«فنتولين العودة» ..صراع الحفاظ على الهوية

«فنتولين العودة» ..صراع الحفاظ على الهوية

العدد 839 صدر بتاريخ 25سبتمبر2023

كثيرًا ما أتوقف أمام أسماء العروض المسرحية العربية التي تعرض خلال فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وقد لاحظت في هذا العام أن بعض العروض تستخدم أسماءً لها دلالات غير مباشرة بموضوع العرض، فقد توقفت أمام ثلاثة عروض الأول هو الخديج وبالبحث عرفت أنه المولود من قبل أن يكتمل نموه، ثم «الروبة» الذي جمع بين الخمير الذي يؤدي إلى التعفن وملبس القضاء، وأخيرًا هذا العرض الفلسطيني «فنتولين العودة» للمخرجة إيمان عون، ومن خلال متابعة العرض عرفت أن الفنتولين هو بخاخ يستخدم لتخفيف أعراض مرض الربو وموسع للشعب الهوائية، وهو من أهم محتويات حقيبة البطلة المصابة بالربو نتيجة ما تعرضت له من غبار في الشتات، والغازات المسيلة للدموع التي كانت تطلقها عليهم قوات الاحتلال.
العرض قُدم على خشبة مسرح الطليعة خلال فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الأخيرة (30) 2023، وهو مونودراما بطولة بيان شبيب، دراماتورجيا وسينوغرافيا وإخراج: إيمان عون.
في الحقيقة أن معظم العروض المسرحية الفلسطينية مستمدة من الواقع الفلسطيني، فحياة الفلسطينين مليئة بالدراما الواقعية التي تفوق خيال أي كاتب، خاصة وأن مأساتهم لم تنته بعد، وقد شاهدت عروضًا كثيرة تعبر عن معاناة الشعب الفلسطيني ولعل أهمها وأقربها إلى هذا العرض هو «سأموت في المنفى» تأليف وإخراج وتمثيل غنام غنام، حيث التشابه الكبير مع هذا العرض «فنتولين العودة» من حيث أنه مونودراما ويتناول تجارب شخصية تخص البطل، فالمؤلفة والممثلة بيان شبيب التي تجسد في العرض شخصية «بيان شبيب» أي نفسها، فلم تختر اسم آخر للبطلة، وتستعرض من خلال العرض تجربتها الشخصية، حيث تدور الأحداث حول «بيان شبيب» ابنة عضو في منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت فيما بعد عائدة بعد اتفاقية أوسلو في عام 1993، فقد عاشت الترحال المستمر تصارع من أجل الحفاظ على هويتها بين ذكريات الماضي والتوجس من المستقبل حملت أكثر من هوية في حياتها، فهي اللاجئة في لبنان وسوريا، وابنة أبناء منظمة التحرير في تونس، والعائدة في فلسطين، والمهاجرة في النمسا وألمانيا. تستعرض بيان كل هذه التفاصيل بينما هي في مصعد تعطل بها أثناء صعودها إلى عيادة الطبيب الذي يعالجها.
ومن خلال استعراض بيان لتجربتها الشخصية المريرة تستعرض أيضًا قضايا الشتات العربي، وتحكى عن مأساة ملايين الفلسطينيين والسوريين في بلاد الشتات بعد الاحتلال والخراب الذي حل ببلدانهم، من خلال استعراض أحداث وتفاصيل حدثت بالفعل على الساحة السياسية العربية عامة والفلسطينية خاصة، كما أن فكرة أنها عالقة بمصعد قد تصل أو لا إلى هدفها تتقاطع مع حالتها كمغتربة ومشتتة من بلد لأخرى ولم تشعر بالاستقرار والأمان. 
ولأن المسرح ممثل أولاً خاصة المونودراما التي يبذل فيها الفنان جهدًا مضاعفًا عما يبذله في المسرحيات الأخرى التي تعتمد على عدد من الممثلين، وأنني دائمًا أشفق عليه لكون المونودراما من دون كواليس والممثل فيها ليس لديه فرصة حتى لالتقاط أنفاسه، لكن في حالة هذا العرض أرى أنه من الصعب تناول أداء الممثلة بالتحليل، ولا بقدرتها الهائلة على التوحد مع الشخصية التي تجسدها، لكونها تجسد شخصيتها الحقيقية وتجربتها التي كتبتها بنفسها حيث ولدت في بيروت وتنقلت إلى سوريا وقبرص وتونس وثم بعد ذلك عادت إلى فلسطين بعد اتفاقية أوسلو، لكنني أجدني مشفقة عليها لكونها مضطرة لاجترار معاناتها يوميًا على خشبة المسرح.
تلعب تقنية ال «3D mabing» دورًا كبيرًا في عرض الأحداث فلم تكن مجرد سردًا كما اعتدنا على عروض المونودراما، بل جاءت حوارات بين الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًا في حياة البطلة، والتي كانت تتوهم أنهم يطاردونها في كل مكان تذهب إليه، ليتبين في نهاية العرض ومن خلال تقرير طبيبها الذي تقوم هي بقراءته بأنها مريضة تعاني من الهلاوس والتهيؤات كما أنها لم تكن مريضة ربو ولكنه جزء من أعراض مرضها النفسي.
كذلك الإضاءة والمؤثرات البصرية للفنان خليل البطران التي تتنوع بين الإظلام والإنارة والسخونة تمشيًا مع الأحداث والبرودة مع جفاف المشاعر، وحالة الاغتراب التي تعيشها البطلة داخل نفسها ثم داخل المصعد ثم داخل قضيتها الكبرى «الشتات» من خلال الاستعانة بخيال الظل والسلويت.
كذلك الموسيقى والمؤثرات الصوتية التي تنوعت بين الخوف والحنين والغضب والشجب وربما ضمت كل المشاعر الإنسانية التي تعيشها صاحبة هذه المأساة، وغيرها من الملايين على مستوى العالم.
أما الديكور الذي صممه بعناية الفنان محمد علي حيث يشكل مصعد من الداخل وبابه يقع في عمق المسرح، حيث جعل الجميع عالقين فيه مع البطلة تمامًا.   
كما كان للإكسسوارات دورًا مهمًا في العرض وأهمها حقيبة السفر التي عبرت بدقة عن الترحال المستمر وعدم الاستقرار، كما تم توظيفها عدة وظائف لعل أهمها القضبان التي ظهرت من بينها كسجينة لتجربتها المريرة.


نور الهدى عبد المنعم