الإيهام وفقدان الثقة في المسرح(2-2)

الإيهام وفقدان الثقة في المسرح(2-2)

العدد 668 صدر بتاريخ 15يونيو2020

 ولكنها طريقة الكلام أيضا ؛ لأن الحياة العاطفية المحتملة للشخصية لا يتم تناولها بالكامل بواسطة المؤدي . فالمؤدي مثلا ليس مستعدا لركوب سفينة إلى استوكهولم باسم جديد من أجل حياة جديدة . فالمؤدي مستعد للأداء : فقط بعد ردود الفعل المحتملة للشخصية هي ذات صلة بما سماه ستانسلافسكي “ فكرة المسرحية “ .
 هنا، ثانيا، يٌعتقد أن أن هذا هو المقصود من القول إن المؤدي في المذهب الطبيعي “ يقدم إيهاما بأنه متطابق مع الشخصية “ . ويمكننا أن نقول لأن المؤدي ليس هو تلك الشخصية فعلا ( ولا يحاول أن يكون الشخصية فعلا )، يمكن أن يوصف المؤدي في النهاية بأنه يتظاهر بأنه الشخصية من خلال الحضور والمظهر الزائف . ولكن هذا رجوع الي الوراء . لأنه إذا استعد شخص للسفر إلى استوكهولم، باسم جديد وما الي ذلك، فان هذا هو التظاهر التزوير . لأن البيئة السياقية التي نستخدمها بشكل أساسي لكلمة “ انتحال الشخصية “ غائبة ببساطة في حالة التمثيل . وبدلا منها نجد المؤسسة الثقافية للمسرح مؤسسة تقليدية، علي حد تعبير بريخت، تتعلق بتمثيل حي للأحداث المروية أو المبتكرة بين الناس . فالمذهب الطبيعي لا يعدو كونه تقليد واحد داخل شكل تلك المؤسسة .
 ومع ذلك، ربما ترتبط كلمة “ إيهام” بالتقاليد بالطريقة التالية . السمة المركزية لهذا الأسلوب التمثيلي، مرة أخرى، هي أن يأخذ المؤدي، بصفته الشخصية، ردود الفعل العاطفية ( المختارة بعناية) للشخصية من أجل تمكين الأداء من استكشاف المشاعر الداخلية للبشر . ويسمى هذا التناول بالطبع “ إيهام “ لأنه جزئيا ليس تناولا كاملا . بمعنى أن المظهر يبدو كأنه إنسان كامل أمامنا، في حين أنه ليس كذلك . ورغم ذلك يمكننا أن نسمي هذا “ المظهر الزائف” . ولكن من المهم أن نلاحظ أن “ الواقع الذي يمكن أن نقارن به المظهر ليس هو واقع المؤدي ولكنه الإنسان الذي تمت إزالته والذي تم رسمه فقط ووضعه في بؤرة تركيز معينة، بواسطة المؤلف والمؤدي . وبهذا المعنى لابد لنا أن نفهم رغم ذلك فكرة ايهام هوية الشخصية/ المؤدي .
 المسار الثالث التي يمكن أن نسير فيه هو كالتالي . تملك تقاليد التمثيل في المذهب الطبيعي سيناريو نموذجي للمؤدي يمر بها وهو التركيز الخاص لعناصر معينة في المسرحية الدرامية . ففي الدراما تندرج الشخصية تحت سلسلة من الفصول التي تؤدي ( بشكل لا مفر منه) إلى مشهد الإدراك ؛ ففي أسلوب تمثيل مسرحيات المذهب الطبيعي، يجب أن يركز الممثل هذه الحركة علي الحياة العاطفية للشخصية بحيث يكون التأثير هو رفع الحجاب الذي يخفي ( عن الآخرين أو عن الشخصية) المشاعر الداخلية الحقيقية للشخصية . وهنا يتضح أننا ربما نستخدم كلمة “ إيهام “، بمعنيين مختلفين علي الأقل . فمن ناحية، ربما نقول ان المؤدي يجب أن يعرض الشخصية ويقدمها علي أن لديها أوهام ( وتحديدا الافتراض الخاطئ بأن الشخصية تعرف نفسها ) . ومن الناحية الأخرى، تقدم كل شخصية للشخصيات الأخرى مظهرا زائفا : لأن كل شخصية ( أو أغلب الشخصيات ) سوف يتم أداؤها باعتبارها غير واعية بالحياة العاطفية الحقيقية لبعض من الشخصيات الأخرى علي الأقل ؛ ويتطلب هذا من كل منهم أن يكون شيئا من الحياة الداخلية خفيا حتى اللحظة المناسبة في النص ( إذا كان هناك نص) لأن تلك الحياة الخفية يجب أن تتضح إما للجمهور، أو الشخصيات الأخرى، أو ربما لكيهما . ولكن في أي من هذه الحالات، مرة أخرى، هل للإيهام المقصود علاقة وثيقة بمفهوم “ إيهام “ هوية الشخصية – المؤدي .
 والمسار الرابع لفهم هذا التعبير هو تأمل التناظر بين ملامح مهمة في تقاليد التمثيل في المذهب الطبيعي وفن التصوير الزيتي الإيهامي Illusionist Painting. ففي كل حالة يتم إخفاء الوسائل التي تتحقق بها آثارها بشكل متعمد . ومثل مشاهد اللوحة الإيهامية بضربات فرشاتها الناعمة لا يرى مشاهد المسرحية الطبيعية جهد المؤدين . إذ لا يتم تذكيرنا بأسابيع الإعداد، ولاسيما حقيقة أن حركة الذراع، وربما هذا الإحساس الخزي ( ربما الحقيقي فعلا) قد تم اختياره لتقديمه . فكل ما يمكن أن يقاطع استرجاع ردود الفعل العميقة هذه قد تم إخفائه عن المشاهدين .
 فيما يتعلق بهذا الأمر، تجدر الإشارة إلى أنني إذا أخفيت الجهد المبذول لإعداد الدور، فربما أمنح الإيهام شيئا ما : ومن السهل القيام بذلك، مثلا، أو أن تكون ردود الفعل هذه تلقائية ( أكثر أهمية مثلا ) . ولكن المتفرجين الذين يفهمون تقاليد المسرح لن يقنعهم مقدار الإخفاء بأن ذلك الذي يقف علي خشبة المسرح هو شخصية المؤلف ( وليس المؤدي) . ويعي ( بريخت) نفسه ذلك أحيانا . واذا لم نوافق علي استحضار هذه المشاعر فقط في الجمهور – ولم يصححها بريخت – فقد نسعى إلى إيجاد تقاليد جديدة للتمثيل لا يختفي فيها جهد الإعداد والاختيار – وقد فعل بريخت ذلك . ولكن هذا يوحي بأن تعبير “ إيهام هوية الشخصية- الممثل “ انها تسمية خاطئة للتقاليد التي يمتلك خلالها المؤدون تطابقا عاطفيا مع الشخصيات من أجل تركيز انتباه الجمهور علي الشخصية فقط . ] في هذه الحالة تستخدم عبارة “ التطابق مع “ بمعنى أنه يمكن أن يساند أحدهم آخر في نزاع، ولكنها تستخدم تقريبا بالمعنى الذي قد يتعامل به شخص ما مع آخر يعاني من الألم أو يعرف ويشعر كيف يكون ذلك في حياة شخص آخر . {.
 وهناك أسباب أخرى ربما تعيدنا رغم ذلك إلى الوراء، للوهلة الأولى، إلى فكرة أن التمثيل ينطوي علي مظاهر زائفة أو خادعة . فمثلا، من المعروف للمؤدين والمتفرجين، علي حد سواء، أنه يمكن أن يكون هناك نوع من الاستيعاب التام في التقديم . وهذا، الذي يوصف أحيانا بأنه حالة التدفق، هو بالطبع ليس ظاهرة غريبة خصوصا، وليس مقصورا علي التمثيل . إنها تجربة مر بها العدائين والموسيقيين والرياضيين – وربما مرت بالجميع في مواقف معينة . ولأننا نصف هذا أحيانا بأنه “ نسيان الذات في الفعالية “ يبدو من الطبيعي أن نعتقد أننا عندما نقول إن المؤدي في المذهب الطبيعي “ينسى نفسه في الشخصية “ فإننا نعني نفس الشيء . ويتم تعزيز هذا من خلال حقيقة أنه عندما يخرج المؤدي من التدفق، يبدو ذلك واضحا فورا لبقية المجموعة وغالبا للجمهور أيضا . وقد يصبح الجمهور الواعي مدركا للمؤدي في مقابل الشخصية . وبالتالي، يقصد بهذه الطريقة الاعتقاد بأن الخروج من التدفق يفضح إيهام هوية المؤدي- الشخصية، يتعرض المؤدي الي انتحال شخصية أخرى، فيقدم مظهرا زائفا أو مخادعا .
 وسوف تظهر لمحة موجزة عن حالة موازية، ولكن هذه الفكرة خاطئة . فالعداء مثلا ربما يخرج عن التدفق، ويصحو، كما نقول، ويجد نفسه علي بعد عشرين ياردة من أقرب منافس . ونحن الذين نشاهد ربما نلاحظ أو لا نلاحظ هذا : ولكننا إذا لاحظنا فيمكن أن نلاحظ أيضا أنه يصارع ( وما إلى ذلك) . ربما يستخدم هذا المثال لتذكيرنا بعدة أشياء عن هذه الظاهرة الشائعة . أولا، تتعلق الحالات النموذجية التي ينغمس فيه الناس في التدفق بامتلاكهم المهارات في الفعالية – وأنهم بممارستهم للمهارة يمكن أن يشعروا بالميكانيكية والطبيعية والتلقائية ( وهو التدفق). ثانيا، إن ما نشير اله هنا ليس مجرد حالة داخلية، إنها طريقة السلوك التي يمكن أن يلاحظها الآخرون بسهولة . ويمكننا أن نقول متى يدخل شخص ما في هذه الحالة ومتى يتعثر في ذلك في أغلب الحالات . ولكن ثالثا، ربما هناك صعوبة في حالات أخرى أن نقول ( عندما يتعثر لاعب التنس مثلا) ما إذا كانت مسألة خروج عن التدفق، أو استمرار في التدفق ولكنه وصول إلى حدود المهارة . ومع ذلك، في الحالة التي نستطيع أن نقول فيها، فلن يكون من المعقول أن نفترض أننا واجهنا إيهاما قد تم عرضه علي الفور، أو أن العداء أو لاعب التنس كان لهما مظهرا مخادعا أو زائفا . من ماذا ؟ .
 ما يجب أن توحي به لنا هذه التعليقات هو أن هناك فرق بين هذه الطريقة الشائعة في السلوك والمهارات التقليدية لأسلوب التمثيل في المذهب الطبيعي . وللتأكيد، لكي نمثل جيدا وفقا للتقاليد – لانجاز تقديم الشخصية بحيث يركز الجمهور علي مشاعرها - فمن الضروري أن تنغمس في التدفق . فكثير من تدريبات التمثيل معدة لتطوير وتنمية موهبة لهذا النوع من الاستيعاب أو المشاركة في التقديم بالضبط . ولكن يمكن للمؤدي أن يمثل بشكل شيء وبائس داخل الأسلوب التقليدي . علاوة عي أن الانغماس في التدفق ربما يكون مطلوبا للتمثيل الجيد في أساليب تقليدية أخرى، حتى أسلوب بريخت .
 المسار النهائي الذي يبدو أنه يؤدي إلى فكرة أن التمثيل ينطوي علي مظاهر زائفة أو خادعة ينتج من النظر في الحالات التي لا يتم فيها تمييز التمثيل باعتباره كذلك بواسطة المشاهدين . ويقد يحدث هذا أحيانا في “ مسرح الشارع” وفي المناسبات التي تعرض فيها هذه الأحداث بشكل متعمد علي خشبة المسرح بهذه الطريقة . وإذا فكرنا في مثل هذه الحالات بطريقة واحدة فربما نقول انه نظر لأن الجمهور هو غير المقصود، أو يمكن أن يتم، فانه يتم من خلال نفس السلوك الذي، بالنظر إلى الحالة في المسرح الذي يمكن أن يعترفوا بأنه تمثيل ( أداء وفقا لتقاليد)، فلا فرق في النهاية بين من منظور المنطق بين التمثيل وانتحال الهوية . ونظرا لأن الظواهر متطابقة وأن انتحال الشخصية هو مظهر زائف أو مخادع، فلا بد أن يكون التمثيل كذلك أيضا .
 في حين أن هذه الطريقة في تفسير هذه الحالات مثيرة، فإنها خاطئة من عدة سبل . أولا، كما هو معروف في نظرية الفعل، هناك فروق مهمة بين السلوك والفعل . فمن ناحية، يمكننا أن نشارك بعدة طرق (سلوكيا ) في تنفيذ نفس الفعل : عندما أتصل بك علي التليفون فربما أضغط علي الزر، وتحويل الاتصال الهاتفي، وأدير القرص . ومن الناحية الأخرى، ربما يكون جزء السلوك المتطابق، في سياقات أو دوافع مختلفة، أفعلا مختلفة : فمثلا يجوز لي أن أمسك بابا به شريط، ويحدث فرقا فيما أفعله إذا كان الأمر كذلك، سواء كان بابي أو باب البنك . وبهذه الطريقة يمكننا أن نرى أنه، حتى إذا اشترك المؤدون في نفس السلوك في الشارع الذي يوظفونه في المسرح، فان هذا لا يستتبع تلقائيا ألا يكون هناك فرق بين التمثيل وانتحال الشخصية .
 ثالثا، تفترض طريقة التفكير هذه أن ما يحدث في أحداث مسرح الشارع هو انتحال للشخصية . ولكن هذا ليس واضحا مطلقا. هناك حالتان هنا . إذا صادف شخص أحدى أحداث مسرح الشارع وظن خطئا أنه، علي سبيل المثال، مناقشة غير مقدمة علي خشبة المسرح، فمن المؤكد أن هذا لا يعنى أن المؤدون ينتحلون أو يعرضون مظاهر زائفة أو خادعة . فالشخص في هذه الحالة مثل “رويال تايلور جوناثان “ : إذ أن جوناثان لم يعرف أنه كان يشاهد، لأنه لم يكن يعلم مثل هذا السلوك التقليدي ؛ والشخص في الشارع أيضا لا يعرف أن ما يدور، وما يراه، لأنه لم يكن يعرف أنه يتم استخدام تقاليد .
 ولكن ماذا عن الحالة التي يتم فيها عرض الحدث علي خشبة المسرح بشكل متعمد حتى لا يدرك الذين يشاهدون، وربما يشاركون في الحدث، أنه يتم عرضه؟ من الواضح أن هؤلاء الأشخاص قد ضلوا، وربما ينبغي أن نقول إنهم مضللين : من الواضح أن المؤدين يمنحون الإيهام شيئا ما . ولا يكفي أن نقول ان هؤلاء الناس لا يعرفون فحسب ما يدور لأنهم لا يدركون أن تقاليد التمثيل تلك يتم استخدامها . ولا يكفي أن نقول أيضا إن الإيهام الذي يقدمه المؤدون هو إيهام للموقف . باختصار، تبدو للغة انتحال الشخصية والمظاهر الزائفة والمخادعة موطئ قدم هنا . بالإضافة إلى ذلك، إذا افترضنا أن تقاليد التمثيل في المذهب الطبيعي هي الأكثر ملائمة لانجاز مثل هذا الحدث،فمن الواضح ( من وجهة نظر سلوكية علي الأقل ) أن يكون التمثيل وفقا لتقاليد المذهب الطبيعي وانتحال الهوية ظاهرتين متشابهتين .
 إنهما متماثلان وليسا متطابقين . فهناك اختلافات مهمة بين هذه الحالة ونماذج انتحال الشخصية، أو تقديم المظاهر الزائفة في الحياة العادية . في المقام الأول، بغض النظر عن المشاركة، فربما لا يشار إلى الأشخاص الذين يتم عرض الحدث لهم بشكل صحيح تماما باعتبارهم مشاهدين علي نحو ما علي سبيل المثال، فان علامة الفنان المخادع ليست كذلك . وفي المقام الثاني، علي الرغم من عدم ملاحظة الإطار الفني، مع أنه ملحوظ في الواقع، فانه ما يزال موجودا . أي أنه اذا تعرّف شخص من الحضور علي المؤدين باعتبار أنهم أعضاء الفرقة المسرحية ويصرخ عليهم، فان مكانة الجمهور في هذه الحالة سوف تختلف تماما عن حالة مجموعة الأشخاص الذين يكتشفون أن الكاهن والمشاركين في الحضور منتحلون . ففي كل حالة، بالطبع، قد يشعر الناس بالخداع والإحراج، ويصبحون عدائيين، ولكن في الحالة الأخيرة يمكنهم أن يزعموا أنهم تعرضوا للأذى ( من خلال حقوقهم في بعض التوقعات المهمة المنتهكة) . ويعلق هذا الفرق بادراك أن الحالة هي “ إطار فني “ ( حتى لو لم يٌلاحظ) والثانية ليست كذلك .
 وأخيرا، نحن مدعومون في هذه النقطة مرة أخرى برأي (بريخت ). فمن المثير للاهتمام ( مرة أخرى)، وعلي الرغم من كل ما قد يكون مقصودا بالتعبيرات التي دفعتنا للمضي قدما في هذا الجزء، فان اعتراض ( بريخت) علي التمثيل بأسلوب المذهب الطبيعي لا علاقة له بالمؤدي الذي يقدم مظهرا زائفا بأنه ليس مؤديا . فهو يعترض بدلا من ذلك لأن تبني المؤدي لوجهات نظر الشخصية، في هذا الأسلوب من التمثيل، يخلق نموذجا متجانسا ويحمل المتفرجين عاطفيا معه (بدون استفسار) . يتم حمل الجميع بعيدا عن طريق زخم الأحداث المصورة، بحيث يكون أداء “ أوديب “ الذي لدينا بسبب كل الأغراض العملية هو قاعة مليئة بنماذج صغيرة لأوديب . وقد روع كلا هذان التأثيران ( بريخت) . الأول لأنه في أي تقديم للموقف الذي توضح فيه الحقائق الاجتماعية للفرد الحياة العاطفية للفرد الذي لم يكن متجانسا بل ممزق ومتناقض . والثاني بالضبط بسبب الإلحاح علي عواطف المتفرجين . وكما يقول ( بريخت ) :(في أحد الأماكن المتعددة) :
 يهمني رأي الناس أكثر من مشاعرهم . فالمشاعر عادة نتاج الآراء . تتبعها، ولكن الآراء حاسمة .
لذلك بدلا من معاملة المتفرج باعتباره “ غوغاء “ يمكن الوصول اليه فقط من خلال العواطف، سعى بريخت إلى معالجة المتفرجين كمجموعة من الأفراد القادرين علي التفكير والاستنتاج باعتبارهم أفراد ذوي نضج ذهني وعاطفي .
 ولتحقيق هذا، ففد حدثت محاولات في أسلوب التمثيل الذي يشرك المشاهدين في نوع معين من المشاهدة النقدية . وقد تم وصف نموذج أسلوب التمثيل الجديد هذا في مقالة بعنوان “ مشهد الشارع “ .
 “ بالنسبة للتجارب العملية فقد اخترت عادة مثالا طبيعيا وبسيطا تماما للمسرح الملحمي، وهي حادثة يمكن رؤيتها في أي ركن في الشارع، يوضح فيها شاهد عيان لمجموعة من الناس كيف وقع حادث مروري .أو ربما لم يلاحظ المارة ما حدث، أو ربما لا يتفقون معه ببســاطة، أو قد يرون الأشياء بطريقة مختلفــة المهم هو أن المتظاهر يمثل سلوك السائق أو الضحية، وربما كليهما بطريقة تســاعد المارة في تكويــن رأي عن الحادث “من المفيد في هذا السياق أن نلاحظ أيضا أن بريخت قد قام بتسمية أسلوب التمثيل هذا (الذي نبع من تمثيل الشخصية بالطريقة التي يروي بها المتظاهر القصة بدون أن يتطابق مع الشخصية) بأنه “ تمثيل ملحمي “ . وهذا يعيدنا إلى الأمر من جديد .
 أولا، هو تمثيل بالطبع . عندما يتحدث ( بريخت ) عن وجود مؤدين يفكرون خارج الصندوق فضلا عن داخل الصندوق، فهذا لا يعني أنه خرج عن التدفق . تما مثل عالم الرياضيات، ويصف ذلك بأنه مستوعب تماما في مشاهدة الرموز التي تكاد تكتب نفسها فقد يكون هناك آخر في حالة تدفق الإثبات ويتم استيعابه في داخل التفكير، ولا يحس بأي شيء خاص في كل ما يتعلق بتيار الرموز علي الورق . لذلك أيضا فان اللاعب الذي يفكر خارج التدفق، ربما يعايش هذا بنفس القدر، وربما أنه لكي يمثل جيدا بأسلوب بريخت يكون من المهم له أن يدخل في التدفق .
 ثانيا، حقيقة أن هناك تقاليد تمثيل أخرى مثل “ عرض الشخصية Showing” فضلا عن التطابق معها . يمكننا أن نتخيل أيضا بالتركيز علي الصور الأخرى للمسرحية الدرامية التي ربما تتطلب أسلوب تمثيل غير طبيعي : تركز علي الدور واللغة والحبكة وما إليها . فما حاوله بريخت هو رفض شكل المسرح التقليدي في الدراما . وعلي الرغم من أن هذا قد التحم بنقلة في تقاليد التمثيل، الا أن رفض الدراما، مع توضيح زخمها ( القدر ) في القصة هو مركز هجمات (بريخت ) علي مسرح الإيهام . وبالتالي أصبح واضحا أن الاختيار، حتى بالنسبة ل (بريخت) (الذي يشك في مسرح الإيهام )، ليس بين التمثيل باعتباره إبداعا لمظاهر زائفة وبين اللا تمثيل : إذ أنه كان بين تقاليد تمثيل وتقاليد تمثيل آخر . ولا يوجد، علي ما أظن، أي سبب واضح عند ( بريخت ) أو في إلقاء نظرة متأنية علي الظواهر لإثارة الشك في التمثيل علي أساس أنه ينشأ من مظاهر زائفة أو خادعة .
رابعا - لقد تتبعت الاستخدامات المختلفة لكلمة “ إيهام “ كما يمكن تطبيقها في الكلام عن المسرح . وقادني ذلك الي الملاحظة التالية : إذا فكرنا في الإيهام باعتباره مظهرا زائفا أو خادعا، فان المظهر الذي نفكر في وصفه بالمظهر الكاذب أو المخادع هو كل ما يدور علي خشبة المسرح، ولا يمكننا فعل ذلك إلا من خلال نسيان ذلك، بغض النظر عن التقاليد أو اللعب الطبيعي، فالمسرح مؤسسة ثقافية تقليدية . إنها تلك التقاليد التي قال (بريخت ) إنها تقدم تمثيلا حيا للأحداث المروية أو المبتكرة بين البشر الأشياء التي نجعلها تفعل مثلهم
 ربما لا تكون أفضل طريقة لمعرفة ما يتعلق بذلك بالضبط هي الاستمرار في التركيز علي ظواهر المسرح، كما كنا نفعل، ولكن ملاحظة كيف يمكن أن تكون الأشياء في ثقافة تفتقر إلى التقاليد . وهذا يتضح بدقة في قصة ( جورج لويس بورخيس) “ بحث ابن رشد Averroes Search” . ففي هذه القصة، يجد الفيلسوف “ ابن رشد “، الذي تفتقر ثقافته إلى التقاليد، أنه غير قادر علي ترجمة كلمتين في كتاب أرسطو “ فن الشعر “ : وهما “ التراجيديا والكوميديا “ . وقيل لنا إن “ ابن رشد فشل في فهم حكاية “ أبو القاسم” الذي حاول عند عودته من الصين أن يربط الحدث الذي شاهده في عرض مسرحي . وفشل ابن رشد أيضا في إيجاد أي رابطة بين فكرة المسرح ولعبة الأطفال الثلاثة خارج البيت : أحدهم يلعب دور المؤمن، والثاني يلعب دور المئذنة والثالث يلعب دور المؤذن الذي يدعو المؤمن للصلاة . ولم يفهم، عندما قٌتلت إحدى إمائه في الحريم بواسطة آخرين لمجرد أن لون شعرها أحمر، وهل فهم علاقتها بفكرة القدر عند أرسطو . كل العناصر موجودة إلا فكرة التقاليد الثقافية . وقد كان أمرا مفيدا أن (بورخيس) يرى “ ابن رشد “ يكتب : يقصد أرسطو بالتراجيديا شعر المدح، ويقصد بالكوميديا شعر الهجاء . ويمتلئ القرآن ومعلقات الشعر الجاهلي بالترجيديات والكوميديات المثيرة للإعجاب . ورغم ذلك فقد ورثنا التقاليد، وصارت الأمور معنا بشكل مختلف، فهناك بالفعل طرق يمكن أن نتوصل بها إلى عدم الثقة في التقاليد، ولكن الأمر ببساطة هو فشل المنطق في تأسيس عدم الثقة في فكرة أن كل ما يحدث علي خشبة المسرح هو مظهر زائف . ولكي نفعل ذلك يجب أن نقول ما يمكن أن يقوله “ جوناثان” “ هذا عمل مسرحي” . في الحالة الأولى نستدعي التقاليد المتفق عليها ؛ وفي الحالة الثانية ننساها . وهذا خاطئ ببساطة .
 يبقى الأمر كذلك حتى في الحالات الأكثر إثارة للاهتمام التي يكون جانب من جوانب الحياة البشرية التي نختار تمثيلها هو الموقف المسرحي نفسه، أو عندما نستخدم مثل هذا التقديم كجزء من الصياغة لاستكشاف بعض الجوانب الأخرى في الحياة . ويمكننا أن نرتبك بسهولة كما يحث في أي مكان آخر بالطبع . ولكن هناك عنصر إضافي في هذه الحالات يمكنه أن يؤدي، ان لم يتم التفكير فيه بوضوح، الي صورة مضللة للمسرح كمظاهر زائفة . لأننا عندما نختار أن نمثل موقفا مسرحيا أو نقدمه فإننا نعتمد علي المفهوم الفلسفي ( طبيعة الموقف) . وغني عن القول ان تقديمنا لن يكون ملائما إلا بمقدار النظرية الفلسفية التي نملكها عن هذا الموقف . وبالطبع، تسليما ببعض النظريات الفلسفية، نصل الي تقديم شيء مثل الحجة التالية ( المألوفة في نظرية علم الجمال ) .
1 - افترض أننا نفكر في المسرح بطريقة بريخت، كمشروع نقوم فيه بتقديم عروض حية للأحداث بين البشر .
2 - تمثيل الشيء ليس هو الشيء نفسه .
3 - المشاهدون في المسرح معنيون بتناول تمثيل الشيء نفسه، علي الأقل بطريقة ما .
4 - التمثيل المسرحي إبداع للإيهام والمظهر الزائف .
 ولكن هذا كما هو معروف حجة خاطئة . وإذا ركزنا علي صورة واحدة لكلمة “ تمثيل representation” تصبح الفرضية 2 صحيحة بشكل تافه . فصورة الصديق العزيز ليست هي الصديق العزيز . وخريطة كنساس ليست هي ولاية كنساس . ونستطيع ببساطة أن نتخيل شخصا ما يفتقد صديقة جدا لدرجة أنه يقبل صورتها، مثلما تشير بكبرياء الي الخريطة . يمكن أن يلعب التمثيل هذه الأدوار في حياتنا . ولكن الأمر سوف يستغرق شرحا كثيرا لكل الظروف الخاصة قبل أن نتمكن من فهم من وصف شخص ما بأنه يتوقع أن يسترد قبلة صديقته . ويمكن أن نحتاج أيضا هذا الشرح الخاص قبل أن نكون في وضع نفهم فيه إشارتك، مثل جملة “ أنوي قيادة السيارة علي طول الطريق “ كإشارة بأنك تنوي أن تقود السيارة عبر الخريطة . فالتمثيل ليس الشيء الذي يمثله ! . ولكن إذا كان هذا ما نعنيه بالفرضية رقم 2، فيجب أن تكون الفرضية 3 زائفة بالتأكيد . وإلا سوف نتصور أننا قد أغرينا المشاهدين بشكل روتيني في رحلات هلوسة علي نطاق واسع . وربما يكون ذلك محتملا بالطبع، ولكن لا يمكن لأحد أي يفترض منطقيا أنه الموقف النموذجي .
 هناك، من الناحية الأخرى، صورة لكلمة “ تمثيل “ والتي إذا ركزنا عليها، سوف تساعدنا في تفسير الفرضية رقم 3 بأنها صحيحة . فربما نقول ان التمثيل منطقيا هو تمثيل لشيء، وأننا في المسرح علي الأقل، مدعوون لاعتبارها فرضية صحيحة . وبالتالي إذا تم تمثيل “جاليليو “ باعتباره ليس بطلا في مسرحية “ جاليليو” لبريخت، فإننا مدعوون لاستقبال الفكرة بأن ما كان صحيحا فيما يتعلق بجاليليو . ولكن إذا كان هذا ما نحتفظ به في أذهاننا في الفرضية 3، فسوف تكون الفرضية 2 مضللة . وينبغي أن نقرأها كالتالي :
2” – ليس كل ما هو صحيح فيما يتعلق بتمثيل شيء صحيح بالنسبة للشيء الذي يمثله .
وينبغي أن نقرأ الفرضية 3 كالتالي :
3” في المسرح يهدف الجمهور إلى اعتبار بعض أنواع التقديم ذات الصلة فيما يتعلق بتمثيل ما تمثله باعتبارها حقيقية .
 وبإعادة كتابتها كالتالي، من الواضح أن الفرضية 4 لن تمر ببساطة . وهذا لا يعني أن نقول إننا لن نستطيع أو لا ينبغي لنا أن نجعل الأعمال المسرحية عن الموقف المسرحي التي تتمثل فيه هذه الحجة الخاطئة باعتبارها ملائمة . ولا يعني ذلك انه من الصواب العبث بهذه المفاهيم في المسرح، مما يفسد الحدود المفاهيمية حين تكون واضحة، ونجعلها تبدو حادة بينما هي ليست كذلك . اذ يمكننا فقط أن نقول إننا لدينا إيهام إذا افترضنا أنه حجة صحيحة . فلا يوجد شيء في المنطق يمنعنا من تقديم مثل هذا التفكير في المسرح – ولا إثارة الشكوك من هذا النوع حول المسرح . ولكن لا يوجد شيء في منطق كلمات مثل “المسرح“ و”الإيهام “ و” الخداع “ و “ التمثيل “ تحتاج ذلك أيضا .
...................................................................................
• جيمس هاميلتون يعمل أستاذا للفلسفة في جامعة ولاية كنساس ومن أبرز كتبه “ فن المسرح The Art of Theater “ عام 2009. وقد سبق أن قدمنا له عدة مقالات في أعداد سابقة لجريدة مسرحنا.
• نشرت هذه المقالة في مجلة Journal of Dramatic Theory and Criticism. العدد 41  المجلد 1 – الصفحات 39 - 50


ترجمة أحمد عبد الفتاح