفوية فى القرن  16. ونرجو أن نوافى القارئ بموضوع موسع عن هذا الشكل المسرحى .
وهناك نوع من المسرح الايرانى يعرف باسم “تعزية” وهى مسرحيات تجسد ماساة الحسين والامام على ابن ابى طالب  وهى مسرحيات تقدم بشكل مستمر فى كل المدن الايرانية وبفرق مختلفة .

اللوحة الخشبية
وهناك مسرح اللوحة الخشبية  وهو أمر كان شائعا فى البيوت الفارسية القديمة ويوجد فى بيوت الاغنياء حاليا. ويشير هذا المصطلح الى  بركة ماء وسط ساحة المنزل، لها استخدامات عديدة، منها أن الأهالي يقومون في المناسبات بوضع لوحة خشبية عليها كي تتحول إلى خشبة مسرحية، ويقدم  الممثلون  عروضا كوميدية  عليها للحاضرين. 
 ويوجد مسرح  النقالى . وفيه – كما يبدو من اسمه -  يقف رجل وسط الميدان ليروي الملاحم والأساطير الإيرانية على هيئة أشعار وعادةً ما يحمل بيده عصا.
وعلى غرار السينما، تُمنع في الأعمال المسرحية في إيران منذ تأسيس النظام الإسلامي عام 1979، منعاً باتاً أي مشاهد للتلامس الجسدي بين الممثلين والممثلات حتى في الأدوار العائلية، ناهيك عن العناق والقبلات، بالإضافة إلى فرض الحجاب على الممثلات، ومنع التطرق إلى المواضيع الحميمية بين الزوجين.
و يقول المخرج المسرحي أحمد سليماني ان ايران تتمتع بوفرة الكوادر الفنية  بفضل توافر المعاهد المتخصصة فى التمثيل والتى لم يقترب منها الايات بل طوروها لصالح نظامهم.  ويرى ان  هذه الوفرة تجعل  المسرح الإيراني في موقع جيد وقادر على المنافسة العالمية”.

شغف بالتمثيل
 ويقول الناقد المسرحى  أيوب آقاخاني ان الايرانيين لديهم شغف بلا حدود بفن التمثيل خاصة من قبل الشباب.  ويقول ان المسرح كغيره من الفنون، لم يسلم   من تدخلات الحكومة  التى لاتكتفى بدعمه .
ويؤمن على قوله المخرج المسرحى الشاب احمد دهقان فيقول   “الحكومة  تتدخل  في كل شيء. ليست لنا حرية في التطرق إلى المواضيع كافة. هناك رقابة شديدة على الأعمال الفنية، وهذا ما يخيّب ظنوننا. انظروا إلى أعمال مهرجان فجر، كلها تتحدث عن الحرب والشهادة وقيم الحكومة الإسلامية” 


ترجمة هشام عبد الرءوف