جولة فى شارع المسرح البريطانى

جولة فى شارع المسرح البريطانى

العدد 671 صدر بتاريخ 6يوليو2020

مسرحيات لا تنسى ...باب جديد بدأت الجارديان البريطانية نشره. وهذا الباب عبارة عن مجموعة من المقالات لعدد من نقاد الجريدة حول أهم الأعمال فى تاريخ المسرح البريطانى والتى يوصون بإعادة عرضها. وربما كان هذا الباب تقليدا لباب أخر نشرته الإندبندنت حول أبرز 50 مسرحية فى تاريخ المسرح البريطانى.
ويلفت الأنظار هنا أن تأتى فى مقدمة المسرحيات مسرحية “الإنقلاب” التى عرضت لأول مرة  عام  1991 على مسرح “كوتيسول” فى لندن.
المسرحية من تأليف الكاتب التريندادى المولد البريطانى الإقامة “مصطفى ماتورا” الذى رحل إلى العالم الأخر فى أكتوبر 2019 عن عمر ناهز 80 عاما. ولهذا الكاتب أهمية خاصة فى عالم المسرح البريطانى سنتناولها فيما بعد عندما نعرض للمسرحية.
تدور أحداث المسرحية فى إطار كوميدى فى مسقط رأس المؤلف فى دولة ترينداد وتوباجو الواقعة جنوب البحر الكاريبى عندما يقوم سكانها الذين يشكل السود نصفهم  بثورة على الاستعمار.
ويريد ماتورا أن يقول عن طريق المسرحية أن أسوأ ما يفعله الاستعمار عندما يحتل أمة ما هو أنه يجرد الشعوب  من هويتها ويجعلها تعيش أسيرة أيديولوجيات متصارعة. ويرى ان افضل حل لهذه المشكلة هو توعية أبناء الشعوب وتنويرهم بأنهم لا يقلون قدرة عن غيرهم. وقد خصص ماتورا أدبه المسرحى لتناول الأثار النفسية والسياسية على الشعوب الرازحة تحت الاحتلال مؤكدا أن الاستعمار لا يكون عسكريا فقط حتى لو بدا كذلك.
وسبق له أن عالج هذا الموضوع فى عدد من مسرحياته مثل ماس (1974) والويسكى والكوكاكولا (1976). لكن المعالجة فى هذه المسرحية كانت أكثر نضجا كما أجمع النقاد.
بطل العرض
ويرى ناقد الجارديان أن ماتورا نجح فى نقل هذه الفكرة عن طريق بطل العرض الممثل الزنجى تونى إرما (59 سنة)وهو ممثل بريطانى من اصول كاريبية ويعمل أيضا كراقص ومغن ومؤلف أغان وملحن.
وتستمد المسرحية أهميتها من تاريخ ترينداد وتوباجو الحافل بالغزاة بدا مع كريستوفر كولمبس عام 1498 ثم احتلال بريطانى ثم احتلال فرنسى ثم احتلال بريطانى وفرنسى فى وقت واحد ثم احتلال بريطانى حتى استقلالها عام 1926. ويعد هذا التاريخ متأخرا كثيرا بمعايير أمريكا اللاتينية حيث بدات دولها تحقق استقلالها منذ مطلع القرن 19 كما هو الحال مع البرازيل والأرجنتين.
وتدور المسرحية حول رئيس افتراضى لدولة ترينداد وتوباجو يتعرض للعزل والسجن. ويحاول الرئيس العودة إلى منصبه بعدة طرق منها الاتصال بأجنحة متصارعة أحدها موال لأمريكا والأخر للاتحاد السوفيتى السابق (لم يكن قد تفكك بعد) لتحريضها على الثورة على الحكومة الإنقلابية .
وفى هذا السبيل تحث العديد من المواقف الطريفة التى تفجر الضحكات خاصة عندما يظهر العرض إسلوب الحياة الأمريكى الذى يعيشه عملاء أمريكا وإتصالاتهم مع المخابرات الأمريكية ومحاولاتهم إغراء الناس بالوجبات الأمريكية السريعة وأفلام الكرتون وأسلوب حياة عملاء الاتحاد السوفيتى واتصالاتهم بالمخابرات الروسية. وفى اتصالاته مع هذه الأجنحة يؤكد الرئيس المعزول على أن الاستعمار جعل الأمة تفقد هويتها وتتناسى تاريخها.
أشكال متنوعة
ويرى ناقد الجارديان أن براعة ماتورا فى النص تكمن فى كشفه عن الأشكال المتنوعة التى يتخذها الاستعمار حيث لا يقتصر على الاحتلال العسكرى السافر. فهناك مثلا الاستعمار الثقافى. ومن أشكاله الواضحة تسمية شارع رئيسى فى العاصمة بورت أو برنس باسم الجنرال “ابيركومبى” قائد قوات الغزو البريطانى عام 1793. كما أن بعض قادة الجيش يتدربون فى دول خارجية ليصبحوا عملاء لها عندما يعودون إلى بلادهم.
ويقول ناقد الجارديان أن الضحكات تفجرت بقوة فى مشهد فرقة الإعدام التى أرادت إعدام أحد المعارضين فطلب قبل إعدامه قداحة ليشعل بها سيجارته.
ولا بأس فى النهاية من القاء بعض الضوء على حياة مصطفى ماتورا لأنه لم يكن أديبا عاديا. فهو من مواليد ترينداد وتوباجو. وقد هاجر إلى بريطانيا عام 1962 وعمل لبعض الوقت ممرضا باحدى المستشفيات قبل أن يحقق حلمه بالعمل فى الفن المسرحى فى روما كمساعد مخرج ثم عاد إلى بريطانيا ليواصل حياته المسرحية حتى وفاته.
 ولم يكن ماتورا من السود تماما لكنه كرس جزءا كبيرا من ابداعاته المسرحية من أجلهم ومن أجل التعبير عن قضاياهم. وعلاوة على ذلك ساهم فى إنشاء “تعاونية المسرح الاسود“عام 1978 لدعم الأنشطة المسرحية للسود ودعم كتاب المسرح المجيدين  والممثلين الموهوبين منهم.
فهو ابن لتاجر سيارات مهاجر من الهند هو شاندرا ماتورا وابن لبائعة فى أحد المتاجر تدعى فيوليت أشبروك التى كانت من اصول أوروبية وأفريقية وكريولية وربما كان ذلك وراء تصنيفه كاتبا من السود رغم أنه لم يكن أسود البشرة.
وكان اسمه الأصلى نويل ماتورا لكنه استبدل نويل بمصطفى عندما هاجر إلى بريطانيا. ولايعرف السبب فى اختياره هذا الاسم خاصة أنه لم يعتنق الإسلام.
وكان أول كاتب من ترينداد تعرض له مسرحية على مسارح وست اند فى لندن (معادل برودواى فى نيويورك). وكان ذلك فى عام 1974 فى مسرحية ماس. كما ساهم فى اعداد معالجات مسرحية للاعمال المسرحية الكبرى ليفترض أنها تدور فى مجتمعات السود كما حدث مع مسرحية الشقيقات الثلاث للأديب الروسى تشيكوف.
 ويقول ماتورا أنه يعتبر نفسه صاحب موهبة طبيعية صقلتها تجاربه منذ نشاته فى ترينداد وحتى هجرته إلى بريطانيا وقراءاته المتتنوعة والعميقة والوظائف العديدة التى عمل بها سواء كممرض أو مندوب تأمين أو موظف استقبال فى فندق ورغبته فى أن يكون معبرا عن السود المهاجرين إلى بريطانيا.
وكانت بدايته مع مسرحيات قصيرة كتبها وكانت تعرض فى أحياء السود وتعالج مشاكلهم.
ويقول النقاد أن حواره فى مسرحياته تميز بالألفاظ متعددة المعانى وإدخال ألفاظ عامية من اللغة الكريولية وهى لغة عامية مولدة من الفرنسية .
شكسبير للجميع
معركة نقدية مسرحية طريفة دارت فى بريطانيا منذ أيام. كان الطرف الأول فى  المعركة فرقة شكسبير المسرحية الملكية. أما الطرف الأخر فهو جريدة الصانداى تايمز.  
أما موضوع الخلاف فهو مسرحية روميو وجولييت لشاعر الإنجليزية الأول وليم شكسبير. نشرت الصحيفة نقدا لمسرحية روميو وجوليت التى تعرضها الفرقة حاليا قارنت فيه بعض أخر لمسرحية ماكبث بثته هيئة الإذاعة البريطانية. رجح ناقد الصحيفة كفة عرض ماكبث. واعتبر أن أهم نقاط الضعف فى عرض روميو وجولييت هو أن طاقم الممثلين كان منوعا بشكل مبهرج ‘garishly divers . واعتبرت الصانداى تايمز فى تعليقها أن عرض ماكبث لم يقع فى هذا الخطأ.
  رفض المدير الفنى لفرقة شكسبير المسرحية هذا النقد وقال أن العرض عبارة عن رؤية حديثة ومعاصرة لهذه المسرحية الخالدة لشكسبير. وقام فيها الممثل البريطانى صاحب الأصول الأسيوية بالى جال بدور روميو والممثلة الأسكتلندية كارين فيشويك بدور جوليت.
حرية ..ولكن
ولا تعترض الفرقة على حق النقد فهو مكفول، لكن غير المقبول اللغة العنصرية التى إستخدمها ناقد الصانداى تايمز. فهو يشير بطريقة غير مباشرة إلى أن الفرقة قدمت المسرحية بأبطال لا تشير ملامحهم إلى أنهم إيطاليون حسبما جرت أحداث المسرحية مما يفقد المسرحية جزءا كبيرا من قدرتها على إقناع المشاهدين.
وعلق مدير الفرقة على هذا النقد قائلا أنه نوع من العنصرية. ذلك أن تراث شكسبير بات ملكا للإنسانية يمكن لمن يريد أن يجسده بصرف النظر عن اللون والملامح وحتى الجنس. كما أن شخصيات شكسبير تكون عادة مركبة فيمكن أن نجد شخصيات نسائية يجسدها رجال والعكس. وهذا الأمر معروف منذ عهد شكسبير نفسه.
 كما أن مسرحيات شكسبير تقدم فى العالم كله بممثلين من كافة الأجناس. وبريطانيا حافلة بمواهب مسرحية من كل الأعراق. ويمكن اعتبار نقد الصانداى تايمز نوعا من الأحكام المسبقة التى تقيم وجوه الممثلين قبل أن تقيم أداءهم.
واعتذرت صحيفة الصانداى تايمز عن عبارتها وتعهدت بعدم استخدام مثل هذا التصنيف مستقبلا وقامت بحذف العبارة من على موقعها على الإنترنت.


ترجمة هشام عبد الرءوف