ملك الغابة وبيت الأرانب.. عرض مدرسي بطعم المسرح المحترف

ملك الغابة وبيت الأرانب.. عرض مدرسي بطعم المسرح المحترف

العدد 806 صدر بتاريخ 6فبراير2023

هكذا من آن إلي آخر في كل عام دراسي جديد تطالعنا المسارح النوعية بعروض مدهشة نتوقف عندها متسائلين إلي أي مدي سوف يصل هذا النوع المسرحية ومتي سيتوقف عن صناعة الإنجازات الفنية التي يكون لها مذاق خاص طالما خرجت من رحم المؤسسات التعليمية المدرسية التي كان لها دائما الدور الأكثر أهمية في دعم المسيرة الفنية والثقافية للحركة المسرحية المصرية والعربية وهكذا هي العروض المسرحية تباغتنا أحيانا في أماكن غير متوقعة لتجدد الأمل وتبعث الروح في الحياة المسرحية التي يخطر لنا أحياناً أنها أصابها الفقر والركود بسبب كثرة العروض الهزيلة والروتينية التي أقول دائما أن فوائدها أكثر من ضررها لأنها بمجرد خروجها تضع مجموعة جديدة من البشر في طريق المسرح يعني الفن والإبداع والبعد عن المفاسد وهي غالبا ما تكون تجارب أولي عند كثير من الممارسين ومن المستحيل أن يوبد الشخص عملاقا وإنما يحسن به أن يخطيء بالبداية حتي يتقدم في النهاية، وعن ذلك العرض الذي قدم علي منصة مسرح مديرية التربية والتعليم بالشرقية بقريق من تلاميذ وتلميذات مدرسة (الياسمين) بمنيا القمح أحد المدن المميزة علي خارطة العمل الفني والأدبي والثقافي بمحافظة الشرقية ولأن العرض المسرحي لا يتجزأ لذلك أقول أن الجمهور الواعي عاشق المسرح من ضمن عوامل نجاح العمل الفني المسرحي بهذه المدينة الشرقاوية التي سبق لنا الكتابة عن تجاربها الرائدة في مجال مسرحة المناهج المدرسية حيث يقوم فريق من الأخصائيين والتلاميذ ببناء مجد مسرحي غير مسبوق علي حد علمي في قرية (شبرا العتب) بمسرحتهم لمناهج العلوم والرياضيات بتلك القرية النائية ويستمر النجاح بأن يقدم لنا المخرج المتميز «محمد السيد» عرضاً من تأليف أسامة عبد الرؤوف أبو طالب وهو اسم جديد في دنيا الكتابة المسرحية لكنه يملك موهبة فطرية عصامية في الكتابة لأنه لم يتعرض لدراسة المسرح بأي مؤسسة ثقافية ولديه مشروع لطيف يسعي لتحقيقه في الكتابة للأطفال حيث صاغ نص (ملك الغابة وبيت الأرانب) والذي فيه تري الغابة وكأنها صورة للحياة البشرية كما هو الحال في كليلة ودمنا وغيرها من المنتجات الأدبية التي استعارت البيئة الحيوانية التي جعلها الكاتب معادلاً مسرحياً لما يجري في الحياة التي حرص علي أن يلتزم ما فيها من ثقافة بشأن الحيوانات إذ تجد الأسد هو الملك كما هو معروف لدي عامة الناس وأيضاً الثعلب هو الشخص الماكر الذي يفكر للأسد أفكار تعجبه حتي تسقطه في شر أعماله فيستوعب المكر ويفر عندما يظن أنه قضي عليه، وتتعلق الحكاية هذه المرة ببيت الأرانب الذي ينصح الثعلب الأسد أن يتخذه مخزناً لأطعمته التي يدخرها للأيام الصعبة التي تهاجم فيها العاصفة الغابة ويصبح الوضع غير مناسب للحصول علي طعام وتعجب الفكرة الأسد ويقرر علي الفور أن ينتزع بيت الأرانب بمساعدة الثعلب بتدبير حيلة لإخلاء المكان ولكن الفراشة تسمع وتشاهد ما يحدث وتلجأ إلي القرد الحكيم وتطلب منه أن يدبر حيله لإنقاذ الأرانب مما يفكر فيه الملك الأسد وعلي الفور يستدعي القرد جميع الحيوانات ويستشيرهم في الأمر ويتفقوا جميعهم علي الوقوف صف واحد في مواجهة الأسد وتقرر الغزال أن تتسلل إلي عربة الأسد وتغلقه من الداخل لكي تمنعه من نقل أطعمته إلي بيت الأرانب ويقوم الحمار بتعطيل الأسد حتي تتمكن الغزالة من تنفيذ خطتها ولأنه أساء إلي الأرانب الطيبين سقط الأسد في شباك الصياد وكاد يودع الغابة ويلقي مصير لا يتمناه بأن يساق إلي السيرك لولا تدخل الحيوانات مجدداً وإنقاذهم له مما وقع فيه من خطر، وبعد نجاته يقرر أن يعيد للأرانب عشهم ويتركهم يعيشون في سلام ويقرر أيضاً أن يطرد الثعلب المكار من الغابة ليواجه العاصفة وحيداً ذليلاً عقاباً له عما يأتيه من خبث ومكر.
وهكذا نري كم هو بسيط هذا النص كأنه من مفردات حياة الأطفال الذين تحتاج الكتابة لهم إلي موهبة تتسم بتلك البساطة حكاية تراها كالسهل الممتنع حبكة بسيطة وخيال برئ يتجول بكل يسر في رحاب حدث واضح ينتهي بالبساطة نفسها بعدما يحصل المذنب علي عقابه ويعود للغابة أمنها وسلامها والأهم من كل ذلك هي موهبة الأطفال الذين قدموا العرض في إطار من المزج بين الديكور والملابس بالإضافة إلي المكياج المكمل للشخصية في انسجام تام تجد الولد الذي أدي دور الأسد متعايش مع الشخصية فيتسم بالتكبر والغرور أول العرض ثم ينكسر تماماً عندما يقع بقبضة الصياد ويؤدي دوره كحاكم عادل وملك عاد إليه صوابه فيطرد الثعلب الذي حرضه والذي قامت بدورة تلميذة خفيفة الظل جاءت في قلب الشخصية لأنها خفيفة الظل دائماً مظهر من مظاهر الذكاء ولا أحد يذكر أن الثعلب حيوان ذكي وإلا لما استطاع في كل غابة أن يجعل افكاره تفوق الملك وغيره من الحيوانات الأقوى منه إلي ما يريد هو أن يصنعه أي أنه بذكائه يحرك الأخرين نحو ما يريد، وهذا العرض من أسباب نجاحه العنصر التمثيلي إذا نجد أن أغلب من شارك بالعرض من أولاد وبنات كانوا من الموهوبين أصحاب الوجوه المعبرة والأصوات العالية واضحة المخارج الملائمة وكان كل واحد منهم في الشخصية التي تناسبه بمعايير المسرح فتجد الأسد وهو ملك الغابة أطول المشاركين بالعرض علي الإطلاق وصوته عالي وبعد انسجامه مع الملابس التقليدية للأسد وتنكره بالمكياج أصبح كأنه هو الشخصية نفسها وكذلك باقي التلاميذ ولذلك لم يكن للديكور حضور يذكر إذ كان عبارة عن أشجار متعددة الأنواع مجرد خلفية للغابة تجري في وسطها الأحداث التي تفاعل معها الجمهور بطريقة فريدة تؤكد لنا أن عروض الأطفال لا تحتاج إلي ماديات تذكر وإنما تتطلب مواهب بشرية حقيقية من تلك التي تطرحها أرض مصر في كل مدينة من مدنها وقرية من قراها فهذا العرض الذي أنتج بملاليم يفوق في قيمته الثقافية والمعنوية والفنية عروضاً ترفع شعارات واهيه وتتكلف عشرات الملايين.


محمود كحيلة