المهرجانات المسرحية فى مصر.. وفرة تُنعش أم تزاحم يُربك؟

المهرجانات المسرحية فى مصر..   وفرة تُنعش أم تزاحم يُربك؟

العدد 996 صدر بتاريخ 28سبتمبر2026

تشهد الساحة المسرحية فى مصر تزايدًا ملحوظًا فى عدد المهرجانات، بما يعكس حيوية فنية ورغبة فى توسيع دوائر العرض والتفاعل. غير أن هذا الزخم يثير تساؤلات حول تأثيره على جودة العروض ومدى قدرته على تحقيق تأثير حقيقى ومستدام. 
ومع تقارب المواعيد وتداخل الفعاليات، يبرز التحدى فى تحقيق التوازن بين الكمّ والتنظيم، بما يضمن الاستفادة من هذا الحراك دون الوقوع فى فخ التشتت أجرينا                              
هذا التحقيق مع مجموعة من المسرحيين الذين يمتكلون خبرات واسعة فى اقامة المهرجانات والذين اوضحوا وجهات نظرهم المختلفة حول زخم المهرجانات وتنظيم مواعيدها منعا لتداخلها وايضا حول جدوها.
الحل فى توزيع المهرجانات
على مدار العام
ترى د. دينا أمين، مديرة المهرجان التجريبى، أن مسألة تعدد المهرجانات المسرحية تحمل وجهين؛ فمن ناحية يمكن أن تسهم فى تنشيط الحركة المسرحية، لكن الكثرة المفرطة منها قد تؤدى إلى نتائج عكسية، أبرزها تشتيت الجمهور وإرباكه، وهو ما ينعكس مع مرور الوقت على تراجع نسب الاهتمام. وتؤكد أن القيمة الحقيقية لا تكمن فى عدد المهرجانات، بل فى جودة ما تقدمه، وتميز برامجها، وقدرتها على خلق تجربة فنية وثقافية متفردة. 
وتضيف أن تقارب المواعيد الزمنية بين المهرجانات يخلق حالة من “الربكة” على مستويات متعددة، سواء من حيث الحضور الجماهيرى أو المشاركة الفنية أو التغطية الإعلامية، مشيرة إلى أن تقليل عدد المهرجانات مقابل رفع كفاءتها التنظيمية والفنية من شأنه أن يترك أثرًا أعمق ويسهم فى بناء جمهور حقيقى ومستدام. 
كما تشدد على الحاجة الملحة لإعادة تنظيم خريطة زمنية واضحة للمهرجانات المسرحية فى مصر، لافتة إلى أن تكدّس أكثر من أربعة مهرجانات خلال شهرى سبتمبر وأكتوبر، جميعها فى القاهرة، يعكس خللًا فى التخطيط يستوجب تدخل الجهات المعنية لإعادة ضبط الإيقاع العام لهذه الفعاليات. 
وفى هذا السياق، تقترح د. دينا أمين أن يكون الحل فى توزيع المهرجانات على مدار العام، إلى جانب التوسع الجغرافى فى إقامتها داخل محافظات مختلفة، بما يضمن وصول المنتج الثقافى إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور فى ربوع مصر، ويمنح كل مهرجان فرصته الكاملة فى التأثير والدعاية دون أن يتأثر بزحام الفعاليات الأخرى.

للمهرجانات المسرحية وجهان بين التوسع الجماهيرى وتحديات التداخل الزمنى 
قال د. محمد الشافعى، المنسق العام للمهرجان التجريبى، إن كثرة المهرجانات المسرحية لها عامل إيجابى وآخر سلبي؛ فالعامل الإيجابى يتمثل فى إحداث نوع من التوسع والانتشار لدى الجمهور العام، خاصة غير المتابع لبعض أنواع المسرح مثل المسرح المستقل أو الجامعى أو مسارح القطاعات المختلفة فى الدولة التى لا تعتمد على نصوص معروفة أو نجوم، وبالتالى يكون للمهرجانات دور فى جذب المشاهدين العاديين، وذلك فى حال كان المهرجان ناجحًا وله صدى إعلامى، أو يحظى بتغطية من الجهات الإعلامية لفعالياته، بما يعزز من مشاركته المجتمعية. 
وأضاف أن من الجوانب الإيجابية أيضًا إتاحة الفرصة للفنانين لمشاهدة أعمال لفنانين آخرين، خاصة فى المهرجانات الدولية، إلى جانب ما تمثله المهرجانات من حالة بهجة واحتفال واحتفاء بالشخصيات والفعاليات، وهو ما يسهم فى جذب عدد أكبر من المشاهدين، خاصة من غير المهتمين بالمسرح على مدار العام. 
وأشار إلى أن السلبيات تتمثل فى التداخل بين المهرجانات، حيث قد يقدم أكثر من مهرجان النوع نفسه من العروض، فضلًا عن أن بعض المهرجانات قد تبتعد عن الهدف الفنى وتركز على الجانب الربحى، وهو ما يؤدى إلى تقديمها بشكل سلبى لا يحقق الدور الذى أُنشئت من أجله. 
وتابع قائلًا إن عددًا كبيرًا من مؤسسى المهرجانات، خاصة فى مدن مثل القاهرة والإسكندرية، يختارون مواعيد مرتبطة بالموسم الصيفى، نظرًا للإجازات ووجود الناس لفترات أطول خارج المنازل، إلا أن هذا التوجه يُعد أمرًا مضرًا، إذ لا يجد الجمهور وقتًا للراحة الذهنية بسبب تداخل المهرجانات، حيث ينتهى مهرجان ليبدأ آخر على الفور. 
وأوضح أن اللجنة العليا للمهرجانات حاولت أكثر من مرة تنظيم المواعيد، ونجحت أحيانًا فى السيطرة على هذا الوضع، لكن فى أحيان أخرى، خاصة فى المهرجانات الدولية، يصبح من الصعب تغيير المواعيد لارتباطها بأجندة دولية، إذ يتطلب تنظيم مهرجان دولى مراعاة عدم تزامنه مع مهرجانات مماثلة فى المنطقة أو فى دول أخرى، لضمان أكبر مشاركة من العروض وحضور دولى مناسب، وهو ما يجعل تنسيق موعده أكثر تعقيدًا، بينما تظل المهرجانات المحلية فى حاجة إلى تنظيم أكبر، داعيًا إلى عقد اجتماع يضم رؤساء المهرجانات المحلية لوضع خريطة زمنية منظمة لدوراتها. 
وأضاف أن المهرجانات لا تقتصر على المسرح فقط، بل تمتد إلى السينما والموسيقى ومهرجانات الأطفال والفنون الشعبية، مؤكدًا أن فكرة الدعاية تعتمد على مدى تأثير المهرجان فى المجتمع، وأن الهدف منها الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور العام، وليس فقط المتخصصين أو الممارسين للفن. 
وفيما يتعلق بتأثير المهرجانات على الجمهور، أوضح أن الأمر يرتبط بمدى الصدى الإعلامى، مستشهدًا بمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، الذى شهد فى بداياته إقبالًا جماهيريًا كبيرًا، ثم تراجع فى بعض المراحل، قبل أن يعود الإقبال للزيادة مع تغير طبيعة المتلقى، الذى أصبح أكثر تقبلًا لأشكال جديدة من الفرجة وموضوعات مختلفة، مشيرًا إلى أن المهرجان التجريبى بطبيعته لا يقدم عروضًا تقليدية، ولا يشترط أن ترضى جميع الأذواق، فالتجريب يعنى تقديم محاولات قد تنجح أو لا تنجح، وهو ما يشكل جزءًا من فلسفته. 
واختتم مؤكدًا أن الفرص الدعائية ليست متساوية بين المهرجانات، فلا يمكن مقارنة مهرجان للطفل بآخر للكبار، أو مهرجان موسيقى بمهرجان للهواة، إذ تختلف طبيعة كل مهرجان واستراتيجيته الفكرية، وهو ما يحدد نوع الدعاية ومدى استجابة المجتمع لمتابعته.

بين وفرة المهرجانات وجودة المخرجات.. التوازن ضرورة لا رفاهية 
يؤكد الناقد د. محمود سعيد أن أى حركة أو فعل مسرحى يُعد فعلًا إيجابيًا فى جوهره، ويحمل العديد من المفردات المسرحية المهمة المطلوبة، مشيرًا إلى أن كثرة المهرجانات المسرحية يمكن أن تؤدى أدوارًا إيجابية متعددة إذا ما تم التعامل معها بوعى. فهذه الكثرة تتيح فرصًا أكبر للعرض، وتسهم فى إبراز الجيد والمميز من النصوص والعروض والممثلين والسينوغرافيين، كما أن تعدد المشاركات يتيح نقل الخبرات وتداولها بشكل فعال، شريطة أن تُمنح الفرص للجميع بشكل متوازن، بحيث لا تتكرر الوجوه ذاتها باستمرار وكأنها تحتكر المهرجانات، فى مقابل غياب وجوه جديرة بالمشاركة والظهور. 
ويضيف أنه من المفترض أن يستفيد العرض الذى يشارك فى أكثر من مهرجان من كل تجربة يخوضها، من خلال تقليل السلبيات وصقل فريق العمل باكتساب خبرات متنوعة ومتراكمة. 
وفى المقابل، يحذر من أن تقارب مواعيد المهرجانات بشكل مبالغ فيه يؤثر سلبًا على العملية المسرحية، حيث يؤدى إلى تضارب فى المواعيد وتشتت ملحوظ، خاصة مع تكدس شهور سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر بالمهرجانات العربية، بما يجعلها مواسم مزدحمة بصورة لافتة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن ووضع خريطة عربية محكمة لمسار المهرجانات المسرحية، بما يضمن الاستفادة الحقيقية منها بدلًا من الوقوع فى حالة من الخلط والتشتت. 
وفيما يتعلق بالدعاية، يشير إلى أهميتها الكبيرة، لكنه يؤكد أن الفرص ليست متساوية بين جميع المهرجانات، إذ ترتبط بعوامل مثل الإمكانات المادية وشبكة العلاقات. ويخلص إلى أن المهرجانات المسرحية تمثل سلاحًا ذا حدين؛ فإذا أُحسن توظيفها بشكل إيجابى، ستعود بالنفع على الفنانين وعشاق المسرح فى مختلف أنحاء العالم العربى، أما إذا أُقيمت دون تخطيط أو تنظيم أو توازن، فسنجد أنفسنا أمام حالة من التكدس، أشبه بالمثل الشعبى «العدد فى اللمون»، حيث تكثر المهرجانات بينما تأتى النتائج ضعيفة وفقيرة.

تفقد هذه الكثرة قيمتها عندما تتحول إلى مجرد استعراض بلا رؤية فنية
قال الناقد والشاعر والكاتب دكتور سيد  عبد الرازق زيادة عدد المهرجانات المسرحية على الرغم من كونه ظاهريّا أمرا محببًا وجيدًا إلا أنه سلاح ذو حدين، فمن ناحية يمكن القول إنه ظاهرة إيجابية تعكس حيوية المشهد الثقافى ورغبة المؤسسات فى تقديم منصات جديدة، كما أنها تمنح الشباب فرصا حقيقية لعرض مواهبهم وتطوير أدواتهم من خلال الاحتكاك المباشر مع الآخرين، ولكن من ناحية أخرى، تفقد هذه الكثرة قيمتها عندما تتحول إلى مجرد استعراض بلا رؤية فنية واضحة، وتخطيط استراتيجى خادم للمشهد المسرحى المصرى، وهو ما يتجلى للأسف كثيرًا، ودعينا نتفق أن غياب التميز بين المهرجانات يؤدى أحيانًا إلى تكرار نفس الأسماء والعروض، مما يوقع المسرح فى فخ الرتابة والملل، هذا بجانب الأمور الأخرى المتعلقة بإجازات النصوص وخلافه، فلنا أن نتخيل حجم هذا التكرار، بالإضافة إلى ذلك فكرة المجهود الشخصى للبعض فى تبنى المهرجانات وبالطبع الحصول على الدعم سواء من الوزارة أو المحافظات... إلخ فإن توزيع الميزانيات المحدودة على مهرجانات كثيرة يضعف التمويل المخصص لكل مهرجان، وهو ما يؤثر سلبًا على جودة الإنتاج، ومستوى الضيوف والورش التدريبية، باختصار مسألة زيادة أعداد المهرجانات من عدمه يجب أن تنظر إلى أثر هذه الزيادة، وليس إلى مسألة تتعلق بالكم. 
وعن مدى تأثير تقارب المواعيد الزمنية بين المهرجانات على نسب الحضور والمشاركة الفنية والإعلامية أضاف :»إذا خرجنا فى مصر من فكرة التكرار المتعلقة بالعروض، والأسماء المشاركة على كافة الأصعدة، أغلب الظن أن هذا سيتيح فرص أكبر للمشاركة، لكن الواقع أن الاعتماد على هذه الطريقة الموجودة الآن نتيجته أن يجد المبدعون من ممثلين ومخرجين ونقاد أنفسهم مجبرين على الاختيار بين المهرجانات، أو تكرار المشاركات، أو المشاركة على عجل مما يضر بجودة أعمالهم، وبالتالى المشاركة الفنية. أما عن الحضور الجماهيرى فالواقع ان جمهور المهرجانات المسرحية غالبًا هو من أبناء المسرح ذاتهم، الفرق تحضر لتشاهد الفرق، وهذا له طاقة ووقت وميزانية محدودة، وتكديس المهرجانات فى فترة قصيرة، وفى مواضع جغرافية بعينها، يسبب حالة من عدم اتساع رقعة الجمهور، وهذا يتطلب خطة واضحة بالتوزيع الزمنى والجغرافى أيضا، 
وفيما يتعلق بالتغطية الإعلامية فهو أمر أيضا يعتمد على المبادرات الفردية ومستوى علاقات القائمين على المهرجان، لكن على كل يصاب الإعلام الثقافى بالتشتت؛ فبسبب المساحات المحدودة فى الصحف والبرامج، يعجز الإعلام عن تغطية أكثر من حدث بنفس العمق، هذا إذا أقررنا أصلًا بمحدوديته، مما يغيب النقد الفنى الحقيقى ويستبدله بأخبار سريعة ومختصرة، أستطيع بكل أريحية أن أطلب عملية مسح بسيطة للمواطنين العاديين فى الشارع وسؤالهم عن أعظم مهرجان مسرحى مصرى، لنكتشف موقع المسرح الحقيقى والذى هو الفن المباشر المقدم للناس فى الإعلام، فى مواجهة أى تريند. 
وعن تنظيم خارطة المهرجانات تابع :» هذا الأمر ليس رفاهية أو ترف، هذا الأمر خطوة ضرورية لإنقاذ المسرح من العشوائية، نحن بحاجة ماسة إلى جدول زمنى موحد ومعلن تشرف عليه الجهات الثقافية المسؤولة، جدول زمنى وجغرافى ونوعى، لأنه ببساطة عملية توزيع الفعاليات بشكل متوازن على مدار العام تضمن استمرار النشاط المسرحى، وتحول المسرح من مجرد مناسبة عابرة إلى عادة مجتمعية دائمة، وهذا التنظيم يمنح إدارات المهرجانات وقتا كافيا للتحضير، واختيار العروض بدقة، والتنسيق مع الفرق المستضافة محليًا وعالميًا، كما يتيح للجهات الداعمة جدولة ميزانياتها لضمان استمرار الدعم طوال العام، حقيقة ليست الخريطة الزمنية وحدها من تحتاج لإعادة التنظيم، لكن نحتاج لجسارة الاعتراف بضرورة إعادة تنظيم البيت من الداخل على مستويات عديدة، ورغم تثمينى للجهود المبذولة فى الفترة الأخيرة، إلا أننا نحتاج لالتقاط الأنفاس، وعمل مراجعة شاملة لعناصر عديدة لنعرف موقعنا الحقيقى قبل الجدول الزمنى الجديد، ماذا عن البنية التحتية وتأهيل المسارح؟ ماذا عن العدالة الثقافية والبحث فى مسألة تركز الأنشطة المسرحية الاحترافية والكبرى فى مواضع جغرافية بعينها؟ ماذا عن منظومة الإنتاج والتمويل، ومرونة الميزانيات؟ ومواجهة البيروقراطية الإدارية؟ ماذا عن الأجور العادلة للفنانين وميزانيات الديكور والتقنيات الحديثة؟ ماذا عن شراكة القطاع الخاص؟ ماذا عن تجديد الدماء؟ وتحديث المناهج، والورش المستدامة؟ ماذا عن العقبات التى تواجه النص المسرحي؟ ولطالما طلبت إحصائية واضحة فى نهاية العام المالى تقول لنا أعداد ونوعيات النصوص المسرحية فى مواجهة العربية والعالمية ومعرفة مدى إسهام المؤلف المصرى فى صناعة مسرحه، ماذا عن الحركة النقدية والإعلام الثقافي؟ ماذا عن الوصول الرقمى لجمهور المسرح وآليات التسويق؟ هناك تجارب مسرحية حديثة العهد لكن تنظيم كل هذه الأمور جعلها محطات رئيسة فى المسرح ولها تأثير عالمى الآن، ونحن لا تنقصنا الخبرة ولا التجربة، لكن ما ينقصنا حقيقة هو الإيمان بضرورة التقييم والتقويم. 
وإستطرد قائلًا :»للخروج من دائرة التكرار والتزاحم، يجب تبنى أفكار تسويقية وإدارية حديثة ترتكز على مجموعة من المحاور بعضها متحقق نسبيًا والبعض الأخر يحتاج أن يوضع فى الاعتبار، منها التخصص الواضح فلا يمكن لكل المهرجانات أن تقدم كل شئ، يجب أن يكون لكل مهرجان هويته الخاصة وهذا التخصص يمنح المهرجان بصمة فريدة تجذب جمهورًا ونقادًا مهتمين بالنوع، الأمر الآخر المهم اللامركزية، يجب نقل بعض المهرجانات إلى المدن والمحافظات الأخرى؛ فالبيئات الجديدة تمنح المهرجان جمهورا شغوفًا ومتعطشًا، وتحميه من منافسة الفعاليات الكبرى فى العاصمة، وتحوله إلى حدث سياحى وتنموى للمنطقة، وأيضا التسويق المستمر طوال العام فمن غير المعقول توقف المهرجانات على قرار فجائى لارتباطه بالميزانية.

المهرجانات المسرحية بين ثراء التنوع وتحديات التنسيق 
يرى المخرج عمرو قابيل، رئيس ملتقى القاهرة الدولى للمسرح الجامعى، أن تعدد المهرجانات المسرحية يمثل فى جوهره ظاهرة إيجابية، نظرًا لما تحمله من طبيعة خاصة تقوم على التجمع الفنى، والتنافس، والحضور الجماهيرى والنقدى والإعلامى، وهو ما يسهم فى تنشيط الحركة المسرحية وتحفيز صُنّاعها، فضلًا عن إثراء المشهد الثقافى بشكل عام. 
ويؤكد أن العروض المشاركة فى المهرجانات غالبًا ما تحظى بعناية خاصة من فرقها، مدفوعة بالرغبة فى الظهور بأفضل صورة داخل مناخ تنافسى يخضع للتقييم والمتابعة الإعلامية، بما ينعكس إيجابًا على مستوى هذه العروض. 
إلا أنه يشدد على أن هذه الإيجابية لا ترتبط بعدد المهرجانات بقدر ما ترتبط بامتلاك كل مهرجان فلسفة واضحة وهوية مميزة، وقدرته على تقديم إضافة حقيقية للمشهد المسرحى، محذرًا من أن تكرار البرامج والأهداف دون تميز أو تخطيط قد يؤدى إلى تشتيت الجهود واستنزاف الطاقات والموارد بدلًا من تنشيطها. وفيما يتعلق بتقارب المواعيد الزمنية بين المهرجانات، أوضح قابيل أن خريطة المهرجانات فى مصر تتسم بدرجة من التنوع، سواء من حيث المحتوى الفنى أو طبيعة الجمهور أو الانتشار الجغرافى، وهو ما قد يقلل من التأثير المباشر على جماهيرية كل مهرجان، بشرط وضوح هويته وقدرته على جذب جمهوره. 
لكنه أشار فى الوقت ذاته إلى أن هذا التقارب قد يؤثر بشكل أكبر على مشاركة الفنانين والنقاد والإعلاميين، خاصة مع تكرار الاستعانة بالأسماء نفسها فى لجان التحكيم والندوات والتغطيات، وهو ما يستدعى ضرورة التنسيق بين إدارات المهرجانات والجهات الثقافية والإعلامية، إلى جانب أهمية وجود مركز إعلامى متخصص لكل مهرجان يضع خطة تبدأ قبل انطلاقه بوقت كافٍ وتستمر خلال الفعاليات وبعد انتهائها. وحول تنظيم الخريطة الزمنية، يرى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت تبلورًا نسبيًا لمواعيد المهرجانات المسرحية، بفضل جهود لجنة المهرجانات بوزارة الثقافة فى تقليل التعارض بينها، إلا أن التحدى الأكبر ما يزال قائمًا فى تداخلها مع فعاليات فنية أخرى كبرى فى مجالات السينما والموسيقى، والتى تستقطب بدورها عددًا كبيرًا من الفنانين والإعلاميين. 
وأضاف أن هذا التداخل قد يحرم بعض المهرجانات المسرحية من مشاركة أسماء مهمة، سواء باعتبارهم مكرمين أو أعضاء فى لجان التحكيم أو مشاركين فى الندوات، مما يؤكد الحاجة إلى خريطة ثقافية شاملة تنسق بين مختلف الفنون، وليس المسرح فقط. 
واختتم قابيل حديثه بالتأكيد على أن مسؤولية تحقيق التأثير الحقيقى تقع بالأساس على إدارة كل مهرجان، من خلال امتلاك رؤية واضحة وهوية مميزة، والقدرة على مخاطبة الجمهور المستهدف، إلى جانب بناء محتوى إعلامى فعال يبدأ قبل المهرجان بوقت كافٍ ويستمر طوال العام، مؤكدًا أن الدعاية لم تعد مجرد نشر أخبار أو ملصقات، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من صناعة جمهور المهرجان وترسيخ حضوره على المدى الطويل.

المهرجانات المسرحية متنفس للشباب وحل إشكالياتها يبدأ بخريطة زمنية متكاملة 
قال المخرج هشام السنباطى، رئيس ومؤسس مهرجان «آفاق مسرحية»، إن المهرجانات المسرحية تعد عاملًا إيجابيًا محوريًا فى تنشيط الحركة الفنية ونشر التنوير والثقافة فى مختلف ربوع مصر، سواء كانت نوعية متنوعة أو متخصصة، وأوضح أن هذه الفعاليات توفر متنَفّسًا حيويًا وفرصة حقيقية لفرق الهواة والمسرح الحر والفرق المستقلة لتقديم إبداعاتها والتعبير عن نفسها، لا سيما أنها تجد صعوبة كبيرة فى تدبير أماكن العرض بسبب الارتفاع الكبير فى إيجارات المسارح، بخلاف مسارح الدولة التى تمتلك ميزانيات وأجندات زمنية وأماكن خاصة بها، وأشار السنباطى إلى أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فى تقارب المواعيد بين المهرجانات، بل فى تكرار مشاركة العرض المسرحى الواحد فى أكثر من مهرجان نتيجة قلة منافذ العرض المتاحة للشباب، مما يجعل بعض المهرجانات تبدو متشابهة، وأكد أن هناك تكدسًا شديدًا فى تنظيم المهرجانات خلال أشهر الصيف والفرص الموسمية (من أغسطس حتى نوفمبر)، بدلًا من توزيعها بشكل متوازن على مدار أشهر السنة الـ 12، وهو ما يعود لترك تحديد المواعيد لرغبة القائمين على كل مهرجان بشكل فردى، وقال السنباطى إن الحل يكمن فى وضع خريطة زمنية واضحة ومحددة بالتنسيق بين الجهات المعنية ورؤساء المهرجانات، بحيث يُراعى فى اختيار الموعد طبيعة المهرجان والجمهور المستهدف منه؛ فمهرجانات الطفل يُفضل إقامتها أثناء العام الدراسى لتتكامل مع النشاط المدرسى، بينما مهرجانات الشباب كـ «مهرجان آفاق مسرحية» يجب إبعادها عن فترات الامتحانات لضمان مشاركة صناع العروض وحضور الجمهور، وأوضح أن نجاح أى مهرجان يعتمد بالدرجة الأولى على التنظيم الجيد واحترام الجمهور المستهدف، بداية من اختيار مواعيد عروض مناسبة للجمهور عامة مثل الموظفين والطلبة، وصولًا إلى تنظيم حركة الدخول والخروج، وأشار إلى تحفّظه على اعتماد نظام الحجز الإلكترونى (أونلاين) بشكل كلى، لكونه قد يحرم فئات من المواطنين البسطاء وغير المتمكنين من التعامل مع التكنولوجيا من حقهم فى الاستفادة من الخدمة الثقافية التى تقدمها الدولة، وأكد رئيس ومؤسس مهرجان «آفاق مسرحية» فى ختام حديثه أن الحل الأنسب والأكثر عدالة هو اعتماد التنظيم الميدانى القائم على مبدأ «أسبقية الحضور» وتوزيع بطاقات بأرقام تسلسلية (IDs)، مشيدًا بالتجارب التنظيمية الناجحة فى هذا الصدد مثل تجربة «مركز الهناجر للفنون» وتجربة «مركز الإبداع الفني» تحت قيادة الدكتور خالد جلال.

أزمة المسرح المصرى ليست فى كثرة المهرجانات بل فى بنيته المؤسسية وغياب الاستراتيجيات الحديثة لجذب الجمهور 
?أكدت منى سليمان، مدير وصلة للفنون، أن المهرجانات المسرحية لا تُقام بهدف تنشيط الحركة المسرحية كما يُعتقد شائعًا، بل إن وجودها يأتى كنتاج طبيعى لغزارة الإنتاج المسرحى والاحتفاء به، مشددةً على أن العروض هى التى تُوجد المهرجانات وليس العكس. ?
وأوضحت سليمان أن مصر تمتلك تاريخًا مسرحيًا عريقًا وحجمًا إنتاجيًا هو الضخم فى المنطقة بحكم كثافتها السكانية؛ وهو ما يجعل وجود المهرجانات ضرورة تنظيمية وتسويقية لاستيعاب هذا التنوع الفنى-من مسرح معاصر، وعروض رقص، وتمثيل كلاسيكى-وعرضه للجمهور ضمن أطر احتفالية وخطط تسويقية محددة. ?
وفى إشارتها إلى الأرقام وحجم الفاعلية المسرحية، كشفت مدير مهرجان «وصلة للفنون» أن الحركة المسرحية فى مصر نشطة للغاية بطبعها ولا تنتظر من يبعث فيها الحياة؛ إذ يُنتج المسرح الكنسى وحده أكثر من ألفى (2000) عرض سنويًا ولهم مهرجاناتهم الخاصة، بينما يقدم البيت الفنى للمسرح (مسرح الدولة) ما يزيد على 40 عرضًا سنويًا، إلى جانب الحضور الدولى والإنتاج الغزير للمسرح المستقل. 
وعن الوظيفة الحقيقية للمهرجانات، بيّنت سليمان أنها تتجاوز فكرة «النشاط الثقافى اللطيف»، لتصبح مرآة حقيقية ترصد أزمات الصناعة وتحدياتها؛ فهى الكاشف الفعلى لمستويات الجودة، وتوجهات التمويل، ونسب الإنتاج بين الفنون المختلفة كعروض الرقص مقارنة بالأنواع الأخرى، فضلًا عن كونها سوقًا ممتدًا يتيح لصناع المسرح التلاقى وتبادل الخبرات. ?
وفى سياق ردها على المطالبات بتقليص أعداد المهرجانات، شددت سليمان على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فى المهرجانات نفسها، بل فى «البنية المؤسسية» وقلة عدد المسارح والمساحات المتاحة للعروض، مؤكدةً أن تقليل المهرجانات ليس هو الحل، ولن يفيد الصناعة، بل المطلوب هو معالجة القصور الشديد فى الخدمات المكملة والداعمة للمسرح. ?
وأضافت أن حجم الإنتاج المسرحى الضخم فى مصر يفوق بكثير قدرات البنية التحتية والكوادر المتاحة التى تخدم هذه الصناعة؛ حيث نعانى من نقص واضح فى أعداد المسارح المجهزة، والفنيين والتقنيين، والصحفيين المتخصصين، والمساحات الإعلامية المخصصة للمسرح. ورأت أن الحل يكمن فى تدخل الدولة لتقديم تمويلات متنوعة ودعم برامج تدريب الكوادر، وتوفير التسهيلات التى تمكّن المسرحيين من مواصلة عملهم، بدلًا من التفكير فى تقليص المهرجانات التى تُحدث الزخم وتوجه بؤرة الضوء نحو قضايا وتيمات فنية محددة. 
وفى هذا الصدد، دعت سليمان إلى ضرورة إحداث تغيير جذرى فى كيفية تعاطى صناع المسرح مع الجمهور وشبكات التواصل الاجتماعى والصحافة الفنية، واصفة إياها بالدائرة المغلقة التى تحتاج إلى مجهود وأدوات حديثة. ?
وأوضحت أن أجيال الجمهور الجديدة نشأت فى زمن مختلف يهيمن عليه المنصات الرقمية والأزمات الكبرى كجائحة كورونا؛ وبالتالى فإن هذا الجمهور لن ينجذب للمسرح بنفس الأدوات أو العقليات القديمة التى تعتمد على الخطابات الفردية الطويلة دون الالتفات لمتطلبات التجربة المسرحية المعاصرة. ?
وأكدت مدير مهرجان وصلة للفنون، أن القطاع الخاص فى المسرح ينتبه جيدًا لأهمية الهوية البصرية وجودة الدعاية والتصوير وتوفير عنصر المتعة لجذب الجمهور، داعيةً صناع المسرح المستقل والعميق إلى الاستفادة من هذه الأدوات التسويقية الحديثة والتركيز على منصات التواصل الاجتماعى والتصميم بصورة احترافية دون الاستهانة بالجمهور أو التعامل معه بعقلية الوصاية. ?
واختتمت حديثها بالإشارة إلى تجارب دولية مثل بلغاريا، التى تُقام فيها المهرجانات بشكل متتالٍ ومكثف رغم إمكانياتها المحدودة مقارنة بمصر، وكذلك مهرجان أفينيو الممتد لـ 74 عامًا ومهرجان إدنبرة الممتد لـ70 عامًا، مشيرة إلى أن استمرارية هذه المهرجانات مرهونة بامتلاكها رؤية واضحة، وهدفًا محددًا، ومهارات دعاية قادرة على إبراز تميزها وسط أسطول العروض المنافسة، للوصول الفعلى إلى الجمهور المستهدف.


رنا رأفت