المسرح التونسي في الدوريات المصرية 1955 - 1963

المسرح التونسي في الدوريات المصرية 1955 - 1963

العدد 762 صدر بتاريخ 4أبريل2022

في مايو 1955 نشرت مجلة «الفن» صورة جماعية عنوانها «في منزل الكاتب الكبير محمود تيمور»، وعلقت عليها قائلة: «أقام الكاتب الكبير الأستاذ محمود تيمور وليمة إفطار في الأسبوع الماضي، وجه الدعوة فيها للفيف من السادة التونسيين المعنيين بشئون المسرح والأدب، يقومون بزيارة مصر في هذه الآونة. وهم السادة الأساتذة: الهادي السهيلي، الهادي المتهني، حسن بحيرة. كذلك دعي إلى هذه الوليمة الفنان الكبير الأستاذ زكي طليمات وبعض رجال الصحافة. وبعد تناول الإفطار عقد في صالون المنزل ندوة أدبية تحدث فيها الأستاذ زكي طليمات عن المستقبل اللامع الذي ينتظر المسرح التونسي. ولقد وعد الكاتب الكبير الأستاذ تيمور، وكذلك الأستاذ عبد الشافي القشاشي رئيس تحرير الفن بزيارة تونس خلال الشهور القليلة المقبلة. والفن تسجل على الأستاذ تيمور وعلى رئيس تحريرها هذا الوعد».
وفي ديسمبر 1956 نشرت مجلة «الكواكب» - من خلال مراسلها - تقريراً شاملاً حول نهضة تونس الفنية، قال فيه: «.. تتجسم الآن النهضة التمثيلية في تونس في ثلاث مؤسسات تعمل كلها هنا في العاصمة: «فرقة الإذاعة» و«الفرقة البلدية» و«مدرسة التمثيل العربي». فمنذ سنة 1950، أي من تاريخ زيارة الفرقة القومية لتونس اقتنع التونسيون بأن الهواية لا تسمح بتجاوز درجة محدودة من القيمة الفنية، وبأن الاحتراف أمر متحتم لرفع مستوى الفن المسرحي إلى الدرجة المنشودة فأخذ الممثلون يطالبون بإنشاء فرقة قومية على غرار الفرقة المصرية، وأخذ الشعب يطالب بخلق الممثلات والممثلين الأكفاء الواعين لرسالتهم المثقفين إلى جانب مواهبهم الثقافة المسرحية الصميمة. لكن كانت تونس لا تزال حتى هذا التاريخ تئن تحت نير الاستعمار، فلم يستجب لطلبات الممثلين والشعب مجيب، ولم تتحرك الحكومة إلا بعد موالاة الإلحاح فرصدت اعتماداً قدره 500,000 فرنك أي حوالي 500 جنيه مصري لتأسيس مدرسة للتمثيل العربي. وفي أواخر سنة 1952 قررت بلدية تونس تحت ضغط الحوادث الدامية التي كانت تجري وقتئذ في البلاد لتحريرها واستخلاص استقلالها من المستعمرين، تأسيس «فرقة بلدية» تساهم في نشر رسالة المجاهدين الأحرار. وتأسست هذه الفرقة بإدارة «الأستاذ محمد العقربي» خريج معهد رينيه سيمون في باريس والذي يسمونه «جورج أبيض تونس» لأنه يحاكيه في إجادة التراجيدي. ثم قررت الإذاعة التونسية أيضاً إنشاء فرقة تمثيل خاصة بها، وعملت المؤسسات الثلاث معاً، وبذلك وضعت أسس النهضة التمثيلية في تونس. ويرجع الفضل في تكوين فرقة الإذاعة إلى «السيد حمودة معالي» وهو من قدامى الممثلين التونسيين المتخصصين في الكوميدي الشعبي باللغة العامية. ونظراً لأن برامج الإذاعة تقتضي تقديم مسرحيات باللغة العربية الفصحى، فقد تعاقدت إدارة الإذاعة مع الأستاذ «كمال بركات» المخرج المصري ليشرف على إخراج المسرحيات الإذاعية، فأبدى نشاطاً عظيماً ووجد بين الممثلين التونسيين من أعانوه على القيام بمهمته على أحسن وجه ومنهم «محمد الهادي» و«توفيق العبدلي» و«صالح المهدي» و«توفيق عبيريقة» وغيرهم من الأكفاء. وقد أخرج كمال بركات للإذاعة التونسية عدداً كبيراً من المسرحيات في إتقان زائد، ونجحت برامجه التي اقتبسها عن ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة وكليلة ودمنه أعظم نجاح. وأصبحت برامج كمال بركات العربية الفصحى وبرامج حمودة معالي العامية الدارجة أنجح برامج الإذاعة التونسية. وتأسست الفرقة البلدية في أواخر سنة 1952 ورأى أعضاء بلدية تونس التي أسستها أن يسندوا مهمة إدارتها أولاً للأستاذ زكي طليمات .. فلما قدم إلى تونس كون الفرقة من الممثلين القدامى ومن خريجي مدرسة التمثيل وعلى رأس هؤلاء الممثلين القدامى «محمد بن التيجاني» و«أحمد التريكي» و«الهادي السملالي». وعين الأستاذ «محمد العقربي» مديراً فنياً للفرقة، وأخرجت الفرقة في أول سنة مسرحية «تاجر البندقية» ولم تكن موفقة في اختيارها من الناحية السياسية وكانت بطلتها أمينة نور الدين. ولم تنجح هذه المسرحية النجاح الذي كان ينتظره لها زكي طليمات فقدم بعدها مسرحيتي محمود تيمور «الحجاج» و«صقر قريش» فنجحتا نجاحاً باهراً. وخلق زكي طليمات جيلاً جدياً قوياً من الممثلين والفنيين التونسيين، وترك بعده تلميذاً نابغاً في الإخراج الذي أخرج مسرحية «ثورة الضعفاء» التي افتتحت بها الفرقة هذا الموسم بعد أن اضطر زكي طليمات للبقاء في مصر لإخراج مسرحية «ليل يا عين» للفرقة المسافرة إلى الصين. ويتولى إدارة الفرقة الآن الأستاذ العقربي، ويسير بها بخطى متئدة لكن ثابتة في طريق النجاح. وقد فتحت «مدرسة التمثيل» أبوابها في أول فبراير سنة 1951، ونظراً لضآلة الإعانة التي قررتها لها الحكومة فقد اضطرت إلى العمل مؤقتاً في دار إحدى المدارس الابتدائية النظامية بعد انتهاء الدروس من الساعة السادسة والنصف إلى الثامنة والنصف. ولم يكن هذا الوقت كافياً لتدريس برامجها. ونظراً لعدم وجود الفرق الحرة المحترفة، ولقلة عدد المسارح بتونس ولعدم وجود شركات سينمائية، فإن الحكومة لم تر فائدة في تحويل هذه المدرسة إلى معهد قومي للتمثيل يطالب تلاميذه وتلميذاته بالانقطاع للدراسة دون أن يعطلهم نشاط آخر، وهم غير واثقين في النهاية من الارتزاق بشهادة المدرسة. وبالرغم من جميع هذه الصعوبات التي اعترضت المدرسة من يوم نشأتها فإنها أخرجت عدداً لا يستهان به من الممثلين والممثلات الذين يعملون الآن بالإذاعة «نجوى» و«إكرام» و«محمد المحرزي» و«المسعودي»، أو بالفرقة البلدية «سعدية نور الدين» و«رشيد جارة» و«محمد الجودي» و«الجيلاني التونسي» و«نور الدين القصباوي»، أو بفرق الهواة في سائر بلاد تونس، وقدمت عدداً كبيراً من المسرحيات غالبها من ترجمة مدير المدرسة أو اقتباسه كمسرحيات «الوحش» و«حيل سكابان» و«حادث المقهى» و«برج نيل». كما أخرجت رواية «غرام يزيد» الشعرية من تأليف الشاعر المصري محمود غنيم. وفي هذه السنة استقلت المدرسة بدار خاصة بها ونظمت برامج الدراسة على نطاق واسع، فأصبحت تشتمل برامج نظرية تضم «مخارج الحروف» التي يدرسها عثمان الكعاك، وألف باء المسرح، وتاريخ المسرح العربي التي يدرسها محمد الحبيب، وتاريخ المسرح الأوروبي ويدرسه الطاهر قيقة، وتفسير أمهات المسرحيات العالمية ويدرسها الشاذلي القليبي والشاذلي أبو يحيى، وتفسير النصوص المسرحية ويدرسها أحمد الغريبي، وتاريخ الأدب العربي ويدرسه البشير العريبي، والإنشاء المسرحي، وتاريخ الإخراج ويدرسه مؤسس المدرسة ومديرها الأستاذ «حسن الزمرلي». هذا عدا البرامج التطبيقية التي تضم الإلقاء والتنسيق والتعبير البدني والرياضة والرقص والمبارزة والمكياج والملابس والإخراج. وتأسست فرقة «قدماء المدرسة» لتقديم بعض الحفلات النموذجية بإعانة من تلاميذ السنة الثالثة الذين لم يحصلوا على الشهادة النهائية. وفي يوم السبت الأول والثالث من كل شهر تقام ندوة بالمدرسة، ندوة حرة يتناول فيها أحد أساتذتها موضوعاً فنياً يشرحه ويناقشه الحاضرون فيه. وإلى جانب هذه المؤسسات الثلاث توجد فرق صغيرة للهواة منتشرة في بلاد تونس وقراها، وعلى الأخص في صفاقس التي بني بها أخيراً مسرح مصري جميل. وتضم مدرسة التمثيل في تونس الآن 6 طالبات، و70 طالباً، وقد رفعت الحكومة إعانتها لها إلى 1500,000 فرنك – أي 1500 جنيه مصري – ومنحتها البلدية إعانة سنوية 100 جنيه والدراسة بالمعهد مجانية وتوزع المحاضرات على الطلبة مطبوعة بالمجان أيضاً، ومديرها الأستاذ حسن الزمرلي يشغل منصباَ ثقافياً حكومياً كبيراً متصرف الحكومة التونسية في وزارة التربية والتعليم».
في يوليو 1957 نشرت جريدة «القاهرة» عنواناً غريباً وهو «كادت تكون أزمة فنية بين مصر وتونس»، وقالت في تفاصيله: «سافر الموسيقي «عطية شرارة» إلى تونس. وهناك اتفق مع بعض الفنانين والفنانات على أن يحضروا إلى مصر كفرقة تونسية غنائية راقصة. ولكي يذلل الأمور أمام الفرقة أظهر استعداده ليشترك في تموينها. وعاد عطية شرارة إلى مصر ولكنه أرسل خطاباً إلى تونس يقول فيه أنه يأسف لعدم استطاعته استقبال الفرقة في مصر لأن النقابات الفنية تعارض في استقدام أي فرق من تونس. وغضب التونسيون، وانطلقت الصحف التونسية تتحدث عن هذا التعسف من جانب النقابات المصرية. ولما علم اتحاد النقابات المهنية بمصر بتفاصيل الأزمة أرسل الخطاب التالي إلى السيد وزير الخارجية والدولة التونسية ورئيس بلدية تونس ورئيس تحرير جريدتي «العمل» و«الصباح» التونسيتين. وهذا نص الخطاب: (أشارت بعض الصحف التونسية في الأيام الأخيرة إلى أن النقابات المهنية الفنية في الجمهورية المصرية لا ترحب بمقدم فرق تونسية للموسيقى أو التمثيل إلى القاهرة. وذهبت الشائعات، كما رواها لنا بعض الزملاء القادمين من تونس، إلى الدعوى بأن هذه النقابات تضع العراقيل التي تحول دون مقدم هذه الفرق التونسية إلى وادي النيل. الأمر الذي أثار دهشتنا وأسلمنا إلى الحزن. ولهذا وجب إنزالاً للأمور منازلها الصحيحة أن نبادر بتكذيب كل هذا، ونصرح بأن اتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية بالجمهورية المصرية يرحب الترحيب كله بمقدم الفرق التونسية الشقيقة ويسعده أن يلتقي بأعضاء هذه الفرق في القاهرة، وفي ظل العروبة، لأننا من أحرص الناس على أن تزداد الصلات التي تجمع بين القطرين توفقاً يفضل مقدم هذه الفرق التونسية الشقيقة. والأمل معقود، وقد أجرينا هذا التصريح على أن يصفو الجو بين المسرحين العربيين التونسي والمصري، إذا كان حقاً قد شابه كدر، وأن يشق التبادل الثقافي الفني بين القطرين أفقاً جديداً من التعاون والازدهار. وتفضلوا بقبول عظيم الاحترام. [توقيعات] نقيب المهن التمثيلية «أحمد علام»، نقيب المهن السينمائية «فؤاد الجزايرلي»، نقيب المهن الموسيقية «عبد الحميد عبد الرحمن»).
وفي يناير 1963 بدأت الرقابة المسرحية في تونس، وأخبرتنا بذلك مجلة «الفن» على لسان مراسلها «أبو بثينة»، قائلاً: «شكلت إدارة الدولة للثقافة والإرشاد لجنة من الأساتذة: محمد النيفر وحمادي بن حليمة وحمادي الرزقي لمراقبة الروايات التي تقدمها الجمعيات التمثيلية، ولا يسمح لأي جمعية تتقدم برواية للجمهور إلا إذا وافقت عليها اللجنة وبهذا العمل ستغربل معظم الجمعيات إنتاجها». وقال المراسل أيضاً: «لأول مرة في تاريخ المسرح التونسي، تمثل رواية دون أن يعتمد ممثلوها على الملقن، وذلك في رواية «البُسطجي» التي قدمتها فرقة الإذاعة التمثيلية في «مهرجان الفنون الشعبية»، فقد حفظ الممثلون الرواية كلها، تهنئة من القلب على هذا المجهود». وقال أيضاً: «ستسافر فرقة المنار إلى الجزائر لتقدم بعض الحفلات هناك. وهذه هي الرحلة الثانية منذ أن استقل القطر الشقيق. كما ستسافر ثلاث فرق مسرحية إلى الجزائر، على التوالي، لتقدم هناك أنجح رواياتها، بحيث تسافر في كل شهر فرقة». وقال أيضاً: «ما أن يصدر هذا العدد إلا وتكون الفنانة فايزة أحمد مع المطربين كارم محمود وشفيق جلال وقطقوطة في تونس لتقديم بعض الحفلات الغنائية».
وفي فبراير 1963 قال المراسلة «أبو بثينة» في مجلة «الفن»: «يفكر المخرج المسرحي «علي بن عياد» في تقديم رواية «ريتشارد الثالث» في الهواء الطلق». وقال أيضاً: «ستسافر في هذا الشهر إلى الجزائر «فرقة المسرح الشعبي» لتقدم الرواية المحبوبة «أشكون يغلب النساء» خمس حفلات متتالية بعد أن تكون قد سبقتها إلى القطر الشقيق الفرقة البلدية للتمثيل لتعرض على مسارحها رواية «فخ لرجل فريد» وتدخل هاته الرحلات في نطاق التبادل الثقافي بين البلدين». وقال: «سيعود السيد البشير المتهني إلى الميدان المسرحي برواية «الطاغية» التي تقدمها جمعية تونس المسرحية بعد احتجاب طويل». وقال: «قدمت الفرقة البلدية تمثيلية «بنيلوبي» للكاتب المسرحي سومرست موم. وقد نجحت نجاحاً لا بأس به». كما أشار إلي أن «الرواية التي ضربت الرقم القياسي في النجاح إلى الآن مسرحية «أشكون يغلب النساء» التي اقتبسها «محمد بن علي» و«عبد السلام البشير» ومثلها مع أبطال المسرح الشعبي». وأخيراً قال: «سجلت فرقة الإذاعة التمثيلية رواية «مجنون ليلى» للمرحوم أحمد شوقي وقد كانت ناجحة فعلاً تمثيلاً وإخراجاً».
وفي إبريل 1963 نشرت مجلة «الفن» على غلافها صورة كتبت تعليقاً عليها قائلة: «صاحبة الصوت الساحر «عُليّة» المطربة رقم «1» في تونس». وفي مايو قال مراسل المجلة «أبو بثينة»: «سافرت الفرقة البلدية للتمثيل إلى باريس لتقدم على مسرح الأمم رواية «كاليجولا» التي كتبها المؤلف الفرنسي البير كامي وترجمها حسن الزمرلي وأخرجها علي بن عياد وهذه أول فرقة تمثيلية تونسية تسافر إلى أوروبا لتقدم على مسارحها الفن التونسي». كما قال المراسل: «نظمت كتابة الدولة للشئون الثقافية أسبوعاً فنياً احتوى على محاضرات في فنون المسرح والموسيقى والرسم. وافتتح الدروس الأستاذ حسن الزمرلي مدير الفرقة التمثيلية بمحاضرة عن تاريخ المسرح. وقد ساهم في هذا الأسبوع معظم الجمعيات الفنية في أنحاء الجمهورية. ومن الفرق التمثيلية فرقة «المسرح الشعبي» بروايتها الفكاهية «أشكون يغلب النساء»». وقال أيضاً: «شرف فخامة رئيس الجمهورية الحفلة التي أقامها الاتحاد النسائي وقدمت فيها الفرقة البلدية مسرحية «الكلو من عيشوشة» المقتبسة من رواية «طبيب رغم أنفه» للكاتب الفرنسي موليار». وقال كذلك: «بلغ عدد الحفلات التي قدمت فيها مسرحية «الحاج كلوف في الحمام» 49 مرة وهذا رقم قياسي لم تبلغه أية مسرحية من قبل». وفي يوليو قال: عرض السيد كاتب الدولة للشئون الثقافية على الآنسة «رفيقة الصيد» منحة دراسية بباريس للتخصص في المسرح والتليفزيون». وقال أيضاً: «قدم برنامج «اختبر ذكاءك» رواية «سيدي بوقفة» وهي رواية تحارب الشعوذة والدجل وقد نجح الزميل محمد بن علي في كتابتها ويظهر أنه أصبح متخصصاً في كتابة هذا النوع».


سيد علي إسماعيل